د. محمد عبدالرحمن عريف: ثلاثة انقلابات عسكرية بين اليمن الشمالي والجنوبي في عامين (1977 و1978)

د. محمد عبدالرحمن عريف

  لثلاثون عامًا خلت قبل هذه الأحداث، كان اليمن يأتي عليه الانقلاب ليذهب بالأول، ويأتي بالثاني. هنا جاءت البداية مع إبراهيم الحمدي، الذي ولد عام 1943 في قعطبة التي كانت تُعتبر جزئاً من إب حينها، وأصوله من منطقة ريدة في عمران فهو سريحي من خولان وينحدر من أسرة معروفة في الأوساط الدينية الزيدية، كان والده محمد بن صالح بن مُسلَّم الحمدي قاضيًا في ثلاء وذمار. تعلم الحمدي في كلية الطيران، ولم يكمل دراسته وعمل مع والده القاضي في محكمة ذمار في عهد الإمام أحمد حميد الدين. وأصبح في عهد عبد الله السلال قائداً لقوات الصاعقة، ثم مسؤولاً عن المقاطعات الغربية والشرقية والوسطى. في عام 1972 أصبح نائب رئيس الوزراء للشؤون الداخلية، ثم عين في منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة.

  قاد المقدم إبراهيم الحمدي انقلابًا أبيض سمي بـ”حركة 13 يونيو التصحيحية” لينهي حكم الرئيس القاضي عبد الرحمن الأرياني الذي كان يٌنظر لادارته بأنها ضعيفة وغير فعالة. وصعد  الحمدي للحكم برئاسة مجلس عسكري لقيادة البلاد ومنذ ذلك الوقت اتسع الدور الذي يلعبة الجيش في النظام السياسي والحياة العامة. كان يريد اعادة هيكلة الجيش اليمني لمواجهة المشيخات القبلية الموالية للسعودية. وبدأ الحمدي بالتقليل من دور مشائخ القبائل في الجيش والدولة وألغى وزارة شئون القبائل التي كان يرأسها عبد الله بن حسين الأحمر باعتبارها معوقاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحولت إلى إدارة خاصة تحت مسمى “الإدارة المحلية”.

  اعتبر الحمدي المشايخ القبليين عائقًا أمام التنمية فعزلهم سياسيًا وحل مصلحة شؤون القبائل ولم يسمح لأي شيخ قبلي بتولي منصب حكومي، ذلك لإن زعامات القبائل في اليمن تغلف مصالحها الخاصة بلغة وطنية. وهو ما خلق للحمدي أعداء أقوياء أبرزهم عبد الله بن حسين الأحمر مؤسس ما عُرف بحزب التجمع اليمني للإصلاح لاحقاً.

  في 27 تموز/ يوليو 1975 الذي أطلق عليه “يوم الجيش”، أصدر قرارات بإبعاد العديد من شيوخ القبائل من قيادة المؤسسة العسكرية وأجرى إعادة تنظيم واسعة للقوات المسلحة، فأستبدل العديد من القادة العسكريين خاصة ممن يحملون صفة “شيخ قبلي”، بقادة موالين لتوجه الحركة التصحيحية التي يقودها. وأعاد بناء القوات المسلحة اليمنية حيث تم دمج العديد من الوحدات لتتشكل القوات المسلحة من أربع قوى رئيسة هي، قوات العمالقة التي تشكلت من دمج لواء العمالقة والوحدات النظامية، ومهمتها تأمين حماية النظام وجعل على رأسها شقيقه عبد الله الحمدي. كذلك قوات المظلات، التي تشكلت من سلاح الصاعقة وسلاح المظلات ولواء المغاوير والتي كان يترأسها عبدالله عبدالعالم (عضو مجلس القيادة الدولة ونائب رئيس الجمهورية من عام 1974 إلى عام 1977). وقوات الاحتياط العام التي تشكلت من دمج لواء العاصفة ولواء الاحتياط. وقوات الشرطة العسكرية التي تشكلت من سلاح الشرطة العسكرية وأمن القيادة.

  من أقواله المأثورة، أنه “سيُسمح لكل اليمنيين بالمشاركة في إنتخابات حرة كمرشحين، بما في ذلك مشايخ مثل الأحمر. على الأخير إدراك أن الحالة السياسية اليمنية تتغير ولمجرد أن أحدهم شيخ قبيلة لا يجعله مستحقاً لمنصب أو إمتياز سياسي. بالنسبة للجنوب، فالطريقة المثلى لتغيير النظام الماركسي هي العمل على إنجاح الديمقراطية والسياسات الإقتصادية المعتدلة في الشمال”.

   هنا حدث تقارب الحمدي مع النظام الاشتراكي في جنوب اليمن وفي خطوات السير نحو الوحدة، عقدت إتفاقية قعطبة في شباط/ فبراير 1977 والتي نصت على تشكيل مجلس من الرئيسين الحمدي وسالم ربيع علي (سالمين) لبحث ومتابعة كافّة القضايا الحدودية وتنسيق الجهود في كافة المجالات بما في ذلك السياسة الخارجية. وتبنى الحمدي سياسة معتدلة وعمل على إقناع القادة في اليمن الجنوبي والرئيس سالمين تحديدًا بتوجهاته.

   وفقًا لوثائق ويكيليكس، أراد الحمدي أن يكون اليمن الشمالي مثالاً يحتذى به للدول المجاورة حينها وبالذات اليمن الجنوبي. فكان يُخطط لاقامة ما سماه بالـ”مؤتمرات الشعبية” والتي كانت البذرة الأولى لما أصبح حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة علي عبد الله صالح، وهدف هذه المؤتمرات الشعبية كان الاستعداد لاقامة إنتخابات وانسحاب الجيش تدريجياً من المشهد السياسي. وأخبر السفير الأميركي أن الطريقة المثلى لتغيير النظام الماركسي بجنوب اليمن هو باثبات أن الديمقراطية والسياسات الاقتصادية المعتدلة نجحت في شمال اليمن، وأضاف أنه يطمح لرؤية مجالس شورى منتخبة وانتخابات مباشرة لاختيار رئيس البلاد. ويعلق السفير الأميركي أن تلك كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها الحمدي عن إنتخاب مباشر لرئيس البلاد، ويظهر أن الحمدي ورفاقه الحداثيين يأملون من وراء الانتخابات انهاء الاشكال المتعلق بالاطماع السياسية لمشايخ القبائل.

  في العاشر من تشرين الأول/  أكتوبر 1977، أعلن الحمدي أنه سيقوم بزيارة تاريخية إلى عدن، هي الأولى لرئيس شمالي إلى الجنوب، للمشاركة في احتفالات ذكرى اندلاع ثورة جنوب اليمن في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، لطرد الاستعمار البريطاني ولاتخاذ خطوات وحدوية حاسمة -على حد وصفه في إعلانه ذلك-. وهنا تكشف وثائق من الأرشيف الوطني الأمريكي، عن مراسلات تمت عقب اغتيال الحمدي، من السفارة الأمريكية في صنعاء إلى وزارة الخارجية الأمريكية.

  بعد أسبوع فقط من وقوع الاغتيال، بعثت السفارة الأميركية في صنعاء تقريراً يلخص معلومات السفارة عن تفاصيل ما حدث للحمدي. وأكدت الوثائق أن السفارة كانت تعلم أن الرئيس الحمدي مدعو لحضور مأدبة غداء أقامها رئيس أركان الجيش اليمني، أحمد حسين الغشمي في منزله، تكريماً لرئيس الوزراء عبدالعزيز عبدالغني، العائد للتو من لندن بعد إجراء عملية جراحية هناك. ووفقاً للوثائق فإن الرئيس الحمدي، على ما يبدو، نسي أو تناسى الدعوة، وبدأ يتناول طعام الغداء في منزله، وبرفقته أحمد عبده سعيد (أحد وزراء الحمدي الذي كثيراً ما كانت السفارة الأميركية في صنعاء تستقي معلوماتها منه).

   في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، دق جرس الهاتف، فإذ بالغشمي يسأل عن أسباب تأخر الرئيس في المجيء، ويلحّ على حضوره، فذهب الحمدي تحت الإلحاح لحضور الوليمة من دون أن يذهب معه أحمد عبده سعيد. وتفيد الوثائق بأنّ الرئيس المغدور انضمّ إلى رئيس الوزراء، وكان معهما الوزير محمد الجنيد (لم يوضح التقرير منصبه على وجه التحديد). وأشارت إلى أن الرئيس الحمدي خرج من بين الضيوف، إلى جناح آخر في منزل الغشمي، ومعه أخوه غير الشقيق عبدالله الحمدي (تجاهل التقرير الإشارة إلى أن عبدالله الحمدي كان وقتها قائداً للواء العمالقة المتمركز في محافظة ذمار، ولم يوضح سبب وجوده في صنعاء).

   بحسب التقرير، فإن عبدالعزيز عبدالغني ومحمد الجنيد، غادرا منزل الغشمي في حوالي الثالثة عصراً، من دون أن يعرفا مصير الحمدي. ونوهت إلى أن الغشمي وعبدالعزيز عبدالغني، لسبب غير معروف، بدّلا أقوالهما، بعدما قالا في بداية التحقيق إن الرئيس وأخاه عُثر عليهما قتيلين في سيارة كانت تقلهما. ثم تراجع الغشمي وعبدالغني عن هذه الرواية، فأدليا بما يفيد أن الرئيس وأخاه “توجّها إلى منزل خاص استأجره عبدالله الحمدي، وعثر على جثتيهما لاحقاً في ذلك المنزل الذي لا يبعد كثيراً عن منزل الغشمي، وإلى جانبيهما جثتان ممددتان لفتاتين فرنسيتين عاريتين”.

   وفقاً للوثائق فإن الغشمي أصدر توجيهاته لوزير الداخلية (الموالي للسعودية أيضاً) محسن اليوسفي، للذهاب إلى مسرح الجريمة، حيث قام اليوسفي، بحسب التقرير السري، بتصوير الجثث العارية. أما التقرير الأغرب حول الموضوع، فمصدره السفارة الأميركية في لندن، ويكشف عن اسمي الفتاتين الفرنسيتين، قائلاً إنه جرى إحضارهما من باريس، وقتلهما في صنعاء وإلقاء جثتيهما بجانب جثة الرئيس وشقيقه للتغطية على الجريمة والإيحاء بأنها “جريمة أخلاقية”. ويستند التقرير إلى مصادر بريطانية أفادت بأنّ الشرطة السرية الفرنسية بحثت عن دبلوماسيين اثنين من اليمن الشمالي لاستجوابهما حول دورهما في ترتيب سفر كل من فيرونيكا تروي وفرانكا سكريفين إلى اليمن، في الثاني من أكتوبر (قبل الاغتيال بتسعة أيام).

   يكشف التقرير أن الرد من السفارة اليمنية أوضح أن الدبلوماسيين المطلوبَين للاستجواب، عادا إلى اليمن. ونقل التقرير عن إحدى صديقات الفتاتين الفرنسيتين، أنهما كانتا تعملان في حانة باريسية، وجرى إيهامهما بأنهما ستكونان ضيفتين لدى الرئيس اليمني، ووافقتا على عرض السفر بعد منح كل منهما ما يقارب ستة آلاف جنيه استرليني. وأقرّ التقرير بأن القصة لم تنطلِ على من يعرفون الرئيس الحمدي، ووصف ما جرى بأنه “انقلاب دامٍ لتغيير نظام بأكمله عن طريق استهداف رأس النظام وتشويه سمعته أمام شعبه”.

   في تقارير أميركية أخرى سابقة، أشارت السفارة الأميركية في صنعاء، إلى اختفاء قادة عسكريين من أنصار الحمدي، منهم المقدم علي قناف زهرة، قائد اللواء السابع مدرع في حينها، ومنصور عبدالجليل، قائد الشرطة العسكرية. لكن السفارة، في تقرير لاحق، أشارت إلى أن قائد الشرطة العسكرية، عبدالجليل، عاد للظهور، في حين أن الغشمي أقسم لبعض المقربين منه، أن علي قناف زهرة لا يزال حياً، من دون أن يحدد مكان وجوده.

   يبقى أنه في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1977، وفي الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً نقلت إذاعة صنعاء للشعب اليمني وفاة المقدم إبراهيم الحمدي رئيس الجمهورية ومجموعة من رفاقه في حادثة اغتيال، لا يزال الغموض يكتنفه حتى اللحظة. واغتيل برفقة شقيقه عبد الله الحمدي الذي كان قائدًا لأكبر وحدة عسكرية في اليمن -لواء المغاوير- آنذاك وتم تنفيذ مهمة الاغتيال للرئيس إبراهيم الحمدي وأخيه عبد الله الحمدي في  صنعاء في منزل الغشمي الكائن بالدائري أمام السفارة السعودية. ولم تُجرى أي تحقيقات للكشف عن الفاعلين ودُفن إبراهيم في مقبرة الشهداء بالعاصمة اليمنية صنعاء.

اغتيال حسين الغشمي

  هو المقدم أحمد حسين الغشمي رئيس الجمهورية العربية اليمنية في الفترة من 1977 – 1978. ولد في ضلاع همدان، إحدى ضواحي صنعاء عام 1941، التحق بالقوات المسلحة بعد احداث 26 أيلول/ سبتمبر، وتولى مهام ومسئوليات قيادية عسكرية كرئيس لأركان حرب فوج، وقائدًا للمحور الغربي ثم الشرقي، واللواء الأول مدرع. أسهم بدور رئيسي في انقلاب 13 حزيران/ يونيو 1974 ضد الرئيس القاضي عبد الرحمن الأرياني، وتولى منصب رئيس الأركان ثم نائبًا لرئيس مجلس القيادة (رئاسة الدولة). عرف كذلك بقربه من السعودية (دعى ذات تصريح إلى الوحدة مع السعودية) وعارض محاولات الرئيس الحمدي للتقليل من التأثير السعودي في اليمن.

   خلف الغشمي إبراهيم الحمدي في رئاسة الجمهورية العربية اليمنية لأقل من سنة واحدة، ذلك عقب اغتيال الأول. واغتيل كذلك الغشمي في مكتبه في القيادة العامة للجيش في 24 حزيران/ يونيو 1978؛ إثر انفجار حقيبة ملغومة -حملها إليه من عدن (مهدي أحمد صالح) المشهور بتفاريش, مبعوث رئاسي من سلطات الحكم في عدن- في ظروف غامضة؛ وجّهت فيها أصابع الاتهام لأكثر من طرف في قيادة الحزب (الاشتراكي) في عدن، وإثر ذلك عقدت جامعة الدول العربية اجتماعًا طارئًا -على مستوى وزراء الخارجية العرب- هدف إلى اتخاذ موقف عربي ضد نظام الحكم في عدن؛ لضلوعه في عملية الاغتيال، وقد أعلنت خمس عشرة دولة عربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة عدن إثر ذلك الحادث.

    شُكّل مجلسٌ رئاسي برئاسة (عبد الكريم عبد الله العرشي) رئيس مجلس الشعب التأسيسي، وعضوية كلٍّ من (علي الشيبة)، و(عبد العزيز عبد الغني)، و(علي عبد الله صالح)، وفي يوم 12/8/1398هـ الموافق 17/7/1978م انتخب مجلس الشعب التأسيسي بأغلبية الأصوات (علي عبد الله صالح) رئيسًا للجمهورية، وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، وتعيين القاضي (عبد الكريم عبد الله العرشي) نائبًا لرئيس الجمهورية.

  الحقيقة أنه لا يزال الغموض يكتنف هذه القضية كما تظل من أغرب القضايا في تاريخ الاغتيال السياسى في العالم، وهي قضية اغتيال رئيس اليمن الشمالى أحمد حسين الغشمي، فحينما نتأمل وقائعها تبدو لنا وكأنها فيلم إثارة غربى؛ فها هو الغشمى يستقبل في مكتبه مبعوثاً خاصاً من قبل رئيس آخر؛ فيقوم هذا المبعوث منفذ عملية الاغتيال الانتحارية بفتح الحقيبة الملغومة التي يحملها لتنفجر وتودى بحياته وحياة الرئيس.

  ففى العاشر من كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٨ تم الكشف عن وصية منفذ الاغتيال، حين نشرتها صحيفة «٢٦ سبتمبر» اليمنية، وأشارت لها في حينها جريدة الشرق الأوسط، الأمر الذى أعاد القضية للأذهان، ذلك مع معلومات عن الانتحارى الذي قام بها وهو أحمد صالح حمدى، وهو رجل شبه أمى عمل فراشاً بإحدى المدارس، وفى موجة المد الشيوعى، وجد نفسه على سطح الأحداث حتى صار مجرد آلة تنفذ ما يوكل إليها من مهام خطيرة.

   فقد ترك هذا الرجل وصيته لأبنائه قبل القيام بهذه العملية، وكان قد تعرض قبلها إلى عمليات من الشحن النفسى حولت الآخرين في عيونه إلى «رفاق» يستحقون الحياة أو «خصوم» يستحقون الموت، حتى إننا نلمس هذا في الصيغة التي كتب بها وصيته فكانت تفيض بتشنجات الخطاب اليسارى الشائع في عصره، وقد اختلفت الروايات إن كان ذلك الرجل هو نفسه المبعوث الذي أوفد للغشمى أم مجرد شخص قام بدور «الدوبلير» للمبعوث الأصلى الذي اختفى في لعبة استخباراتية مجهولة.

الانقلاب على رئيس اليمن الجنوبي “سالمين” واغتياله

   سالمين كان قائد الجناح اليساري في جبهة التحرير الوطني اليمنية والتي أجبرت قوات الاحتلال البريطاني على الانسحاب من الجنوب العربي في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، 1967. استطاع الراديكاليون أن يبسطوا سيطرتهم أكثر من الجناح المعتدل الذي كان يقوده قحطان الشعبي حيث تم الانقلاب عليه. أثناء عهده، تم تغيير اسم الدولة من جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وذلك في 1 كانون الأول/ ديسمبر، 1970. ثم انضم جناح الربيعي إلى عدة أطراف سياسية يسارية أخرى لخلق التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية غير أنه عارض فكرة الحزب الاشتراكي اليمني التي طرحها عبد الفتاح إسماعيل. سالمين عين محمد علي هيثم كرئيس للوزراء عندما أصبح رئيسا للجمهورية. استمر هيثم في منصبه حتى 1971. عندما تم استبداله بعلي ناصر محمد.

   لقد اتخذت اللجنة المركزية قراراً بتنحية سالمين وإحالته إلى المحاكمة وكلفت المكتب السياسي بالتنفيذ ولم يعترض على القرار إلا حسن باعوم وتحفظ عبدالله صالح البار بينما وافق الآخرون جميعاً. لكن هل حضر الرئيس اجتماع اللجنة المركزية؟. لم يحضر، على إثر ذلك دعا المكتب السياسي لعقد اجتماع يوم  25 حزيران/ يونيو، الساعة السابعة مساء في مجلس الوزراء في منطقة الفتح لغرض تنفيذ القرار. وتم استدعاء الرئيس من قبل الأمين العام عبدالفتاح إسماعيل، وفعلاً ذهب الرئيس إلى مقر الاجتماع حسب الموعد المحدد سلفاً لكنه لم يجد أحداً. ذلك لأنهم أجلوا الاجتماع إلى التاسعة مساء، ولم يشعروا الرئيس بالتغيير، ولذلك عاد الرئيس إلى قصر الرئاسة.

  بدأت نهاية سالمين عندما تم الاتصال بالرئيس من قبل الانقلابيين، لطلب الحضور، إلا أنه لم يحضر معتبراً أن هناك تلاعباً بالتوقيت لتفادي حضوره. وفي تمام العاشرة مساء أرسل المكتب السياسي ثلاثة وزراء إلى الرئيس وهم (وزير الدفاع علي عنتر، ووزير الداخلية صالح مصلح، ووزير الخارجية محمد صالح مطيع)، ووصلوا إلى قصر الرئاسة، ودار الحوار مع الرئيس من العاشرة وحتى الواحد والنصف صباحاً يوم 26 حزيران/ يونيو، وقد حاول حراسة الرئيس، التبين من أن ذلك الحوار إنما هو خطة مدبره لكسب الوقت حتى تكتمل تجهيزات للانقضاض على الرئيس، وأشعر الحرس الرئيس برغبته في احتجاز الوزراء الثلاثة كرهائن لكنه رفض وقال هم يريدون السلطة، أنا أعطيتهم استقالتي وسلمتها لهم، وطلبت السفر إلى الصين ولا داعي لتفجير الموقف.

    بدء الهجوم على الرئيس في تمام الثانية بعد منتصف الليل أطلقت الشرطة العسكرية ست طلقات نارية في الهواء من ميدان الشرطة العسكرية المقابل لقصر الرئاسة، وكانت إشارة البدء بالهجوم على الرئيس، ثم قاموا بقطع التيار الكهربائي على منطقة الفتح بالكامل، وما هي إلا دقائق حتى بدأ إطلاق النار عليهم من جهات متعددة، من جبل هيل، ومن مربط ومن وزارة الدفاع ومن الشرطة العسكرية وكانوا مطلين على قصر الرئاسة، واستخدمت أسلحة الدشكا وبي10.

  استمرت المعركة بينهم حتي الخامسة من صباح يوم 26 حزيران/ يونيو، دون أي تقدم من الجهتين، وفي الساعة السادسة انسحبت قوات الرئاسة إلى القصر المدور كون مواقعهم كانت مكشوفة للقوات المهاجمة، حيث أن القصر المدور يحاط بدفاعات قوية وآمنة وحينها كان مع الرئيس جاعم صالح وعلي سالم لعور من القيادة السياسية فقط. وظهر أن الأسرى يقاتلون مع الرئيس، عندما بدأ التقدم من قبل القوات المهاجمة بقيادة علي شائع وكان ينادي على قواته بالميكرفون من أحد المنازل القريبة منهم قائلاً “تقدموا عليهم لا تخافوا منهم إنهم غزاة جبناء! استغرب البعض لكن تبين لهم السبب بعد أن استطعوا اعتقال مجاميع من قوات علي شائع، وكانوا في عربتين مدرعتين تقدمتا على القصر المدور الذي هم فيه، وعندما سألهم عن معنى قول علي شائع «إنهم غزاة» أفادوا بأنهم لا يعلمون بأنهم يقاتلون رئيسهم، إنما أخبروهم بأنه قد تم إنزال جوي أجنبي لاحتلال الرئاسة ليلاً وفوجئوا بأنهم كانوا مخدوعين مما دفعهم إلى القتال معهم بشراسة غضباً على خديعتهم.

   تم قصف الطائرات والزوارق، وكان القصف على القصر شديداً من الطائرات الحربية والزوارق البحرية، عندما فشلت القوات الراجلة في اقتحام مقرهم واستمرت المعركة حتى الساعة الواحدة من ظهر يوم 26 حزيران/ يونيو، ثم تغيرت قيادة المهاجمين وكان قائدهم هو محمد صالح الباخشي واستمرت المعركة حتى السادسة من نفس اليوم.

  كانت الطائرات قد قصفت الخزائن وفجرت الذخائر التابعة للقصر ولم يتبق معهم إلا الأسلحة الخفيفة والذخائر التي كانت بحوزتهم عندها بدأ التفكير بالاستسلام. وكانوا قد قطعوا عليهم إمدادات المياه والكهرباء والهاتف منذ بدء الهجوم قبيل فجر 26 حزيران/ يونيو، وكانت الأجهزة اللاسلكية التي بحوزتهم تعمل على الكهرباء وحينما قطعت الكهرباء انقطعت عنهم الاتصالات بالوحدات المساندة لهم، وأثناء المعركة قتل من قوات القصر ثمانية أفراد من بينهم عبدالله الصبيحي قائد حرس الرئيس ومعه سبعة جنود آخرون.

   في الواحدة والنصف بعد الظهر ذات اليوم، تم تقسيم كتيبة أمن الرئاسة إلى فرقتين إحداهما كفرقة انتحارية تتقدم على القوات المهاجمة وجهاً لوجه كآخر وسيلة لهم كونهم قادمين على الموت لا محالة. والفرقة الأخرى بقيادة الملازم صالح شيخ البيحاني ترافق الرئيس لحراسته أثناء الانسحاب عبر البحر إلى منطقة جولد مور حتى يصل إلى جبل شمسان.. لكن الرئيس رفض هذه الخطة.

   لقد قرر الرئيس أن لا فائدة في أي مواجهة تعرض الأفراد للقتل ليس إلا، وقرر الاستسلام، فلقد نفدت جميع الذخائر التي بحوزتهم في ذلك الوقت.. وعندما أبلغ الرئيس بذلك أمر بمناداة القوات المهاجمة بأننا سنستسلم، عندها خرج البعض إلى خارج الموقع وصرخ بأعلى صوته قائلاً “نحن مستسلمون لقد نفذت جميع ذخائرنا أوقفوا إطلاق النار. بعدها مباشرة سُمع الباخشي يأمر قواته بوقف إطلاق النار حتى عُرفت شخصيته من صوته باعتباره كان أحد المدربين في الكلية العسكرية. حيث كانت المواقع متقاربة جداً حتى أنه يسمع بعضهم بعضاً بوضوح. ثم نادى عليهم الباخشي قائلاً: «سلّموا أنفسكم وأنتم في وجه الثورة».

   جاءت رسالة الاستسلام، ولم يجد سالمين ورقة لكتابة الرسالة فكتبها على أوراق السجائر، وكانت صيغة الرسالة كما يلي: «الأخ العقيد الركن علي أحمد ناصر عنتر – المحترم: نظراً للمعارك الدامية التي تعيشها اليمن فإننا سنسلّم على يديك للتفاهم». عندما استلم الباخشي الرسالة رد عليها شفوياً بأن علينا النزول إليهم فرداً فرداً عبر نَفَق مجاري الصرف الصحي وليس عبر الجسر الفاصل بينهم، واضطر الجميع إلى تنفيذ الأمر حتى وصلوا إلى الباخشي.

   كانت التحية الأخيرة للرئيس، حيث كان الرئيس أولهم ويليه جاعم ولعور، ثم تقدم أحد الضباط إلى الرئيس سالمين وأدى له التحية العسكرية ثم أمره الباخشي بتفتيش الرئيس فتقدم الضابط إلى الرئيس ففتّشه وأخذ مسدسه، ثم قام بتفتيش جاعم ولعور. بعد ذلك أمرهم الباخشي بالوقوف في مكانهم وأخذوا الرئيس وجاعم ولعور في سيارة عسكرية ووضعوهم في مؤخرتها، وكان الباخشي معلقاً بالسيارة بجانب الباب الأمامي، وذهبوا بهم باتجاه وزارة الدفاع، حتى دخلوا الوزارة.

  بالعودة لأسباب ودوافع اغتيال سالمين، نجدها كانت كثيرة ومتشعبة وليست وليدة يوم الانقلاب، ولكن السبب الذي ظهر علي السطح بدأ بعملية اغتيال الرئيس الغشمي، ففي يوم 24 حزيران/ يونيو 1978، وتحديداً الساعة الثالثة والنصف عصراً أعلنت إذاعة صنعاء خبر اغتيال الرئيس الغشمي وعلى أثر ذلك تم رفع درجة الاستعداد القتالي في جميع وحدات القوات المسلحة في الجنوب. وفي اليوم التالي دعت اللجنة المركزية لاجتماع استثنائي الساعة العاشرة صباحاً لغرض تحميل الرئيس سالمين قضية اغتيال الغشمي كمخرج من المأزق الذي كان يحيط بالدولة في الجنوب بسبب الاغتيال الغادر من جهة، وكون القيادة السياسية في الحزب كانت تبحث عن سبب لإزاحة الرئيس سالمين عن السلطة.

   لقد انتهت حياة الرئيس سالم ربيع علي (المشهور بسالمين)، الذي ملأ السمع والبصر واستطاع خلال عشر سنوات أن يحكم البلاد بقبضة قوية، وصارت أنظار الناس تتجه إليه حيث كان صاحب القرار الأول والأخير في قمة السلطة، وبحسب من عايشوه فقد سحب البساط السياسي من تحت أقدام أقرانه بسبب شخصيته القوية التي فرضت على زملائه في مواقع السلطة الوقار والهيبة إن لم يكن أقرب إلى الخوف والرهبة. وإذا كانت الظروف لم تستطع منح (سالمين) فرصة مختلفة في الصعود إلى كرسي الرئاسة، إذ صعد إثر حركة انقلاب بدأ سلمياً، على رجل الدولة قحطان الشعبي، ورجل التنظيم فيصل عبداللطيف في 22 تموز/ يونيو 1969م، فإنها أيضاً لم تمنحه نهاية مختلفة، بعد أيام قليلة من استقباله عضو الكونجرس الأمريكي بول فندلي وتأكيده له أن “عدن لا ترغب في الانعزال عن الولايات المتحدة” وأن رئيسها -أي سالمين- يحبذ “إقامة علاقات مع الولايات المتحدة بحيث تكون ذات صلة بالأمور التي يشكو منها الشعب اليمني”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here