د. محمد عبدالرحمن عريف: نابلس تروي تاريخها وتُحَدِّث أخبارها

د. محمد عبدالرحمن عريف

إذا كانت فلسطين قلب الوطن العربي لربطها شماله بجنوبه وشرقه بغربه، فإن نابلس هي قلب فلسطين لربطها شمالها بجنوبها وشرقها بغربها. كانت المدينة مركزاً للواء نابلس في الضفة الغربية بعد 1948، وتحولت في منتصف الستينات مركزاً لمحافظة نابلس، تتمتع بموقع جغرافي هام فهي تتوسط إقليم المرتفعات الجبلية الفلسطينية وجبال نابلس، وتعد حلقة في سلسلة المدن الجبلية من الشمال إلى الجنوب وتقع على مفترق الطرق الرئيسية التي تمتد من الناصرة وجنين شمالاً حتى الخليل جنوباً ومن يافا غرباً حتى جسر دامية شرقًا. تبعد عن القدس 69 كم وعن عمان 114 كم وعن البحر المتوسط 42 كم. وفي 1915 ربطت نابلس مع خط سكة حديد الحجاز الممتد من دمشق إلى المدينة المنورة.

البداية في جامعة النجاح الوطنية، حيث احتفال بلدية نابلس بالذكرى الـ(150) على تأسيسها، تحت شعار “نابلس تروي تاريخها”، وسط حضور شعبي ورسمي لافت. والتأكيد على أن البلدية أطلقت مشروعاً بحثياً ضخماً لتوثيق تاريخها. وحيث أن الباحثين استندوا على أكثر من 6 آلف وثيقة في 23 بحثاً حول مواضيع مختلفة. وحيث أنه يأتي مشروع التوثيق هذا كجزء من الحفاظ على الهوية الفلسطينية، والدور السياسي والديني الريادي الذي لعبته نابلس منذ العهد العثماني وحتى الوقت الحاضر. في الوقت الذي يسعى الاحتلال لطمس الذاكرة الفلسطينية وتزيفها من خلال قلب الحقائق التاريخية الثابتة.

هي بلدية نابلس التي تأسست قبل قيام دولة الاحتلال بحوالي 80 عاماً، وهذا يدلل على عراقة الشعب الفلسطيني. وهنا مطالبة للحكومة الفلسطينية الجديدة بأن يكون لمدينة نابلس نصيب من خططها التنموية، حتى تعود لسابق عهدها الاقتصادي. نابلس وليست “شكيم”، وعليه فالحكومة يجب أن تقدم لمدينة نابلس كل ما تحتاجه من دعم لتعزيز صمود أهلها وارتقاء صناعتها حتى تعود عاصمة اقتصادية كحال شقيقتها الخليل. فالمعركة مع الاحتلال مرتبطة بثلاثة عناصر هي الجغرافيا والديموغرافيا والرواية. والمشروع الذي أطلقته بلدية نابلس لتوثيق تاريخها هو جزء من مقاومة وتفنيد الرواية الإسرائيلية التي تدعي أن نابلس هي “شكيم”. فالثورة المعاصرة انطلقت لتحرير يافا وحيفا وليس القدس فقط.

في معرض صور عرضت بلدية نابلس صوراً نادرة للمدينة وبلديتها خلال حقب تاريخية مختلفة، بدءاً بالعهد العثماني مروراً بالانتداب البريطاني والحكم الأردني وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي وقيام السلطة الفلسطينية. لذلك اوصى المؤتمرون بأهمية انشاء مركز أبحاث متخصص يعنى بتوثيق مسيرة بلدية نابلس التاريخية والحضارية. وتم عرض ومناقشة الاصدارات التوثيقية لمناسبة مرور 150 عاماً على تأسيس بلدية نابلس، بمشاركة عدد من ممثلي الهيئات الرسمية والشعبية، والأساتذة الذين شاركوا في عملية التوثيق للإصدارات التوثيقية.

دعا المشاركون في المؤتمر الى أهمية عقده بصورة دورية، وجمع وتوثيق الأرشيف الخاص بالبلدية، والعمل على تكريم الشخصيات الفاعلة فيها وفي مقدمتهم المناضل بسام الشكعة. وشدد المؤتمرون على أهمية التعاون مع البلديات الفلسطينية والعربية والدولية في عقد مثل هذا المؤتمر للتأكيد على الشراكة الحقيقة مع البلدية في إطارها المحلي والإقليمي والدولي، اضافة إلى إعداد دليل خاص بالبلدية والمصطلحات التاريخية المتداولة في الوثائق الخاصة فيها، وتخصيص جائزة سنوية عينية ونقدية للدراسات الجادة والمميزة عن البلدية يعلن عنها في موعد محدد من قبل هيئة متخصصة، وتوثيق علاقة البلدية بأبناء المدينة في الخارج، وانشاء متحف متخصص للبلدية يعنى بحفظ بتراثها المادي والمعنوي ويمكن أن يكون في منزل رئيسها الأسبق احمد السروري، وتوجيه طلبة الدراسات العليا في حقل اللغة والتاريخ والآثار والعمارة والهندسة والتخطيط والسكان والجغرافيا والاجتماع لإعداد دراساتهم عن البلدية.

هي اصدارات توثيقية لمناسبة مرور 150 عاماً على تأسيس بلدية نابلس، والتي كانت من أوائل البلديات، ووجدت كجسم وطني لتولي ادارة شؤون المواطنين. فهذا الانجاز الحضاري يعني وجود عقول تتمتع ببعد النظر، وتتصدر المدينة في بناء المؤسسات الوطنية فيها كجامعة النجاح، وإن البلدية شكلت قاعدة متينة لبناء مدينة عصرية، إضافة الى كونها شكلت عنصراً اساسياً في مقارعة المحتل عبر الفترات الزمنية المتعاقبة للمدينة، وهو ما يدل على أن الفلسطيني قادر على العطاء والبناء رغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها.

قال رئيس اللجنة العلمية لإصدارات التوثيقية امين أبو بكر “اليوم نشهد انطلاق اعمال المؤتمر العملي للإصدارات التوثيقة التي عكفت بلدية نابلس على اصدراها في اطار احتفالاتها بمرور 150 عاماً على تأسيسها، وأرجو أن تكون حجر الأساس للإصدارات في مشاريع التوثيق للبلدية التي تأسست في العام 1869 “. واكد أن بلدية نابلس من أبرز البلديات التي تأسست مبكراً في فلسطين وتنعم بذاكرة وثائقية ضخمة متصلة في اطارها الزمني، ومتنوعة في مضامينها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة، موضحاً أن توثيقها واعداد دراسات علمية بناء عليها لا بد ان يعزز الرواية الشفوية المتداولة على السنة أبناء المدينة. ودعا ابو بكر إلى حشد الطاقات والهمم للبحث عن بقية الوثائق في البلديات الفلسطينية، وفي مقدمتها بلدية القدس التي تأسست عام 1863، وتوجيه طلبة الدراسات العليا لإعداد دراساتهم حول مضامينها لما لها من اثر هام في الكشف عن جانب مهم من مسيرة فلسطين الحضارية وحفظ حقوق ابنائها من الضياع .

لقد بين أن اللجنة العلمية ضمت عشرة اعضاء من الضفة وغزة، مختصون في التاريخ والعلوم السياسة والهندسة والآثار، واللجنة حرصت ان يتمثل فيها من الاراضي المحتلة عام 1948، وهما جوني منصور، ومحمود يزبك.

يبقى إن التحدث عن نابلس يعني التحدث عن فلسطين، ونابلس البيت الصغير لكل مواطن فلسطيني وهذا ما يتم ملامسته ومشاهدته في جميع مناحي الحياة. وأن البلدية اصبحت من البلديات الرائدة في تقديم خدماتها المختلفة، ولها دور في حالة الانسجام مع المؤسسات الرسمية وتنظيم الحياة للمواطنين، وهذا يدل على أن البلدية هي رائدة بوجود طواقمها. فهي نابلس إحدى أكبر المدن الفلسطينية سكانًا وأهمها موقعًا. وهي مقر أكبر الجامعات الفلسطينية. وتعتبر مركزاً لشمال الضفة الغربية إضافةً إلى كونها عاصمة لمحافظة نابلس التي تضم 56 قرية ويُقدر عدد سكانها بقرابة 388,321 نسمة حسب إحصاءات عام 2017. تُعرف أيضا بأسماء جبل النار ودمشق الصغرى وعش العلماء وملكة فلسطين غير المتوجة. وصفها شيخ الربوة الدمشقي بأنها “قصر في بستان”. قال عنها عمر السكندري في كتابه “تاريخ سوريا”: “نابلس ومنظر هذه البلدة جميل للغاية قيل أنه أجمل منظر في فلسطين من دان إلى بير سبع نابلس يرتفع وسط مدينة نابلس 550 متراً فوق سطح البحر بينما يبلغ ارتفاع أطرافها حتى 800 متر.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here