د. محمد عبد الحكيم كرشيد: السبسي.. كان رئيسا و لم يكن زعيما

 

 

د. محمد عبد الحكيم كرشيد

  رحل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي عن سن تجاوزت 92 سنة و لم يبق من عهدته الرأسية سوى ثلاثة أشهر مما يعني أنه تقريبا استنفذها و يحق لكل المتابعين للشأن العام في تونس و للذين انتخبوه خصوصا محاسبته على الوعود التي وعدهم بها أثناء حملته الانتخابية.

  لم يكن موته مفاجئا فالرجل كما ذكرنا مسن بالإضافة إلى  أنه تعرض قبل وفاته بأيام إلى وعكة صحية حادة نبهت التونسيين إلى وضعه الصحي و إمكانية رحيله في أية لحضه و لكن ما كان مفاجئا حقا هو وقع هذه الوفاة على عديد التونسيين وخاصة الجنازة التي أقيمت له و ما أعد لها حتى تظهر كأنها جنازة زعيم يودعه شعبه ، فهل كان الباجي قائد السبسي زعيما حقيقيا للتونسيين ؟

  يوصف الباجي قائد السبسي بالسياسي المخضرم فقد ولد زمن  البايات وكانت عائلته قريبة منهم ثم و بعد أن أكمل دراسته و باشر مهنة المحماة انخرط في الحزب الدستوري الحر الذي كان وقتها  تعصف به الانقسامات حول استقلال البلاد بين شق وطني عروبي يتزعمه صالح بن يوسف و شق فرانكفوني يتزعمه الحبيب بورقيبة فأختار الباجي قائد السبسي شق الحبيب بورقيبة و نال ثقته وصار مستشارا سياسيا له ثم قلده عدة مناصب هامة في الدولة إلى أن أختلف معه على خلفية إنفراده بالحكم فتم رفضه من الحزب الدستوري سنة 1974 ليلتحق بالمعارضة حتى سنة 1980 لكنه سرعان ما عاد إلى سدة الحكم بقيادة بورقيبة ثم واصل مسيرته السياسية بعد انقلاب زين العابدين بن علي سنة 1987 فترشح إلى مجلس النواب (البرلمان التونسي ) سنة 1989 و ترأسه إلى غاية سنة1991.

  غادر الباجي قائد السبسي كراسي السلطة عقدين كاملين و لكنه لم يبتعد عن الحياة السياسية و ضل يتابعها ليعود إليها  سنة 2011 على أنقاض انتفاضة اجتماعية أزاحت الرئيس زين العابدين بن علي  فعينه الرئيس المؤقت فؤاد المبزع رئيسا الحكومة يوم 27 فيفري 2011 إلى أن غادرها يوم 13 ديسمبر من نفس السنة على إثر انتخابات أوصلت المنصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية إلى رئاسة الدولة و حمادي الجبالي   القيادي في حركة النهضة إلى رئاسة الحكومة.

  كعادته لم يبتعد الباجي قائد السبسي عن السياسة وسرعان ما أسس سنة 2012 حزب نداء تونس و قاد حملته الانتخابية التي أوصلته إلى قصر الرئاسة في 22 ديسمبر 2014.

  لا يمكن لكل هذه المسؤوليات السياسية أن تختزل المسيرة السياسية للرئيس الباجي قائد السباسي فالرجل مؤهل لدخول كتاب قينيس لطول مسيرته و كثرة المناصب التي تقلدها و لكن عرضناها فقط لنتبين ملامح شخصيته و أفكاره فالرجل تربى على أفكار الحبيب بورقيبة التي لم تكن منذ بدايتها جامعة لكل التونسيين و يعترف بزعامته و يعتبره مثاله الأعلى بل و يتشبه به حتى في مظهره و كأنه أٍراد لفترة حكمه أن تكون امتدادا لحكم بورقيبة رغم كل ما وقع و ما جد في تونس بين الحقبتين.

  لم يُعرف الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بأفكاره الكبرى أو بمواقفه المبدئية التي ناضل أو ضحى من أجلها كما يُعرف عن الزعماء و القادة التاريخيين  للعالم رغم أنه عاصر مرحلة الاستقلال الوطني وبناء الدولة الوطنية و واكب أهم المدارس الفكرية السياسية و الاقتصادية والاجتماعية   التي رسمت تاريخ القرن الماضي  لذلك لم يسطع اسمه مع مشاهير جيله و عاش خاصة  في ضل الزعامة البورقيبية.

 برزت شخصية الباجي قائد السبسي في تونس خاصة بعد 2011سنة و لا شك أن أكثر ما يحسب له  هو تأسيسه حزب النداء سنة 2012 الذي أوصله إلى السلطة في وقت وجيز و في ظروف استثنائية كانت تهدد البلاد بالفوضى فتصدى لها وقلص من خطورتها و يعتبره الكثيرون بذلك منقذا للبلاد من الفوضى التي وصلتها زمن حكم الترويكا بزعامة حركة النهضة و لكنه في المقابل سرعان ما تخلى عن حزبه و عن رفاقه الذين أسسوه معه و تركه مسرحا للصراعات والانشقاقات التي كان بعضها بقيادة نجله حتى انهار الحزب و ترك الساحة السياسية لخصومه.

 ما يحسب للرئيس الراحل أيضا ذكائه و حنكته و قدرته على التأقلم مع كل الأوضاع السياسية فالرجل تقلد أدق المسؤوليات السياسية زمن الاستبداد البورقيبي  و زمن الحرية وقاد الانتقال الديمقراطي و تحالف داخليا مع أكبر أحزاب اليسار (الجبهة الشعبية ) حتى وصل إلى السلطة ثم بعد ذلك مع أكبر أحزاب اليمين (حركة النهضة ) لقيادة البلاد و تحالف خارجيا مع قطر عندما سمح سنة 2011 بتمرير السلاح إلى ليبيا ثم مع عدوها اللدود الإمارات المتحدة للوصول إلى الحكم و قد كان في كل ذلك و قبل كل شيء براقماتيا .

ما يحسب للرئيس الراحل أيضا احترامه لمؤسسات البلاد وقوانينها و أولها الدستور فرغم كل ما قيل عن امتناعه عن ختم تعديلات القانون الانتخابي فإنه حرص رغم مرضه على مغادرة المستشفى لإمضاء دعوة الناخبين للانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.

 صحيح أنه رحل و البلاد تعيش أوضاعا اقتصادية و اجتماعية صعبة و معقدة للغاية وأنه لم يحقق شيئا يذكر من برنامجه الاقتصادي الذي وعد به ناخبيه وخاصة الشباب العاطل عن العمل ولكن صحيح أيضا أن صلاحياته الدستورية كانت محدودة للغاية و أنه عاش فترات من حكمه معزولا في قصره عاجزا عن التدخل في كثير من أوضاع البلاد.

  رحل الباجي قائد السبسي كأول رئيس تونسي منتخب بطريقة ديمقراطية مباشرة و شفافة و كسياسي مخضرم واكبت تاريخ تونس المعاصر منذ الاستقلال و أثر في كثير من مفاصله و خاصة بعد سنة 2011 و في ذلك رمزيات متعددة لكثير من التونسيين وكشخصية مرحة زادت من تعلق الكثيرين به و من حزنهم على رحيله و لكنه رحل كرئيس و كفى.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here