د. محمد عبدالرحمن عريف: هل يبقى لحن التاريخ يشدو كبريائك يا عدن؟

 

 

د. محمد عبدالرحمن عريف

بين الحين والحين تتجدد الاشتباكات الدمويّة في مدينة عدن بين قوّات الحزام الأمني التّابعة للمجلس الانتقالي اليمني الانفصالي والمدعومة إماراتيّاً، وبين قوّات حكوميّة تابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي، إثر مُحاولة اقتحام الأولى، أيّ الحزام الأمني، قصر المعاشيق، مقر الحُكومة المُؤقّتة بعد مُطالبة قادة المجلس الانتقال بإسقاطها. فمع انتهاء أيام القتال بين القوات المدعومة من دولة الإمارات وتلك القوات الموالية لحكومة اليمن، بدأ اليمنيون في عدن عطلة عيد الأضحى بالاحتفال، وسط تساؤلات هل يعلن الانفصاليون استقلال جنوب اليمن؟ إلى جانب حالة السعادة بالهدوء المستعاد حديثاً في المدينة الساحلية، كان هناك سؤال عالق بالنسبة للسكان مَن يحكم جنوب اليمن الآن؟.

نعم كان جنوب اليمن دولة مستقلة من عام 1967 حتى عام 1990. وعلى الرغم من إعادة توحيده مع الجمهورية اليمنية، استمرَّ التحريض من أجل الاستقلال، وتصاعدت وتيرته مع اندلاع الحرب على يد التحالف العربي. وهنا نجد أن الكيان الانفصالي الأكبر مدعوم من الإمارات ومن بين عدة جماعات انفصالية، والذي تأسَّس في عام 2017، باعتباره المرشح الأول. اتَّهم المجلس حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، بالفساد وسوء الإدارة. وقد استحوذ المجلس الانتقالي الجنوبي على العديد من المناصب الحكومية في مدينة عدن، التي كانت بمثابة عاصمة فعلية له منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء في عام 2014.

الحقيقة أن التوترات وصلت إلى ذروتها، مع اندلاع اشتباكات بين قوات الحزام الأمني، ​​المدعومة من الإمارات، وتصطف مع المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الموالية لهادي. فهل يؤيد الجنوبيون فكرة الانفصال؟ الآن، بعد انتهاء زوبعة الاشتباكات واتِّضاح الرؤية، يسأل السكان عمّا سيحدث بعد ذلك للجنوب، وما إذا كان المجلس الانتقالي الجنوبي سيُعلن استقلال هذا الجزء من اليمن. ومَن يملك القوة الأكبر لإحكام السيطرة؟.

إنَّ التزام البقاء في منطقة وسط لن يخلق سوى نزاعات بين السعودية -التي تدعم عبد ربه منصور هادي- والإمارات، التي قاتلت في التحالف بقيادة السعودية لإعادة هادي إلى السلطة، وفي الوقت نفسه تموّل وتدرّب 90 ألف مقاتل وتدعم المجلس الانتقالي الجنوبي. ويبدو أن الخلاف (الإماراتي- السعودي) يتزايد، بعد أن كانت السعودية والإمارات حليفتين في تحالف عسكري تقوده السعودية، والذي تدخل في اليمن في عام 2015 لإعادة حكومة هادي، وإن قصفت طائرات التحالف بقيادة السعودية قوات الحزام الأمني المدعومة من شريكتها الإماراتية.

في 12 أغسطس/ آب الحالي، التقى ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث دعا محمد بن زايد الأطراف المتحاربة إلى اغتنام دعوة الحوار المقترحة من جانب السعودية. فهل تراجعت الإمارات عن قرارها بالانسحاب من اليمن الإمارات تركت السعودية وحدها باليمن لكن لا يزال القصف يثير تساؤلات حول الخلاف المتنامي بين الدولتين في اليمن.

قد تكون هي الصّدامات الدمويّة هذه داخل التحالف (السعودي- الإماراتي) الذي يخوض الحرب ضد حركة “أنصار الله” الحوثيّة في اليمن، جاءت بعد اتّهام المجلس الانتقالي حزب الإصلاح اليمني الإسلامي المدعوم سعوديّاً بالتّواطؤ في هُجومٍ صاروخيٍّ استهدف عرضًا عسكريًّا لقوّات (المجلس الوطني) أدّى إلى مقتل العشرات.

الإمارات تُجاهر بدعمها لانفصال الجنوب، وقيام دولة تخضع لسيطرتها، وعبّر أكثر من مسؤولٍ إماراتيٍّ عن هذه الاستراتيجيّة، بينهم الدكتور عبد الخالق عبد الله، الناطق شبه الرسمي للشيخ محمد بن زايد، وليّ عهد الإمارات، الذي قال أن اليمن لن يعود مُوحّدًا مِثلما كان عليه الحال في السابق، والفريق ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي الذي طالب علنًا بانفصال الجنوب في إحدى تغريداته، وانتقد الرئيس هادي مُذكّرًا له بأنّه لم ينتصر قائد يُقيم في الفنادق.

السعوديّة في المُقابل تتمسّك بهادي وتعتبر “شرعيّته” غطاء ضروريًّا لتبرير حربها التي دخلت عامها الخامس في اليمن، وأرسلت دبّاباتها وطائراتها لحماية قوّاته في عدن، ومنع اقتحام قصر المعاشيق بالتّالي، في مُواجهةٍ مُباشرةٍ مع قوّات الحِزام الأمني المدعومة إماراتيًّا، مُعلنةً بذلك مُعارضتها المُسلّحة للإمارات ومشروعها في الجنوب.

عليه فلا نعتقد أننا سنرى حلًا وشيكًا لهذه الأزمة الدمويّة في عدن، وإن كنّا لا نستبعِد “هدنة” مؤقّتة تعود بعدها الحرب بالإنابة بين أنصار السعوديّة والإمارات إلى مرحلةٍ ربّما تكون أكثر شراسةً في المُستقبل المنظور. فمما لا شك فيه أن (الإمارات والسعوديّة) خسِرتا الحرب في اليمن، الأولى قرّرت الانسحاب وتقليص الخسائر، والثانية تبحث عن مخرج بعد أن وجدت نفسها وحيدةً في مُواجهة حركة “أنصار الله” الحوثيّة التي تتوغّل في أراضيها وتعطّل مطاراتها في الجنوب، وتملك ترسانة هائلة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة.

وكالة الأنباء السعودية، نقلت أن قوات المجلس الانتقالي بدأت سحب عناصرها والعودة إلى مواقعها السابقة قبل الأحداث الأخيرة، وباشرت في إخلاء مقرات الحكومة اليمنية بإشراف التحالف. ودعوة كافة المكونات والتشكيلات العسكرية من الانتقالي وقوات الحزام الأمني إلى العودة الفورية لمواقعها والانسحاب من المواقع التي استولت عليها خلال الفترة، وعدم المساس بالممتلكات. وثمنت قيادة القوات المشتركة للتحالف استجابة الحكومة اليمنية الشرعية، مع الدعوة لضبط النفس أثناء الأزمة وتغليبها لمصالح الشعب اليمني وحفاظها على مكاسب تحالف دعم الشرعية في اليمن لأجل إعادة الدولة ومؤسساتها.

هنا ربّما من المُبكر الجزم بأنّ الحوثي هو الطّرف الرابح حتى الآن لصُموده ووحدته وتفكّك خُصومه نتيجة صراعات داخليّة، سواء على صعيد الدول، أو الجماعات المُسلّحة، ولكنّها الحقيقة، التي تتجلّى وقائعها على الأرض، وحرب عدن الأهليّة هي أحد الأدلّة.. وإن كنا نتمنى أن “يبقى لحن التاريخ يشدو كبريائك يا عدن”. لا يخفى على أحد أن العلاقات بين العرب تتّسم بالمزاجيّة الحادّة، وتنتقل في أحيانٍ كثيرةٍ من التطرّف في التحالف والود إلى التطرّف في الخُصومة والعداء، ويبدو أنّ هذه القاعدة تنطبق حاليًّا بطريقةٍ أو بأخرى، على العلاقات (السعوديّة الإماراتيّة).

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. حماالله اليمن وحضارة اليمن وانتقم يارب من حكام الإمارات والسعودية وداعميهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here