د. محمد عبدالرحمن عريف: في اليوم الوطني الجزائري للمحكوم عليهم بالإعدام.. من حكم على من؟

د. محمد عبدالرحمن عريف

  هو يوم 19 من يونيو/ جوان، كنت شاهدًا على ذلك في ربوع الجزائر في عديد زياراتي لها.. ومنها زيارة لـ”مقصلة سكيكدة” بمرافقة صغيرتي، وشرح من مدير متحف المجاهد علي كافي بسكيكدة، السيد فاتح حمروش، ورئيس قسم التاريخ بجامة 20 أوت 1955، السيد أحمد منغور، فحقًا غداة 1962 يوم 5 يوليو/ جويلية استرجعت الجزائر سيادتها الوطنية بعد 132 سنة من الاحتلال، بعد أن ضحت بالغالي والنفيس فقدمت على مذبح الحرية مليونا ونصف المليون شهيد من أجل تحرير الجزائر من ربقة الاستعمار الاستيطاني . فكان لزامًا بل من الواجب تسليط الضوء على شهداء اعدموا بالمقصلة من أجل الجزائر. ذلك في غيض من فيض وقليل من كثير ذلك أن ثورتهم العظيمة فيها الكثير من المآثر والأمثلة ما يجعلها من أعظم ثورات القرن العشرين لأنها قدمت القوافل من الشهداء سجلوا اسم الجزائر بأحرف من نور في سجل التاريخ المخلد للأمم العظيمة.

  سبق أن كشف السيّد مصطفى بودينة رئيس الجمعية الوطنية للمحكوم عليهم بالإعدام عن الكثير من الحقائق حول الأوضاع المأساوية التي عاشتها هذه الفئة من المجاهدين والثّوار داخل سجون فرنسا فالإعدام بالمقصلة كان آنذاك وسيلة تعوّد عليها المستعمر لترهيب الجزائريين وكل من دافعوا عن القضية الجزائرية خلال الحقبة الاستعمارية ولم تتردّد فرنسا في تطبيق أحكامها الجائرة ضد أبناء بلدها. فعمليات تطبيق حكم الإعدام كان بكثافة آنذاك فتقطع رؤوس كثيرة كل يوم وكان هذا مصدر دخل لا ينضب للجلاّدين الذين تقاضوا أجورا معتبرة على عملهم فقطع رأس واحد يجني من ورائه الجلاّد مبلغ 150 ألف فرنك فرنسي و إذا قطع رؤوسا أكثر جنا مالًا أكبر.

  الواقع أن الجلاّد كان يعيش على أرواح الجزائريين فلا تأخده بهم أي رأفة بل يعتبر عمله عدلًا وإنصافًا للفرنسيين ومع ارتفاع عدد الأشخاص المعدومين، كان الجلاّدون ينفّدون جرائمهم الوحشية بعشوائية فيخلطون بين الرؤوس والأجساد وهذا الأمر اكتشفه أهالي الشهداء الذين كانوا يعاينون الجثث للتّعرف عليها وقد حدث ذلك بعدّة مناطق بالوطن مثل وهران وقسنطينة. وقد وصلت إلى الجمعيات الجزائرية الكثير من الشكاوي في هذا الخصوص يضيف رئيسهم فقمنا بعمليات بحث كثيرة منها ما لم يوصلنا إلى نتائج وبقيت الكثير والكثير من رؤوس شهدائنا بدون أجساد حتّى اليوم معاناة المحكوم عليهم بالإعدام كانت رهيبة إلى درجة أن بعضهم كانوا يشهدون عمليات إعدام رفقائهم في السّجن قبل أن يحلّ دورهم فمنهم من كان اللّه يمنحه القوّة والإيمان فيصمد ولا يردّد سوى اللّه أكبر تحيا الجزائر ومنهم من يغمي عليه مثلما حدث للرّائد فرّاج قبل لحظات من إعدام الشهيد أحمد زبانة.

  هم شهداء أحياء..  يقول مصطفى بودينة لأننا كنّا ننتظر دورنا للموت وحاولنا داخل السجون ألاّ نظهر للمعتدي خوفنا ولا حتى دمعة على العيون واليوم أطال اللّه في عمرنا بفضل انتصار ثورتنا لكنّنا لن نسامح لأن الشهداء الذين وهبوا حياتهم للوطن كانوا يطلبون منّا نحن الأحياء قبل إعدامهم بأن نكشف للعالم ما فعلته فرنسا في حقّ الجزائريين لكي يحاسبها أبناؤها وأبناء الشهداء. ومن هذا المنطلق خلص إلى القول بأن العلاقات الإقتصادية وحتّى السياسية بين الجزائر وفرنسا اليوم لا علاقة لها بتاريخ الاستعمار والثورة فهي علاقات بين حكومتين وكل يعرف كيف يدافع عن مصالحه ويجلب الأرباح لبلده لكن الاعتراف بجرائم الاستعمار أمر آخر ففرنسا اليوم مطالبة بتقديم الاعتذار تمامًا كما فعل الألمان معها على خلفية الجرائم التي ارتكبها النازيون. واعتبر بودينة الثورة الجزائرية من أعظم ثورات القرن الماضي ولن تتكرّر لأن ظروف العالم تغيّرت بظهور العولمة وثورات الربيع العربي.

  يقول بودينة بأنه بلغ عدد المجاهدين المحكوم عليهم بالإعدام حوالي 600 لكن عند خروجنا من السّجن في 1962 كنّا 2100 مجاهد وتحاول الجمعية الوطنية اليوم مواصلة عملها بالدّفاع عن هذه الفئة وعن ذاكرة شهدائنا حفاظًا لسيرته فكان لها علاقات مع جمعيات فرنسية أخرى مكنتها من وضع حدّ لأعمال تسيء إلى ثورتنا وشهدائنا كمنع بيع متحف المقصلة بعد وفاة صاحبه الذي كان جلاّدًا أيضا وتحديد هويّة عدد كبير من المعدومين واسترجاع ما تركوه من رسائل قبل الوفاة وغيرها.

  في زياراتي للجزائر ترافقني دموع على عديد الأحداث والمجازر، وفي القلب منها ما حدث في مختلف أنحاء البلاد كالجزائر العاصمة، وهران، بجاية، تلمسان، قسنطينة، مستغانم، قالمة، غليزان، سطيف، باتنة، بسكرة، عين البيضاء، خنشلة، سيدي بلعباس، سوق أهراس، شرشال، مليانة، سكيكدة، سعيدة، عنابة، تبسة، سور الغزلان. ذلك عندما شرع الثوار عن طريق تنظيم تجمعات ومسيرات ليتم استغلالها كوسيلة ضغط على الفرنسيين بإظهار قوة الحركة الوطنية ووعي الشعب الجزائري بمطالبه، ونجحت المظاهرات كل القطر الجزائري وصولاً للتحرر الكامل 192.

  إلى كل تلك الممارسات أيضًا لا يتردد بعض المسؤولين الرسميين في قلب مسار التاريخ من خلال تحميل جيل الثورة مسؤولية توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا، بدل التحلي بروح المسؤولية وروح المبادئ المزعومة التي بنيت عليها أسس الجمهورية الفرنسية والنظر في ما يطلبه الجزائريين من حق في الاعتراف والاعتذار والتعويض عن جرائم سيظل التاريخ شاهدًا عليها، متناسين بالتالي بأن سياسة الهروب إلى الأمام وكل تأخير في الاستجابة للمطالب المذكورة لن يعمل سوى في تمديد بقاء تلك الحقبة السوداء من التاريخ وصمة عار على جبين الدولة الفرنسية.

ليبقى اليوم الوطني الجزائري للمحكوم عليهم بالإعدام يبحث عن إجابة.. من حكم على من؟.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here