د. محمد عبدالرحمن عريف: خطة باب جهنم لإجهاض ثورة 25 يناير

د. محمد عبدالرحمن عريف

نعم هي أدوار لعبتها دول عربية وتنظيمات داخلية ذلك لضرب الثورة المصرية بداية من ‏١٤ أيلول/ سبتمبر ٢٠١٢‏، وهنا لابد أن نعترف أن كل ثورة حدثت في العالم قابلتها ثورة مضادة في نفس اللحظة التى تبدأ فيها عناصر النظام الإدراك أن ما تواجهه هو ثورة وليست مجموعة من الإضطرابات أو المظاهرات وبقدر ما تكون الثورة وقياداتها على علم وإدراك بمخططات الثورة المضادة بقدر ما تكون قدرة الثورة على الوصول إلى نقطة اللاعودة نحو القضاء على النظام القائم وتولي الحكم.

ما حدث أن الإشكالية الحقيقية في الثورة المصرية، لا قيادة حقيقية لها لكنها يمكن وصفها بأن القيادة فيها تركزت حول كونها (مطالب) ولكون الثورة لا تقودها عناصر بشرية يمكن التفاوض معها لكنها يقودها عقلها الجمعي المتمثل في مجموعة من المطالب أصبح الوضع على صعيد الثورة المضادة في غاية الحساسية والإلتباس في البداية بدأ النظام التعامل مع الثورة وفقًا لسيناريوهات وطرق تعامل تصلح تمامًا للتعامل مع الثورات التى يقودها ثوار لهم قيادة فبدأت عمليات المواجهة الأمنية ثم وصولًا في النهاية إلى عملية المواجهة على الأرض دون رادع وهو ما تمثل في موقعة الجمل الشهيرة وكانت المفاجأة الكبرى للنظام أن الثوار المعتصمين بالتحرير وقت بداية المعركة والذين لم يكونوا يزيدون عن 5000 متظاهر حصلوا على دعم شعبي كبير ومدد لوجستى تمثل في مدد بشرى لا ينقطع من جماهير الشعب المصري بكافة طوائفه وشاهدنا تنظيم محكم لعمليات العلاج والمواجهة المسلحة على أرض التحرير وهنا أسقط في يد النظام فالنظام أصبح لا يواجه ثورة لها قادة يمكن إغتيالهم أو مساومتهم أو ترهيبهم.

بعبارة أخرى ليس هناك قائد حقيقي على أرض المعركة يمكن له أن يأمر الثوار بالإنسحاب أو قبول شروط تفاوض أو مكاسب محددة لأن الثورة يقودها في النهاية عقل جمعي وضع مجموعة من المطالب العقل الجمعي رغم أن له عيوبه الكثيرة إلا أنه في النهاية له ميزة كبرى وهو أن ما يمكن أن يمر على أحد الثوار بإعتباره مكسبًا ومغنمًا سيتم بحثه وبحث تفاصيله من مجموعات أخرى من الثوار ووفقًا لهذا فإن خطابات مبارك التى حاولت شق صف الثوار لم تجد لها صدى سوى مزيدًا من الإصرار مهما كانت العواقب على رحيل النظام على الجانب الآخر كانت هناك فكر مطروحة بقوة وهي رحيل مبارك وتقديم ذلك بإعتباره مكسبًا رئيسيًا للثوار ثم يعود النظام لسابق عهده سواء عبر عمر سليمان أو غيره لكن يبدو أن العقل الجمعي للثورة لم يسقط في هذا الفخ أيضًا وأصر على رحيل النظام بالكامل.

ما يهمنا أن نقوله في هذا الصدد أن العناصر التى أخذت بمبدأ رحيل مبارك لإنهاء الثورة وإجهاضها تمثلت في قوى رئيسية هي: جهاز الأمن والممثل هنا وفقًا للصورة المبسطة بأمن الدولة كارتل مصر وهو مجموعة من رجال الأعمال والإعلام وبعض قيادات الحزب الوطنى ترتبط مصالحهم عضويًا ببقاء شكل النظام الحالي وهؤلاء يمكن أن يقبلوا برحيل الرئيس وتغيير شكل النظام من خلال عملية تجميل بسيطة تغير الشكل لكنها تبقى على الجوهر وقد دفعوا في إتجاه ذلك بالفعل سواء عبر دكتور حسام بدراوي الذي أعلن نبأ تنحي الرئيس قبل تنحيه فعليًا محاولًا الضغط في هذا الإتجاه أطراف خارجية كان أبرزها وأشدها قلقًا هو المملكة العربية السعودية.

هنا كان لابد لإسرائيل من التحرك السريع أطراف هامشية لكنها مؤثرة وهي في الواقع كثيرة للغاية مرجعيات السلف المصريين المجموعات السلفية قليلة العدد لكن المنظمة للغاية والتى تبحث عن دور لها في ظل غياب كامل عن الساحة ورفض مجتمعى لها في ظل توجه أكثر إنفتاحا لجماعة الإخوان المسلمين التى مارست دورًا سياسيًا، فأصبحت الوجوه الإخوانية مقبولة من شباب التحرير مع محاولات حثيثة يبذلها الإخوان لطمأنة المصريين بأنهم لن يحولوا الدولة المصرية الوليدة إلى دولة دينية السلفيين غير مستندين إلى قاعدة شعبية كبيرة أو ذات قبول خاصة أنهم يمثلون إسلامًا وهابيًا يتناقض كثيرًا مع المحتوى الثقافي المصري وهم يستعيضون عن القاعدة الشعبية في مصر بالقاعدة الأمنية.

هذه هي فسيفساء الوطن الذي نظر له من خطط لخطة (باب جهنم) وعليه بدأ التحرك وفقًا لسيناريو يمكن ذكره في نقاط أساسية:

مرحلة التحرك الأولي: قبل سقوط وزارة شفيق وبعد سقوط مبارك

-سحب قوات الأمن بصورة مفاجئة وترك مصر كلها مكشوفة أملًا في حدوث مصادمات عنيفة بين الشعب المصري سواء على خلفية مذهبية أو عرقية أو جغرافية

-كتعزيز لهذا السيناريو جرى الدفع بعناصر الأمن المصري وما تحت أيديهم من الخارجين على القانون لإشاعة جو من الفوضيى والرعب في أرجاء مصر

-إستغلال (كارتل مصر) من رجال إعلام ومستفيدين لنشر الشائعات وتشويه صورة القائمين على الثورة المصرية (وقد فشل هذا المخطط لعدم إعتماد الثورة على وجوه معينة).

مرحلة التحرك الثانية: ما بعد سقوط وزارة شفيق وتولي شرف

حتى ما قبل سقوط وزارة أحمد شفيق كانت الثورة المضادة تعمل وفق لمخطط ثابت هو عودة النظام القديم للحكم مع قناع تنكري يمكن إرتداءه لذلك تحركت قوى الثورة المضادة من النظام القديم وفي مخططها أن تحافظ على الدولة قائمة لكي تتمكن من إسترجاع شكل الدولة بسرعة فور توليها الحكم من جديد لكن بعد سقوط وزارة شفيق وظهور أن الثورة ماضية في طريقها دون تراجع أدرك النظام القديم أن عودته لن تتم بسهولة فقرر أن ينفذ مخططًا يضمن له خيار من إثنين: إما العودة بشكل أو بآخر وتحت أي لافتة وإما تفكيك الدولة المصرية جملة وتفصيلًا بما يضمن تحقيق مصالح الجميع وهي مصالح تتمثل في: بالنسبة للعربية السعودية فإن فشل الثورة سيعنى عند تفكك مصر ووقوعها في دائرة الفوضي فإن ثورات أخرى في منطقة الخليج أو تخومها لن تقع وستجهض وفقًا لكون مصر في تلك الحالة ستتحول من قدوة إلى عبرة بالنسبة لإسرائيل فإن سقوط الدولة المركزية وحالة الفوضي هي حالة يمكنها أن تتعامل معها بسهولة أكثر من تعاملها مع نظام جديد يقوم على أساس شعبي الإختيار قد يضع إسرائيل في مواجهة خيارت لا تريدها إسرائيل حاليًا.

نعم هي خطة باب جهنم تمت نحو إجهاض ثورة 25 يناير.. هي خطة تمت خطواتها على أرض الواقع بالفعل وساهم فيها الكثيرون وجلها جهات لها القدرة على العمل المنظم والتمويل غير المحدود في مواجهة ثوار تميزوا بالرومانسية الثورية عوضًا عن العنف الثوري.. خطة باب جهنم هذه هي إستقراء لواقع الأحداث وقراءة مبكرة له وقد إختير المسمى (باب جهنم) لأنه بالفعل أصبحنا فعليًا أمام تجربة تمت بالفعل وتم دخول بوابة جهنم التى لا خروج منها على الإطلاق إلا بجديد ثورة تغير ذلك وتفتح باب الخروج من جهنم.

إن ثورة 25 يناير كشفت عن الرابطة الحميمة بين أبناء الشعب المصري, فقبل أيام من اندلاع الثورة كانت البلاد تعيش حالة من التوتر بسبب تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية. ثم أتت الثورة لتظهر تلاحم الشعب المصري ووقوف الشبان المسلمين بجانب إخوتهم المسيحيين وقيام الطرفين بمساعدة بعضهم البعض وحمايتهم. لقد أظهرت الثورة مدى الحب الكبير الذي يكنه المصريون لبلدهم, فطيلة أيام الثورة كان الشعار «سلمية.. سلمية» وكذلك «لا تكسّر ولاتخرّب». بالإضافة إلى قيام المصريين بتشكيل لجان شعبية (بعد اختفاء الشرطة) لحماية البلد وخاصة المتحف المصري ممن وصفوا بالبلطجية. كما سـُجّل خلال أيام الثورة انخفاض معدلات الجريمة والسرقة.

قدّم المصريون خلال الثورة نموذجاً رائعاً عن الشعب المصري وأخلاقه الرفيعة التي لفتت انتباه معظم قادة العالم. ويكفي أن تعلم أن الثوار عندما غادروا ميدان التحرير قاموا بتنظيفه وإعادته أجمل مما كان من قبل.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تحليل رائع وعميق .
    السعودية واسرائيل يعملان دائماً معاً لإجهاض أي مشروع ثوري عربي .
    كان يمكن أن يضطلع بالقيادة صفوة المثقفين وبعض الضباط النجباء
    وكذلك كان يمكن بإعلان ناطق باسم الثوار ثم تمرير بيانات تثقيفية للشعب
    من أجل تقريب الآراء وتجميعها في مفهوم واحد يتفق عليه أغلبية المجتمع المصري
    وكان يمكن أيضاً تشكيل لجنة علنية ولجنة أخرى في الظل كي لا تبقى الثورة يتيمة
    في حال تعرض اللجنة العلنية الى التصفية .
    الثورة دائماً بحاجة الى رأس وإلاّ فإن اعداء الثورة سيحرفون مسارها
    وكما قال الشاعر عبد الوهاب البياتي :
    ثورات الفقراء
    يسرقها في كل الأزمان لصوص الثورات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here