د. محمد عبدالرحمن عريف: معالم العلاقات الثقافية (المصرية – العراقية) في القرنين 19 و20

د. محمد عبدالرحمن عريف

كاتب وباحث في التاريخ الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية عبر إذاعة صوت الشعب اللبنانية، وفي ضيافة الإعلاميتين والإذاعيتين (رانية حيدر وهند نجم)، والبرنامج الإذاعي المتألق (مشوار)، شرفت أن كانت لي هذه المداخلة والحوار الطويل، وكان لي حرية العنوان والتفاصيل والحديث كاملًا ذلك حول سلسة قادمة لعديد التعاون والتلاقي الثقافي العربي في حقب ماضية، جاءت البداية مع بعض من معالم العلاقات الثقافية (المصرية – العراقية) في القرنين 19 و20.

لا شك أن العراق يعتبر منذ القدم القوة الثانية بعد مصر في المنطقة العربية وكانت العلاقات بينهما تتسم بالتنافس منذ أن كانا يمثلان المحورين الأساسيين فى الممر التجاري فى الشرق الأوسط.. هذا على الشق الاقتصادي.

أما حضارياً، فإن العلاقات التاريخية بين الاثنين لم تقتصر على جوانب سياسية ودولية، بل كانت ذات طابع حضاري له عراقته وأصالته معاً، وتكاد تكون أقدم علاقات حضارية في تاريخ البشرية القديم، ومنذ فجر الحضارة الإنسانية حتى يومنا هذا. وأبرزها انتقال عناصر حضارية من العراق نحو مصر في بداية الألف الثالثة ق.م. وفي القرنين الخامس عشر والرابع عشر ق.م.

في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، تبدأ مرحلة جديدة مثلتها الوحدة العربية الإسلامية التي ازدهر فيها المجتمع العربي، واتصلت صفاته، وقويت روابطه الحضارية، وتقاربت عاداته وتقاليده وفي إطار ثقافة موحدة في الصيرورة والتكوين.

وكان أن غدت كل من (بغداد والقاهرة) من أبرز المراكز الحضارية، وعاصمتين للخلافة (العربية – الإسلامية) على مدى قرون عديدة، لقد استطاعت القاهرة أن تحتضن الخلافة العباسية في ظل المماليك بعد سقوط بغداد بيد المغول عام 1258م، إثر كسر الشوكة المغولية/ التتارية في معركة عين جالوت، فاحتفظت مصر التوأم التاريخي لبغداد بالإرث العربي الإسلامي سواء ما اختص بشرعية الملك العربي وثقافة المجتمع العربي، وامتلكت مركزيتها الثقافية.

في التاريخ الحديث يكاد يكون القرن التاسع عشر، هو أضعف مرحلة تاريخية، ابتعدت خلالها العلاقات بين الجانبين، بل وغدت واهية لم تشهد مثلها بقية العصور التاريخية، نظراً لعزلة العراق بولاياته الثلاث، وارتباطها بعمليات الإصلاحية العثمانية، في حين كانت مصر قد بدأت على يد واليها محمد علي  سياسة تحديثية في جميع مرافقها وميادينها، فاقتربت منها بلاد الشام من جانب، وبلاد المغرب العربي من جانب آخر، في حين ابتعد العراق عنها قرابة قرن كامل تاريخياً ونهضوياً، ولكن اللقاء بين الاثنين، سيتجدد وعلى درجة كبيرة من التلاقح والفاعلية عند مطلع القرن العشرين وعلى امتداد عقوده الخصبة.

لقد طرأت تغييرات مهمة في طبيعة العلاقات الثقافية المصرية – العراقية، إذ كان ذلك نتيجة واضحة لما حدث من تبدلات واسعة النطاق في الوضعية السياسية والبنى الثقافية لكل من البلدين، أي باختصار: منتجات كل من التحديث الذي طبق بمصر، والإصلاحية التي مورست في العراق خلال القرن التاسع عشر.

لقد شهدت مصر تحولات مهمة في الأجهزة التعليمية التي استحدثها الوالي محمد علي باشا (1805-1848)، وتوسع فيه من بعد الخديوي إسماعيل (1863-1879م) إذ تجدد التعليم المدني وأخفق التعليم الديني – التقليدي الذي كان سائداً من قبل، وحلول مؤسسات جديدة على النسق الأوربي، إضافة إلى ولادة المطابع (بولاق مثلاً) وانتشار الصحافة والكتب، وازدياد البعثات، وحدوث تغييرات اجتماعية واسعة النطاق.

أما العراق، فلم يكن مستقلاً، بل زاد ارتباطه بالباب العالي إثر تطبيق نظام الإدارة المركزية، ولكنه بدأ يعيش الحياة الإصلاحية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، ليس من خلال الانفتاح على الغرب والأخذ بمقوماته، بل من خلال التقارب الثقافي مع بيئات عربية احتلت مكانتها في مركزية الثقافة العربية التي استقطبتها القاهرة.

نعم ارتباط العراق حتى تأسيس كيانه الملكي عام 1921م بالعاصمة العثمانية إسطنبول التي تخرج في مدارسها وكلياتها العشرات من المثقفين والعسكريين العراقيين الذي توثقت علاقات العديد منهم وبصورة راسخة بالمثقفين والرجالات المصريين من خلال عملهم القومي أو الثقافي أو الطلابي المشترك.

هناك ظاهرة ثقافية أخرى بحاجة إلى تحقيق ودراسة وتوصيف، ذلك أن عديداً من أدباء العراق ومثقفيه (الرعيل الأول ) قد نجح بنشر كتبه بالعربية في القاهرة خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ولو أحصينا عدد الكتب والدواوين التي ألفها عراقيون ونشرت في القاهرة، لوجدنا أن ذلك يشكل بحد ذاته ظاهرة ثقافية ملفتة للنظر والدراسة في طبيعة العلاقات والترابط بين البلدين، ناهيك عن حجم المراسلات والمساجلات بين الأدباء العراقيين والمصريين، إضافة على ما كان يصل العراق وحواضره الثقافية من أعداد كبيرة لا يستهان بها من الصحف والمجلات والمنشورات المصرية.

لقد وصلت هذه العلاقات إلى أعلى درجاتها في العقود الأولى من هذا القرن، والتي سجلت أيضاً فيها جوانب فكرية ثمينة من تبادل الآراء المختلفة، وشن معارك أدبية وثقافية كان لها دورها في تعزيز أواصر العلاقات بين الجانبين، فكيف كان ذلك؟ دعونا نتساءل؟

-وجود الجامع الأزهر في القاهرة، والذي اعتبر أبرز مدرسة عربية / إسلامية كان لها دورها الثقافي في التعليم والتثقيف الديني وفي حفظ التراث الديني. ولكن ليس لكلّ العراقيين ، ففي العراق تقع الحوزة العلمية للشيعة عشرية التي تعتبر مركزا عالميا لاستقطاب المسلمين الشيعة للدراسة والعلم.

-لقد قصد القاهرة، العشرات من العلماء والأدباء وطلبة العلم، وتأثرهم بأحوالها، وأخبارها، ونشاطات أجهزتها، ودور المثقفين فيها.

-المتانة والرصانة الفكرية التي تحلت بها المجلات المصرية الاولى، كمنافذ ثقافية كان لها دورها المؤثر في الثقافة العربية الحديثة عموماً، ومن أشهرها : المقتطف والهلال والسياسة والمقطم والعصور والدهور وروز اليوسف، وغيرها.

-دور النخبة المستنيرة من المثقفين المصريين واللبنانيين، وعودة العديد من المثقفين العرب الذين تلقوا علومهم ومعارفهم في أوروبا ( فرنسا على الأخص).

كما سبقت مصر إلى اتخاذ علاقاتها الثقافية مع العراق وسيلة من وسائلها لاحتواء العراق فكريًا فى إطار مواجهة مشاريع الوحدة العربية للأسرة الهاشمية بالعراق فى الهلال الخصيب، وتدعيمًا لزعامة مصر على المشرق العربى والتى يمكن أن نطلق عليها «دبلوماسية مصر الأدبية فى العراق»، إذ تم إرساء قواعد سياسة ثقافية مصرية ثابتة، تمثلت فى تزويد العراق بالمدرسين والمدرسات وفتح أبواب التعليم العالى والأزهر أمام طلاب العراق ليتلقوا العلوم فى المعاهد المصرية مع المساهمة ماليًا فى تسهيل تحقيق هذين الأمرين خاصة وأن العراق كان يعانى حينذاك من ضعف الحركة العلمية واحتياجها إلى المال والمعلمين والمعلمات الذين يقومون بأعباء التعليم.

لقد اشتهر العديد من الأساتذة المصريين الكبار الذين وفدوا إلى العراق، واستطاعوا أن يدرسوا في كلياته ومعاهده وسأقتصر على ذكر: د.عبد الرزاق السنهوري العالم المتضلع في القوانين وصاحب الوسيط، والذي ساهم في صياغة القانون المدني العراقي، وهناك د. مصطفى كامل حسين الذي يعتبر شرحه لـ”القانون الأساسي العراقي” مرجعاً أساسياً في الحياة الدستورية للعراق، وهناك د. زكي مبارك، الكاتب والناقد الشهير الذي صاحبته ذكريات أدبية رومانسية عن العراق وكتب الكثير عن “ليلى العراقية” التي أنتجها مخياله المرهف، وهكذا، بالنسبة إلى أسماء أخرى زخر العراق بهم، واستطاعوا أن يقدموا لأبنائه عطاء تذكرة الأجيال، ورفدوا أيضاً الحياة العلمية والأدبية بالمزيد من الأعمال والنتاجات التي يشار إليها بالبنان.

في الوقت نفسه، كان أدباء العراق ورجالاته، يجدون في مصر ملاذاً حسناً لهم وفي ميادينها الثقافية، حلبات عمل نشيط لإمكانياتهم وإبداعياتهم، فمنهم من استقر فيها، ومنهم من قضى في ربوعها ردحاً من الزمن، وساقتصر على ذكر ثلاثة أسماء من هؤلاء فقط، فقد استطاع الموسيقار المبدع الملا عثمان الموصلي أن يصل مصر، فيتصل به العديد من ادبائها وفنانيها منذ مطلع هذا القرن، كما ويصدر صحيفة أسبوعية بمصر ويعود إلى العراق بعد رحلته تلك. وهناك الشاعر عبد المحسن الكاظمي الذي هجر العراق واستقر بمصر، ويعدونه فيها من الشعراء العرب الكبار، وقد استفاد فائدة كبيرة من وجوده بمصر، واطلع على حركتها الفكرية ومعالم نهضتها.

أما الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي زار مصر وكانت شهرته قد طارت فيها، إذ لقبه المصريون بالشاعر الفيلسوف، وقد احتفوا به احتفاء كبيراً، كما وأثار جملة من أفكاره وآرائه في الأوساط المثقفة هناك، وخصوصاً في المجالس التي كانت تعقدها الكاتبة الشهيرة مي ، كما وفتحت الصحف والمجلات المصرية صفحاتها أمامه.

لم يكن الجانب المصري أقل حماساً من العراق في استقبال البعوث والمثقفين العراقيين، فقد احتضنت على مدى زمني طويل نخب عديدة من الانتلجينسيا العربية تلك النخب التي شاركت بفعالية في البناء النهضوي العربي الحديث، وحدثت العديد من السجالات الفكرية والأدبية قادها كبار المثقفين العراقيين والمصريين، والتي أثرت ترسيخ العلاقة بين الطرفين، إن المعارك الأدبية والاختلافات الفكرية ظاهرة صحية في مسيرة النهضة، فالاختلافات هي غير الخلافات، وفي ذلك تصويب وجرأة وتحرر وتنوير، ومن الأسماء التي يمكن ذكرها: جميل صدقي الزهاوي، وعباس محمود العقاد، وشبلي الشميل، وانستاس ماري الكرملي، وإسماعيل صبري ومحمد فريد وجدي وأحمد الصاوي محمد وغيرهم.

ومن يتتبع الصحف والمجلات المصرية الرصينة، سيجد مادة علمية وأدبية وفكرية، كتبها العشرات من الكتاب والشعراء العراقيين على مدى عقود طويلة من السنين، ومن تلك المجلات (المقتطف والمقطم والسياسة والعصور والرسالة) وغيرهم.

أما من الأسماء، فيمكنني التوقف عند أبرزها، ومنها : جميل صدقي الزهاوي ورزوق عيسى وعلي الجميل وسيد أحمد الصافي النجفي وأنور شاؤول وكاظم الدجيلي وعبد المحسن الكاظمي ومحمد بهجة الأثري ومهدي القزاز وجواد علي ومنيبة الكيلاني وإبراهيم الوائلي، وبدر شاكر السياب وغيرهم كثير.

إن الحصيلة من المكتسبات النهائية، هي إجمالية العلاقات الثقافية المتمثلة بالأساليب والوعي والمناهج والمفاهيم التي يعتبر تقاربها وتواصلها، حالة من الاستمرار حتى يومنا هذا، بالرغم من اختلاف بعض المواصفات البيئوية والجغرافية والاقتصادية والسلوكية التي طبعت كل من المجتمعين ، والتي أفرزت بعض المتغيرات الذائبة لا محالة بفعل استخدام الوسائل الحديثة المشتركة في الاتصالات الثقافية، وتفاعل الأنماط العربية المستحدثة في التعايش والتفكير والتعاون.

في النهاية لا أملك إلا القول أنه سيكون الغد المأمول للأجيال العربية القادمة وثيق العلاقات والصلات، وسيرتهن كل ذلك باستمرار سياسة التعاون وترسيخ الوعي بالتضامن، وسيحتاج ذلك كله إلى ممارسات وتطبيقات مشتركة على مستوى العلاقات الثقافية، فهي التي تسعى إلى بناء مستقبل عربي منشود له مركزيته القوية، وشخصيته الريادية، وعطاءاته المتميزة في إغناء التطورات الإنسانية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here