د. محمد عبدالرحمن عريف: عن الدور العربي في دعم الحركة الوطنية في زنجبار

د. محمد عبدالرحمن عريف

صدر حديثًا عن مكتبة بيروت بمسقط كتاب “الحركة الوطنية في زنجبار”، وحيث أنها الحركات الوطنية، وأساليب المقاومة، ما هي إلا مفهوم إنساني، وحق مشروع، معروف في القوانين الدولية، والأعراف الإنسانية، وله ضوابطه وروابطه وآدابه وثقافته وأخلاقه. والمقاومة، في مفهومها العام، هي ردة فعل مجتمعية واعية، ضد واقع مرفوض، أو غير مشروع، أو لمواجهة استبداد، أو استعباد أو ظلم أو تمييز أو احتلال….الخ.

نعم يزخر التراث الثقافي الإنساني عمومًا، وفي القلب منه الإفريقي، بظواهر متنوعة من المقاومة، تتفاعل معها الشعوب. وترتبط قدرتها على تحقيق أهدافها، بدرجة احتضان المجتمع لها، وإدراكها السليم للتحديات التي تواجهها، وامتلاكها الوعي والرؤية المتماسكة والخلاقة، والبنية التنظيمية، والقيادة المؤمنة بقوة الفكرة المقاومة، والإرادة الواعية. وإمكانيات يقتضيها زمنها. ومهارات متراكمة في حشد الطاقات.

الواقع أنه قد تتنوع صور المقاومة، لكن يبقى أن لكل مقاومة خصوصياتها الوطنية والتاريخية، والتي تنبع من واقع مجتمعها، والسياقات الاجتماعية والسياسية التي تحيط بها، وطبيعة نشاطها وعملياتها، والنتائج المترتبة عليها. وهناك من يتعامل معها، كظاهرة سياسية، مرتبطة بالحكم والسيادة وحق تقرير المصير، كما أن هناك من يتعامل معها، كعملية تغيير اجتماعي وثقافي، وتستلزم تعبئة شعبية لفترة طويلة. وليس في المواثيق الدولية، بما فيها ميثاق الأمم المتحدة، ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للأفراد والجماعات والدول في الدفاع عن أنفسهم، كما أقر المجتمع الدولي، بأن لجميع الشعوب حقًا ثابتًا في الحرية التامة وتقرير المصير، ومقاومة الاستعمار القديم والجديد، والاحتلال، وجميع أشكال التمييز العنصري، والقهر والفساد والاسترقاق.

عليه فإن مقاومة الاحتلال البريطاني في زنجبار، جاءت كحق مشروع، يستند إلى مبدأ حق تقرير المصير للبلاد وشعبها، المكرس في ميثاق الأمم المتحدة، والقرارات الأممية، ومبادئ القانون الدولي. وحيث أن الأهمية الإستراتيجية لزنجبار زادت منذ عام 1840، ذلك مع قيام الثورة الصناعية في أوربا حيث زيادة الرغبة فى إيجاد أسواق ومصادر للمادة الخام وظهرت أهمية الدول البحرية. وتكالبت الدول الاستعمارية الأوربية على المستعمرات في أفريقيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولقد كانت من أهم المناطق الإستراتيجية في أفريقيا منطقة شرق إفريقيا خاصةً  جزيرتي زنجبار وبمبا.

الحقيقة أن سلطنة زنجبار تتمتع بأهميتها الإستراتيجية لأنها محطة هامة في طريق التجارة بين الشرق والغرب وكذلك أهميتها كمستودع للمادة الخام الآتية من أفريقيا، وزادت أهميتها بعد حفر قناة السويس وافتتاحها للملاحـة عام 1869، حيث أصبحت هناك حاجة لمحطات تخدم الملاحـة في هذا الطريق للهنــد. وكذلك الأهمية الزراعية لزنجبار حيث تتمتع بخصوبة التربة وتمركز زراعة القرنفل بها حيث تنتج 80% من الإنتاج العالمي، وكان اتساع الإمبراطورية العُمانية في شرق أفريقيا مدعاة إلى كثرة الأطماع الأوربية عليها وكذلك الأهمية الحيوية والاقتصادية لهذه المنطقة في شرق أفريقيا فتنافست الدول الأوربية على تقسيم أوصال هذه الإمبراطورية الشاسعة ذات الأهمية الخاصة، حيث كان التنافس شديداً سواء بالأساليب السياسية والاتفاقيات الدولية خاصة بعد مؤتمر برلين عام (1884– 1885 (أو عن طريق الشركات التي كانت تشترى وتستأجر أماكن في شرق أفريقيا ثم تبيعها لحكومتها أو التذرع بحجة إلغاء الرقيق من أجل المزيد من النفوذ، وزادت كذلك حركة الاستكشاف والتنصير كأساليب استعمارية. وربما لم تشهد منطقة في أفريقيا تنافساً قوياً وحاداً على استعمارها أكثر من منطقة شرق أفريقيا من بنجاتى حتي رأس حفون شمالاً وشملت ساحل تنجانيقا وكينيا والجزء الأكبر من ساحل الصومال فتسابقت الدول الاستعمارية الكبرى آنذاك على السيطرة على هذه الإمبراطوريه وتقطيعها.

هنا انتبه الكاتب والمؤرخ والمحلل السياسي البروفيسور صالح محروس محمد، لمحاولة الاحتلال البريطاني لزنجبار، عندما أراد أن يُلصق التهم بالعرب على أنهم تجار رقيق وهدفهم التجارة فقط وأنهم مميزون عنصرياً عن الأفارقة وهذه التفرقة التي أوجدها الاحتلال البريطاني كانت من أسباب انقلاب كانون الثاني/ يناير عام 1964. وعليه بدأ في عرض للحركة الوطنية في زنجبار، ليتم عرضها في (دراسة وثائقية)، بدأت بالوجود العربي في شرق أفريقيا، وعرض للهجرات العربية في شرق أفريقيا، وانتشار الإسلام، وصولًا لدولة البوسعيديين في زنجبار وعُمان. ثم الحديث عن التكالب الإستعمارى الأوربي على الإمبراطورية العُمانية في شرق أفريقيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووقوع زنجبار ضحية تحت وطأة الحماية البريطانية، وعرض للأطماع الفرنسية، وكذلك البلجيكية والإيطالية والألمانية. مع عرض اتفاقيات التقسيم لممتلكات سلطنة زنجبار بين ألمانيا وبريطانيا في كانون الأول/ ديسمبر عام 1886. واتفاقية هيجولاند عام 1890 وتحديد منطقتي النفوذ الألمانية والبريطانية، وخضوع زنجبار تحت الحماية.

في فصل مستقل جاء العرض لسياسة بريطانيا في حكم زنجبار (1890- 1963)، ونظام الحكم البريطاني في سلطنة زنجبار، والتطورات السياسية التي حدثت في زنجبار منذ عام 1913، والسياسة البريطانية وظهور الطائفية في زنجبار، وكذلك النظام القضائي في زنجبار تحت الحماية. مع عرض لمواقف مشرفة لسلاطين زنجبار من السياسة البريطانية، أمثال: السيد على بن سعيد 1890 -1893، والسيد حمد بن ثوينى 1893 -1896، والسيد حمود بن محمد 1896 – 1902 ، والسيد على بن حمود  1902 – 1911، والسيد خليفة بن حارب 1911 – 1960، السيد عبد الله بن خليفة 1960 – 1963، السلطان جمشيد بن عبد الله آخر سلاطين زنجبار (1963-1964).

الكاتب بحسه الوطني القومي عرض لدور العرب في الحركة الوطنية في زنجبار، وعوامل إيقاظ الوعي الوطني هناك، مثل ثورة خالد برغش، ودور الاتحاد العربي في الحركة الوطنية، ودورالحزب الوطني الزنجباري، مع العرض لدور شخصيات عربية على رأسها دور الشيخ “علي محسن البرواني” في الحركة الوطنية في زنجبار، ودوره في الجمعية العربية، وفي الحزب الوطني الزنجباري، ومواجهتة للسياسة البريطانية في خلق الطائفية في سلطنة زنجبار، وموقفه من انقلاب 12 كانون الثاني/ يناير الأسود 1964. مع عرضه لدور الأحزاب السياسية ودورها في الحركة الوطنية، أمثال الحزب الأفروشيرازي، وحزب الأمة، وحزب شعب زنجبار وبمبا، ودور العمال في الحركة الوطنية. كذلك عرض التشريعات البريطانية والانتخابات، بداية بانتخابات عام 1957، و1961، و1963 وتحقيق الاستقلال في كانون الأول/ ديسمبر عام 1963.

  القارئ لفصول الكتاب يلاحظ أن كاتبها حاول عمل سرد بأسلوب مشوق بلغة الحوار ودقة المعاني والقدرة على التصوير الايحائي المفعل لعقل المتلقي ليتفاعل مع الوثيقة تفاعلًا إيجابيًا، وفي تقديرنا أن هذا الأسلوب الذي استخدمه الكاتب البروفيسور صالح محروس، تميز بخلق قالب عام يُسكب فيه الموضوع الخاص، يحتاج لإلمام بأسلوب التنقل بين صورة وصورة، وبين فكرة وأخرى، وترابط الصور والأحداث ببعضها لتكون في النهاية ذلك العمل الذي بين أيديكم، حيث تبدو القدرة على المحاكاة وعرض الأحداث والصور يتضح فيه تمكنه من التعبير في كتابة التاريخ الممتزج بالوثيقة، وحيث لا وثائق لا تاريخ، مما يدل على امتلاك ناصية اللغة والقدرة على التعبير والإبداع معًا، وامتلاك عنصر التشويق، من خلال لغة متمكن منها جيدًا، وامتلاك صيغ مختلفة، ومصطلحات متعددة تعبر عن ذات المعنى الواحد، مع الاستعانة بالمخزون اللغوي لديه، وهو من أهم مكونات امتلاك القدرة على الكتابة الجيدة والمحكمة، وهنا يمكن القول بأنه جاء بمؤثرات وجدانية، نحو صياغة الوثيقة التاريخية، واستخدامها بشكل صحيح، وتحليل الأحداث وربطها ببعضها البعض.

  بإنتهاء الكاتب من إعداد دراسته الوثائقية تلك على هذا النحو الجاد فإن هذا لا يعني بالتأكيد انتهاء دوره ومهمته في هذا الشأن، وإنما يتطلب الأمر المزيد من المتابعة والاهتمام طالما أن مشكلة البحث في هذه الدراسة الوثائقية القائمة.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الاهتمام بعرض (قضية القهر الإفريقي، وإهمال الدور العربي)، ينبغي أن لا يتوقف عند سرد الأحداث وتوثيقها وتعدد الدراسات بشأنها، وإنما يتوجب أن ينصرف إلى الدراسات المستقبلية المتعلقة بالحماية والوقاية منها والتحسب لها في إطار الإدارة الفعالة للأزمات الممكنة والمحتملة ليس في مناطق الاحتلال لعموم القارة السوداء فحسب، وإنما في أي منطقة أخرى من مناطق العرب.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here