د. محمد عبد الحكيم كرشيد: تونس بعد شهر من وصول وباء كرونا.. لماذا نتفائل بحذر؟

 

 

د. محمد عبد الحكيم كرشيد

حل وباء كرونا بتونس رسميا يوم 02 مارس الفارط ، يومها تم اكتشاف أول حالة لمواطن عائد من الخارج و بذلك يكون قد مر اليوم شهر بأكمله على بداية انتشار الوباء وهو كافي و لو جزئيا لتقيم مسار ومصير مجابهته.

نشير أولا إلى أن الوباء وصل إلى تونس أيام قليلة بعد تشكيل الحكومة الحالية مما وضعها أمام تحديات صحية و اقتصادية و اجتماعية خطيرة خاصة و أن البلاد تعاني منذ سنوات ضائقة مالية واحتجاجات اجتماعية ناجمة خاصة عن غلاء المعيشة و تفاقم البطالة.

كما نشير ثانيا إلى تدهور المنظومة الصحية العمومية في تونس بسبب النقص الفادح في الإمكانات المالية و التجهيزات الصحية و في الإطارات الطبية و شبه الطبية التي هجرتها سواء إلى القطاع الخاص أو إلى خارج البلاد بالإضافة إلى غياب الحوكمة و الفساد و  حالة التسيب الناجمة عن ضعف الدولة خاصة في السنوات الأخيرة .

هذه الوضعية حتمت منذ البداية على السلطات التعويل على أساليب الوقاية للحد من انتشار الوباء خشية تكاثر الحالات الخطيرة التي تستوجب أسرة العناية المركزة و هي محدودة جدا في البلاد.

فهل نجحت تونس سلطة و شعابا خلال هذا الشهر في التوقي من وباء كرونا؟

ضلت الإصابات المشخصة بمرض كرونا في تونس محدودة للغاية حيث بلغت 7 إصابات يوم 11 مارس ثم 29 إصابة يوم 19 مارس مما أعطى مهلة للحكومة حتى تستجمع قواها وترتب أولوياتها فقد كان مخزون البلاد من معدات الوقاية يكاد يكون منعدما رغم علم الجميع ببداية انتشار الوباء في العالم منذ أكثر من ثلاثة أشهر و بأن الوباء قادم لا محالة .

بدأت السلطات التونسية بتركيز معدات لقيس حرارة القادمين إلى تونس منذ شهر فيفري إلا أن هذا الإجراء أقتصر في البداية على المطارات و لم يتم تعميمه على المواني أو مداخل البلاد البرية إلا لاحقا مما سمح بدخول عديد المصابين بمرض كرونا و عودتهم إلى منازلهم دون تشخيص كما أن إغلاق المواني البحرية  لم يبدأ فعليا و بشكل تدريجي إلا يوم 14 مارس أما إغلاق المطارات فقد بدأ جزئيا و على مراحل و لا يزال متواصلا للعودة  العالقين بالمواطنين العالقين بالخارج و نفس الشيء بالنسبة للحدود البرية الذي بدأ متأخرا و لا يزال متواصلا.

صحيح أن السلطات التونسية بذلت جهودا كبيرة لتأمين عودة التونسيين العالقين بالخارج إلى بلادهم و هذا حقهم و لكنها أخطأت خطا جسيما في كيفية التعامل معهم بعد وصولهم إلى أرض الوطن فكثبر من هؤلاء الوافدين كان حاملا لفيروس كرونا و مُعديًا لكل من يقترب منه و كان بإمكانها عزلهم في أمامكن مخصصة منذ وصولهم و إلزامهم بالحجر الصحي حتى انتهاء فترة الحضانة  الفيروسية و لكنها أخلت سبيلهم منذ وصولهم فانشروا في البلاد ونشروا معهم الوباء.

مثل يوم 19 مارس أول منعرجات انتشار الوباء حيث سجلت تونس 54 حالة أي بازدياد 15 حالة ثم تواصل نسق الانتشار ليبلغ 59 حالة جديدة يوم 24 مارس ثم واصل تقريبا بنفس النسق إلى موفى شهر مارس لتنخفض نسيبا عدد الحالات الإضافية يوميا إلى حوالي 30 حالة  و ليصل العدد الجملي إلى غاية يوم 04 أفريل الجاري 553 حالة.

تعد هذه الأرقام ظاهريا على الأقل مطمئنة فنسبة انتشار الوباء على كل 100 000 ساكن لم تبلغ 5  % في حين بلغت في الصين التي يشهد لها العالم بنجاحها  في مجابهة هذا الوباء حوالي 6 % و في فرنسا إلى حد ألان حوالي 90 %  و لكن  ما نخشاه هو  أن لا تعكس هذه الأٍرقام حقيقة انتشار الوباء لئن التحاليل لا تجري إلى غاية اليوم إلا على نطاق ضيق جدا وقد يفاجأ الجميع بازدياد عدد الإصابات أذا توسعت التحاليل كما و كيفا.

عدد الوفيات يبلغ إلى حدود اليوم 19 و يمثل 3.4 % من عدد المصابين  و لكن  ما نخشاه هنا أيضا  هو  أن لا تعكس هذه النسبة  حقيقة الوفيات بسبب النقص في التشخيص الناجم عن النقص في التحايل مما يجعل بعض الوفيات الناجمة عن الوباء خارج دائرة الإحصاء الرسمية و يساهم ذالك أيضا في انتشار الوباء بسبب عدم احترام إجراءات الدفن .

أمام تصاعد انتشار الوباء أعلن رئيس الجمهورية فرض الحجر الصحي العام ، مع استثناء بعض المرافق الحيوية ، بداية من يوم 22 مارس و هو إجراء وقائي جيد و  يعد في تونس  إستباقيا مقارنة بعديد الدول الأوروبية التي لم تعلنه إلا بعد أن بلغ عدد المصابين عدة ألاف و لكن التزام المواطنين بالحجر العام لم يكن بالقدر الكافي تماما كما لم يكن التزام العائدين من الخارج بالحجر الصحي الذاتي بالقدر اللازم.

شراسة فيروس كرونا ضد الإنسان لا تتوقف عند الأضرار الصحية التي قد تصل حد الوفاة و إنما تمتد و بقوة  إلى الأضرار الاقتصادية لتصل بالنسبة لضعاف الحال حد قطع الأرزاق و الجوع ومع تقدم فترة الحجر العام خرج عشرات المحتجين في تونس لمطالبة الحكومة بتقديم المساعدات معرضين أنفسهم و غيرهم  لمخاطر ألعدوي بالوباء.

لمجابهة هذه الأزمة اتخذت  الحكومة عدة إجراءات لفائدة  ضعاف الحال كتخفيف أعباء بعض النفقات من خلال تأجيل  خلاص القروض و الجباية و  فواتير الكهرباء و الماء أو بتقديم منح مالية لمساعدتهم على لشراء ضروريات الحياة إلا أن صرف هذه المنح دفع بالكثير من المواطنين إلى التجمع وتعريض أنفسهم و غيرهم مرة أخرى  إلى مخاطر ألعدوي بالوباء.

إجراءات الحكومة لموجهة انتشار وباء كرونة كانت عموما مقبولة و لكن صاحباتها عدة إخلالات في التطبيق و كذلك سلوك المواطنين في تطبيق الحجر الصحي كان عموما مقبول ولكن صاحبته عدة إخلال في التطبيق ، هذه الإخلالات قد تتسبب في الأيام القادمة ، لا سمح الله ، في تصاعد انتشار الوباء وكثرة الإصابات الحرجة لذلك سنضل متفائلين و لكن بحذر.

طبيب و كاتب تونسي.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here