د. محمد عبدالرحمن عريف: تحالف عسكري جديد بعد مشاريع “الناتو العربي” و”وارسو”

د. محمد عبدالرحمن عريف

البداية مع ما جاء على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دانفورد، وإن لم يعط تفاصيل كثيرة باستثناء أن هناك تحالف سيركز على المراقبة والاستطلاع، وأن الأيام القادمة ستشهد تحديد الدول الراغبة في المشاركة في هذا التحالف. وإن كُتب للتحالف الولادة، فهو سيراقب منطقة جد حيوية في الملاحة البحرية بين (باب المندب وهرمز). وإن جاء الحديث عن أن السعودية ستشارك في التحالف، ليس فقط بالدعم اللوجيستكي، ولكن كذلك بسفنها الخاصة أو حتى بالمحاربة منها، ولن تتأثر هنا بموقف أبو ظبي، التي كانت لديها علاقة تصالحية نوعاً ما مع طهران بسبب المصالح الاقتصادية التي تجمعهما.

بيد أن العراق الذي تربطه علاقات قوية مع إيران، يرى في أيّ خطوة لإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران “عقبة كبيرة” لاقتصاده، وبذلك ستجد بغداد نفسها في وضع صعب إزاء أيّ تحالف يبتغي محاصرة إيران، إذ لا يزال العراق يحتاج لدعم أمريكي، خصوصاً مع استمرار القوات الأمريكية في هذا البلد، لكنه كذلك لا يرغب بإغضاب طهران، وهو ما ظهر عندما وجه الرئيس العراقي برهم صالح لوما كبيراً لدونالد ترامب، عندما صرّح أنه يريد مراقبة إيران من الأراضي العراقية.

نعم سبق أن نقلت نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤول عسكري أمريكي قوله إن الأمر سيتضح خلال أسبوعين بالنسبة للدول التي ترغب في الانضمام إلى هذا التحالف. حقيقة أهدافه والتحديات في العضوية؟ فبعيداً عن الأهداف السياسية، تحمل الدول المدافعة عن التحالف أجندات أمنية لحماية مصالحها الاقتصادية، فوفق وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، تتجنب شركات نفط دولية إرسال ناقلاتها إلى موانئ الشحن في الشرق الأوسط، بعد وقوع هجومين خلال شهر واحد، الأول استهدف ناقلات في إمارة الفجيرة الإماراتية، والثاني استهدف ناقلات في خليج عُمان.

سبق أن صرح مسؤول في إحدى الشركات النفطية في دبي، أن “هناك توقعات بتدهور الأوضاع بصورة أكبر قبل أن تبدأ في التحسن”، مؤكداً أن ميناء الفجيرة “يشهد تراجعاً كبيراً في الطلب بسبب ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط ضد مخاطر الحرب”. وقد نقلت “بلومبريغ” تصريحات متباينة لتجار ووسطاء يتحدثون عن تراجع حركة مبيعات النفط بما بين 15 و 30 في المئة مؤخراً. وتدرك إيران أن تحالفاً مثل هذا يبتغي تقليم أظافرها أكثر وأكثر، خاصةً مع تهديداتها المستمرة بإغلاق مضيق هرمز إن استمرت الولايات المتحدة في حصارها اقتصادياً.

واقع الصراع على الأرض ظهر عندما أبدت طهران صرامة في التعامل مع واشنطن، حيث أسقطت طائرة تجسسية أمريكية، خاصة أن موقعها الجغرافي ذو الحدود الشاسعة المحيطة بالمضيق، وقدراتها العسكرية يتيحان لها تنفيذ وعيدها على أرض الواقع. عليه فاستراتيجية ترامب تدخل في إطار قومية اقتصادية نحا إليها، وذلك بأن تتحوّل أموال الخليج والعالم لخدمة الاقتصاد الأمريكي. فهو يرغب في مبادرة بقيادة أمريكية لحماية الخليج، لكن بتمويل خليجي، وذلك عبر استخدام فزاعة التهديد الإيراني وفزاعة الهجمات المهدّدة للملاحة البحرية. وإن كان الخليجيين لن يستفيدوا من هذه المبادرة كثيراً.

نعم في عديد الردود سبق أن جاء الموقف الإيراني التي تحدثت عن نفسها كصاحبة منطقة جيوسياسية وجيوستراتيجية وجغرافية اقتصادية مهمة في المنطقة، ذلك ما يجعلها في قلب السياسة العالمية، وخاصة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وأن هذه حقيقة وضعتها في طليعة المجتمع الدولي ونصب أعين المنطقة. كل ذلك جعل منها جسراً برياً بين دول شرق البحر المتوسط من ناحية ودول وسط وجنوب آسيا من جهة أخرى.

رغم ذلك فإن إيران “قد تجلس إلى طاولة المحادثات مع الولايات المتحدة الأمريكية في حال أوقفت الأخيرة ضغوطها على طهران وقدّمت اعتذاراً لها، فالولايات المتحدة الأمريكية ليست جادة في مسألة التفاوض مع طهران، وعليه فإن أي طلب للتفاوض يستند إلى (الكذب والتنمر)، لن يؤدي إلى نتيجة. فالشعب الإيراني يدرك جيداً أن المقاومة هي أفضل سبيل لمواجهة المبادرات غير القانونية، فالتفاوض هو الطريق الذي يجب أن نسلكه بعد إنهاء كافة أنواع الضغوط الممارسة ضدنا. كما أننا رجال حرب ودفاع، فإننا رجال تفاوض ودبلوماسية أيضاً”. هكذا سبق أن تحدث الرئيس روحاني.

عليه فترامب يتحدث في مراهناته على عديد مشاريع سبق أن جاء منها (الناتو العربي) و(حلف وارسو الجديد)، وإن جاء بعدها فشل “التحالف الدولي الجديد” في الحرب النفطية. وهي مشاريع هدفت إلى إطلاق صفقة القرن مع إسرائيل. في النهاية نبقى أمام عديد الأسئلة التي تحتاج لإجابات منها: هل ما حدث ويحدث يصنف كزحزحة خطوات لخنق إيران وتأجيج روح حرب؟، كانت بدايته بقرار واشنطن بشأن عدم تجديد إعفاءات استيراد النفط الإيراني. وعليه فهل ينجح حلفاء أمريكا في مساعدتها الرامية نحو هذا التقليص.

فهل هو تحالف جديد في الخليج؟.. أم خطة أمريكية لتضييق الخناق على إيران؟ هل هو تحالف عسكري جديد قد يبصر النور في الشرق الأوسط بمبادرة من الولايات المتحدة؟، وهذه المرة على شكل سفن حربية تسعى لـ”حماية المياه الاستراتيجية في مضيق هرمز وباب المندب”. فما هي أهدافه؟.. يبقى أنها صورة رمزية ترغب واشنطن بقيادة تحالف عسكري بحري في مناطق التماس بينها وبين إيران، ما يجعل أهدافه مثيرة للجدل، خاصةً مع تصاعد التطوّرات في موضوع الملف النووي، في وقت تختلف فيه وجهات النظر بين دول المنطقة على خلفية مواقفهم من طهران، بين من يرغب في حصارها، ومن يرتبط بعلاقات معها تجعله متردداً أو حتى رافضاً لأيّ مبادرة ضدها. عليه يبقى أنه تحالف عسكري جديد حضر كخطوة بعد مشاريع (الناتو العربي) و(وارسو).

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here