د. محمد عبد الحكيم كرشيد: عن هجرة الأطباء التونسيين

mohamad karsheed

د. محمد عبد الحكيم كرشيد

هجرة الأطباء التونسيين للعمل في الخارج ليست حديثة فقد كانوا قبل سنة 2011 يهاجرون للعمل إما في إطار اتفاقيات تعقدها الحكومة مع بعض الدول و خاصة الخليجية منها و إما فرادى إلى الدول الغريبة لأسباب شخصية و خاصة لمزيد التكوين العلمي و لكن الحديث أن تتحول هجرة الأطباء إلى ظاهرة قطاعية تتفاقم عام بعد عام لتهدد مستقبل المهنة و تضر بمصالح المجتمع و سلامته الصحية.

  الغريب أن هذه الظاهرة الخطيرة تثير مخاوف العديد من رجال المهنة و كثير من المتابعين للشأن الصحي في البلاد ولكن  وزارة الصحة تبدو غير معنية بها فهي لم تٌصرّح حتى بنسب الأطباء المهاجرين فضلا عن انعكاساتها على المنظومة الصحية و طرق معالجتها و كأننا نتحدث عن هجرة الطيور و ليس عن كفاءات تونسية أنفق عليها المجتمع من جهده و عرقه و سخرت لها الدولة الوطنية كل أسباب التفوق و النجاح ثم تركتها تهاجر لتنتفع بها شعوب أخرى.

  عمادة الأطباء التونسية أطلقت مؤخرا  و على لسان عميدها الدكتور منير مقني صيحة فزع بسبب  ما توفر لديها من أرقام عن هجرة الأطباء مقارنة بعدد الأطباء الذين يرسمون كل سنة  حيث لم تتجاوز هذه النسبة 6 %  سنة 2013 لتبلغ 43 % سنة 2017 و هي نسب مفزعة حسب رأي عميد الأطباء لأنها ستضر بالتوازن الصحي في البلاد و ستدفع الحكومة للبحث عن أطباء من الخارج لتوفير الرعية الصحية للمرضى .

  بلغة الأرقام أيضا  تظهر نتائج المناظرة السنوية لمعادلة الشهائد الطبية الأجنبية بنظيراتها الفرنسية الصادرة نهاية  2016 و التي شملت كل الجنسيات الأجنبية من خارج الإتحاد الأوروبي أنه كان للأطباء التونسيين نصيب الأسد فعلى 450 مقعدا من مختلف الاختصاصات  حاز الأطباء التونسيون على حوالي الثلث و بالتمعن أكثر في هذه النتائج نجد أنه في طب النساء و هو الاختصاص النادر في تونس عموما و المعدوم في بعض الولايات الداخلية  تحصل الأطباء التونسيون على 10 مقاعد من مجمل 20 مقعدا و في طب الإنعاش و التخدير الذي هو ليس أحسن حضا من طب النساء و التوليد  تحصل الأطباء التونسيون على 20 مقعدا من مجمل 40 مقعدا  وفي  أمراض المفاصل تحصل التونسيون على المقاعد الثلاثة التي فتحت لهذا الاختصاص .

 هذه النتائج تعكس أولا التكوين المتميز و الكفاءة العالية للأطباء التونسيين و لكنها تدق نواقيس الخطر لواحد من أهم القطاعات المهنية حيوية و نشاطا لتوليه مباشرة صحة المجتمع و سلامة أبنائه.

       هجرة الأطباء لا تقتصر فقط على المتخرجين الجدد و لكنها شملت أيضا كثيرا من الأطباء و الأساتذة  الجامعيين الذين تعتمد عليهم المستشفيات الجامعية و كليات الطب وهؤلاء لا تنقصهم الامتيازات المادية بعد أن سٌمح لهم  بالعمل في النشاط الحر التكميلي  الذي سخّر لهم  تجهيزات و معدات المستشفيات للعمل لحسابهم الخاص بلا حسيب ولا رقيب و لكن  ما دفعهم للهجرة هو انهيار المنظومة الصحية العمومية   و ما رافقها  من تعطل التجهيزات الضرورية للعمل و فقدان الأدوية  في المستشفيات بالإضافة إلى وسوء تنظيم الإدارة و  صعوبة التعامل مع أعوان الصحة و الإطارات شبه الطبية .

  صحيح أن الأطباء المهاجرين يعرفون جيدا ماذا ينتظرهم في المجتمعات الأوروبية التي يهاجرون إليها فرواتبهم لن تتناظر مع نظرائهم الأوروبيين مهما فعلوا و سيضطرون إلى كثير من حصص الدوام خاصة في البداية حتى يسددوا نفقاتهم و أوضاعهم الإدارية سوف تضل أيضا أقل من نظرائهم الأوروبيين و قد يشعرون بالظلم و حتى بالميز العنصري في ضلل تصاعد موجات الكراهية ضد العرب و المسلمين و لكنهم مع ذلك يعملون ما في وسعهم للعمل في أوروبا و يتحملون مشقة تعلم لغات أجنبية صعبة و خاصة الألمانية ليلتحقوا بألمانيا التي تعاني من نقص في الأطباء و تدرك كفاءة الأطباء التونسيين.

  صحيح أيضا أن أوضاع الأطباء في تونس ليست على ما يرام فالقطاع الخاص لم يعد قادرا على استيعاب الكثير من الأطباء المتخرجين و هو يعاني من عدة صعوبات بسبب ضعف الإمكانيات المالية  للمواطن الذي لم يعد قادرا على العلاج في القطاع  الخاص و بسبب ضعف التغطية الصحية للمواطنين و عجز الصندوق الوطني للتأمين على المرض عن تطوير منظومته  لتغطي عديد الأمراض بل و عجزه حتى عن سداد مستحقات الأطباء رغم تدنيها كما أن السياحة الطبية الأجنبية تراجعت كثيرا مقارنة بما كانت عليه قبل 2011  وخاصة المرضى الليبيين الذي كانوا يمثلون قبل ذلك التاريخ  أكثر من 30 في المائة من مداخيل المصحات الخاصة و نسبة عالية من  مداخيل عدة أطباء خواص و هي تكاد تكون اليوم معدومة بسبب الأوضاع في ليبيا.

  أما القطاع العام فيعاني من صعوبات أخطر من تلك التي يعانيها القطاع الخاص فالمستشفيات العمومية تفتقر لأهم مقومات العمل من تجهيزات و أدوية و من سوء تسيير لأعوانها و الأطباء العاملين فيها يجدون أنفسهم في عديد الحالات عاجزين عن تقديم أبسط الخدمات لمرضاهم و يتعرضون بسبب ذلك للإهانة و حتى للعنف في من قبل بعض المرضى أو مرافقيهم المتهورين.

  قطاع الطب عموما وقعت شيطنته خلال السنوات الأخيرة مرة بتعلة الأخطاء الطبية التي  أصبحت في كثير من الأحيان المشكل الاجتماعي الأول في تونس في حين أن نسبتها لا تتجاوز النسب المعروفة عالميا و مرة بتهمة التهرب الضريبي التي لم تبرأهم منها سوى إدارة الأداءات التي كشفت أن الأطباء من أفضل القطاعات التزاما بالواجب الضريبي .

  كل هذه الدوافع و غيرها لا تبرر في تقديرنا تفاقم هجرة الأطباء إلى الخارج في حين لا تزال  بلادنا في أمس الحاجة إليهم  و لا تزال كثير من الجهات الداخلية  تفتقر إلى كثير من الاختصاصات الطبية الحياتية و تستنجد بأطباء أجانب معظمهم أقل كفاءة و خبرة من الأطباء التونسيين المهاجرين  ولا تبرر أكثر صمت الحكومات المتعاقبة عن هذه الظاهرة وعجزها عن إيقاف هذا النزيف .

  لا نقبل كمواطنين أن نربي أبناءنا و ننفق عليهم ثم نفرّط في أنجب نجبائهم إلى شعوب  أخرى توظف طاقاتهم و تستفيد من كفاءتهم و نطالب أولا الأطباء بتحمل الصعوبات التي تمر بها بلادهم و الصبر عليها و ثانيا الحكومة بمعالجة مختلف دوافع هجرتهم و خاصة إصلاح منظومة الصحة في القطاعين العام و الخاص حتى تتوفر لهم أسباب الاستقرار في بلادهم.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here