د. محمد سعيد المخلافي: رواية رحلة الأسرار المدفونة ( 2019).. نبش في فلسفة الذات ومفهومي الآخر و وحدة الجماعة

 

 

د. محمد سعيد المخلافي

مثلما أوضح الكاتب (د. مجدي صالح) في مطلعها، فإن الرواية مستقاة من وقائع تاريخية حقيقية؛ سبق أن وقفت على مدوناتها الأصلية* المتعلقة برحلة المستشرق الفرنسي اليهودي الديانة (جوزيف هاليفي) إلى اليمن (1869)؛ بغرض التفتيش عن النقوش السبئية والحميرية وقد اصطحب فيها( حاييم حبشوش )، كدليل من يهود اليمن.

ومنه استمدت الرواية موضوعها، مشوبة بما قد يبدو _ بغير القراءة النموذجية _ منسجما مع عنوان الرواية المتضمن دلالة نبش الأسرار المطمورة أو ما يمكن اختزاله بالغاية الحقيقية غير المعلنة من الرحلة؛ من حيث أن الرواية قد تقصدت وضع أفكار هاليفي على لسانه كأساس منهجي صالح لاستقراء توافقا والخط الزمني لمرحلة التحضير لقيام الحركة الصهيونية. كما تسمح بذات القدر باستخلاص دوراً ما لخدمة المشروع الاستعماري آنذاك، والذي صار واقعا بعدها باستعمار فرنسا للجهة المقابلة على الممر المائي الهام( باب المندب).

ولئن كان يسهل تصور كيلا الأمرين غرضا سري لهذه الرحلة، فإنه لا يصح بأية حال نسب كشف السر لرواية تجاوزت زمن الرحلة لما يقارب القرن ونصف القرن. وبعد أن تكفل الزمن وحده بكشف كل ما تلى الرحلة من وقائع حدست بها الرواية_ تنزلا مع هذا الفرض _

 شخصيا كنت على قناعة راسخة بأن عنوان الرواية أعمق وأبعد دلالة عن معنى كشف الأسرار أو فضح المؤامرات بشكل مباشر. وذلك ترتيبا على سابق دراية بأسلوب الكاتب المتأثر بروح العلم والموضوعية  وبمقدرته_ التي خبرتها في أعماله السابقة _على إجهاد القارئ والدفع به _ بطريقة ما عميقة _ إلى مشاركة النص الكامن بين السطور. وبهذا مضيت في قراءة هذه الرواية ما بين مدونات تاريخية استحضرها بخصوص موضوعها ومحصلة معرفية تحضرني بشأن مضمونها الفكري المتراء أكثر فأكثر_ راجعة على وجه الخصوص إلى الكتابات العلمية الأمينة للمؤرخ( سلومو ساند )، والتفسيرات الخلاقة الواردة في كتاب الاستشراق للمفكر (إدوارد سعيد)، الكاشفة لحقيقة التعالي الاستشراقي العنصري بغاية السيطرة…

 وعلى ساطع من ضوء ذلك، أدركت بشكل عام أولي مكمن تفرد هذه الرواية، وهو مقدرتها بالأصل على معالجة مثل هكذا أفكار في الإطار الأدبي. وبقت أمور أخرى مثيرة للانتباه تحث على التأمل من الناحية الفنية؛ كعدم اعتمادها التفاصيل الدينية مادة لسردها. نظرا للثراء الطقوسي المعلوم للدين اليهودي و ذلك الكم من التمثلات اللاواقعية والطبيعة الهيولية لتراثه الروحي. إلى حد توقعت معه بداية بأن حبكتها مستمدة من هذا الجانب تستوحي منه صراعا ما منطلقا لفضح زيف معتقد أو فكرة. وهذا ما قامت به بالفعل لكن من منحى آخر لا كما توقعت. وظلت أسئلة تترى في الذهن كلما استرسلت في قرائتها؛ تتمحور حول بنيتها الدلالية وسر حبكتها العامة المبنية فقط على التسلسل والترابط للأحداث غير الخاضعة لقانون الضرورة و الإحتمال. بجانب طغيان حبكتها الفرعية( قضية سعيدة )على مساحة السرد؛   وخروجها عن الوزن التقليدي للحبك الروائية، بالإضافة إلى إشكالات عدة بدت تعتور هيكلها العام المبني على معنى الصراع بحدث مبدئي متضمن ذروة الأزمة من دون نقطة تحَوّل و نهاية صراع أو حتى بصراع مفتوح النهاية يمكن للقارئ تصور مآلاته إيجابا وسلبا.

ومع أن مسألة إعطاء هذه الحبكة وزن أكبر يتسنى فهمه بداعي نشر وجهات نظر تناسب مجرى سرد معين و تستقيم مع سعة مجاله. وبرغم استبعاد اعتباطية أحداثها المختارة، باعتبارها سلفا إشارات إرشادية لا لبس فيها لفكرة أو رسالة ما؛ بيد أن التساؤل ظل ملحا بشأن تماسك حبكتها الفرعية؛ ومدى إمكانية تغيير أو تحريك جزء منها عن موضعه أو حتى إلغاءه. كماهو شأن الحاجة إلى معرفة كُنْه الأثر العاطفي أو الفني الذي أرادت الرواية توليده لدى القارئ من ظاهرحبكة باهتة لا رواء فيها. وفي هذه النقطة فأنه يستوقفك أن شريك( سعيدة )في الخطيئة شاب يهودي وليس مسلم؛ إذ لو بنت الرواية سردها على هذا المخيال الأخير لما تنكرت_ في حقيقة الأمر _للحقيقة التاريخية أو اِفتأتت على الوثائق الناقلة لها. ولكانت الحبكة بذلك أكثر مرونة لتمرير الرسائل ومد القناعات؛ وانسب محلا لأحداث فجوة في الإسقاطات اللاهوتية وميثولوجيات الميز والاصطفاء_ التي يقوم عليها الاستيطان الصهيوني الاستعماري حتى هذه اللحظة _كمسسألة احتكار التفوق والأفضلية داخل نسق ثقافي ومنظومة معيارية لا يشمل سوى المولود من أم يهودية حتى لو كان ثمرة ” أغيار ” ونتاج خطيئة.

كذلك الحال بالنسبة للأحداث المتعلقة بوقوع الشاب المسلم( عبدالرحيم  منصوري )في حب( سعيدة )بعد حادثة حملها سفاحا؛ والذي قد تبدو للقارئ محض استطراد بالكلية يؤخذ على وحدة السرد و تدفقه.

وبالتأمل تخلص إجمالا إلى أنك أمام عمل يستلهم واقعا تاريخي ولا يفيد تكراره مُستخلَصَا؛ حيت تجد الكاتب وقد أعمل فيه مبضعه مشرحاً_ بدقة فلسفية _سيرورة الوجود الإنساني المحض الخالي من  الارتباطات الايديولوجية بكل تفاعلاتها الأصلية وقشورها الاصطناعية. ومشخصا الهـوية ببنيتها المنغلقة على الذات اتكاءاً على البعد الإجتماعي والاختلافات الفيزيقية والفكرية غير القابلة للتغيير.

 ولدى التأمل أكثر تدرك عمق الإثارة الفنية القائمة على تحفيز التأمل وتوجيهه بغاية الوقوف على الفكرة الجوهرية للرواية. مدركاً معه مغزى جرعة التوتر الضئيلة غير الشاغلة التي من شأنها جذب الانتباه إلى فكرة محددة استهدفت الرواية إظهارها وخشت غيابها عن الملاحظة. وتتلخص بتعيين الاختلاف والتمايز القائم بين شخصي الرواية الرئيسين( حبشوش اليمني ) و ( هاليفي الفرنسي )؛ والذي أقره الأول تأسيساً على الخصوصية وحافزاً لتطوير الذات. فلم يكن  هاليفي سوى الأخر بالنسبة له محملاً بمعاني سوية لا ترتكز إلى القياس والمقارنة بشأن الدور والقيمة ومنهج الحياة؛ وتقوم على خبرات نفسية وثقافة شعبية تنظر بعين التسامح إلى الآخر المسالم وتبالغ في إكرامه متى أتخذ وضع الضيف؛ كما صرح بهذا للآخر( الإفرنجي هاليفي )في نهاية الرحلة كبيان توضيحي مختصر لمواقفه طيلة الرحلة.

بينما ظهر حبشوش كآخر من وجهة نظر النفس المستقلة لهاليفي؛ بشكل باثولوجي، ومن صلب نزعة مركزية جانحة جرت على لسانه مراراً؛ بدءاً من سؤاله الإنكاري المستجهن لحبشوش ” من الذي أخبرك أو علمك فصاحة لسان العبرانية وأنت يمني…” وعلى شاكلة هذا المعنى أظهر الكثير طوال الرحلة. فلم تملك لسانه سوى أن تغرف من هذه النزعة الجامحة من كل بد ، برغم غاية التبشير ” بأرض الميعاد ” وحديثه المكرور بشأن رابطة الدين الجامعة لكل يهود العالم؛ والذي بدا من وجهة نظر الرواية حديثا مبتسراً لا  يتجاوز أذن السامع( أخا الدين ) وخارج قناعة القائل( مسيو هاليفي )؛ الذي ظهر على الدوام يعاني من صدمة ثقافية عجز عن استيعابها باشمئزاز كبير ومضى يقتات أوهام السمو طيلة رحلته الاستكشافية التي كانت معنية كذلك_ وفقا لتقرير هاليفي _ بالبحث الأثنوجرافي سوى أنها حادت عن تقديم معرفة محايدة غير منقوصة لأساليب الحياة والعادات والتقاليد؛ وذلك بالتبعية لعدم تقبله لفكرة تميز الآخر بما اعتقده _ بصورة راكدة في اللاوعي _ صفات لصيقة بثقافته وقيمه لايمكن للآخر امتلاكها أو التطبع بها؛ الأمر الذي  أخرجه_ بصورة تفاعلية _إلى نطاق الاحتقار العلني والتعنيف”  أنتم أغرب اليهود.. ” وبأنه :  ” …لو جاء يوم الميعاد، أول من سيخذل أورشاليم هم أنتم.” وذلك لأن الأخر أظهر فقط إيماناً بالتعايش معتقداً و ممارسة راقية يحل فيها التوفيق والتعايش محل التفوق والصراع.

وفي قضية جميع أطرافها من اليهود تجده ينزع عن سعيدة آخر طوق نجاة و وقف يستعبر للحظة قيمه ” الحضارية “بمشحون لوثة عنصرية قائمة على احتقار القيم والمنهج و الطرائق الحياتية للآخر(  أخوته في الدين خصوصا ) :  ” ..كم أنتم بدائيون همج متوحشون..سأظهر شرعكم هذا الخسيس لكل يهود العالم.”.

والحاصل أنه لم يشفع لسعيدة اليمنية وحدة الدين لمنحها القليل من التعاطف بعد ذبحها. ولم يأت حتى على ذكرها في تقريره؛ فما كانت لتستحق البقاء في  ذاكرتة العرقية الأنيقة.. وظل حبشوش رفيق رحلته التي ماكانت لتؤتي أية ثمرة لولاه( ما مجموعه 685 نقشا سبئيا )، مجرد ” دليل يهودي استأجره مع أتان من أجل الذهاب إلى مشرق اليمن” ليس أكثر من ذلك. مشيراً بعدها إلى عدة أدلاء اصطحبهم تحت مسمى” دليل عربي” وبخصال مشينة  دائما ” أحمق، جشع، سئ النية، سئ السمعة… الخ”. وكان عاثر الحظ_ كما أظهر _ مع كل دليل اصطحبه في رحلته ” التي قام بها مجازفا خلالها بحياته في مناطق متوحشة لم تطأها قدم أوروبي.”؛  هذا ما أعلنه نصا في تقريره الواقعي وما اعتقده مخفياً لاح مابين السطور مصرحاً بحجم الإجهاد و الضغط النفسي الذي عاناه في محاولة التأقلم مع أخوة له في الدين بمدخرات جينية لا تطاق( لون، وحجم عظام، و ملامح شديدة الخصوصية شَكَّلها القَات ودخان الأركيلة ).

وقد انطوى على هذا معذباً من شدة الطرق المتلاحق الهدام لحائط وهم متوارث ممنهج التكريس والاستغلال؛ وهو ذات ما أعماه ربما عن رؤية مجانبة الدقة الواجبة في كتابة تقرير رسمي يظل يلفه الغموض بخصوص الدليل اليهودي الذي استاجره في( صنعاء )لأجل القسم الأهم من الرحلة.. إذ ما الذي حل به؟.. وكيف أنتهى به الأمر وحيداً بالأصل وبدليل مستأجر كلما عنت له الحاجة. هذا ماكان يتوجب على( مسيو هاليفي )بيانه بأي تخريجة يختلقها فقط لضمان تماسك تقريره الرسمي. أما الحقيقة فقد كشفها حبشوش للتاريخ، وهي أنه اصطحب هاليفي حتى نهاية الرحلة مورداً كافة تفصيلاتها المجملة في تقرير هاليفي؛ ممايدعو إلى ترجيح صحة روايته. وبأنه من قام في الحقيقة بجمع النقوش جاهداً متجشماً عناء المخاطرة و آب أخيراً بمرارة جحود “معلمه” ونكثه بوعوده وسطوه على مجهوده بما صار إلى الآن يعرف( بمجموعة هاليفي ). الأمر الذي هجس به مرتاباً الرحالة والمستشرق النمساوي( إدوارد غلازير )_ بحسب تصوري  _ومن ثم جاء طلبه من حبشوش وبإلحاح كتابة أحداث هذه الرحلة بالعربية و العبرية.

 والخلاصة، هي أنني خرجت بعد الانتهاء من قراءة الرواية بإجابات شافية ومنحاز اً إلى خياراتها بكونها الأنسب تأثيراً لنماء روح السرد و الجو العام لفكرته الرئيسة وتفريعاتها المتصلة بقضية سعيدة. وتحديداً تشخيصها الإبداعي للطرف المقابل لسعيدة في الصراع متمثلاً في النظام الإجتماعي القاهر لها من حيث هي أنثى فحسب، وسطوته على كافة محيطها بمن فيهم أخر شخص رمتها به الأقدار ( المسلم عبدالرحيم  منصوري ).

وأخيراً، يُلاحظ على الرواية الطابع الواقعي الملموس تفصيلاً في الأحداث والشخوص كما وردت في المصادر، وقد اقتبست الرواية منها الكثير. ولعل الكاتب قد أراد بذلك نزع شبهة تبنيه وجهات نظر خارج الموضوعية أو على هامشها. وهو في غنى عن هذا باعتقادي، إذ من المؤكد أن الكاتب قد وقف على النصوص الأصلية مقارنةً وتحليلاً ليتبيَّن_ دون مزيد فطنة _مكبوت انزعاج المستشرق  الفرنسي من دليله اليمني من كل ما هو عليه وتحديداً من تلك المعتبرة محددات عميقة للهوية؛ كانسجام أحاسيسه لمرأى و رائحة  “مَـشْــقُّــر” مؤتلف من نباتات عطرية تنبع ألفتها من جذر شجرة الأصول ومن انتشاء سماعه لأنغام لا تأتلف إلا لذائقة من وحي الأرض و مزاج إنسانها. أنغام ملأت روح حبشوش تهللاً حينها وفاضت رونقاً في مفاصل فروعه الــ( תֵּימָנִים تيمانيم )وإن متنكرة _ لقلق مستبد وأزمة متراكمة _( بموسيقى البحر المتوسط ).

……………

* رؤية اليمن بين حبشوش وهاليفي، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، الطبعة الأولى، 1992_1412.

  – رؤيا اليمن، حاييم بن يحيا بن سالم الفتيحي حبشوش، 1311ه_1893م، نقلته إلى العربية وحققته سامية نعيم صنبر.

– تقرير حول بعثة أثرية إلى ، قدمه جوزيف هاليفي ، ترجمه منير عربش.

كاتب وأكاديمي/ اليمن

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here