د. محمد خليل مصلح: حماس والتحديات الاستراتيجية الضاغطة

 د. محمد خليل مصلح

لا يخفى على احد ان المقاومة وحركة حماس في مواجهة اعاصير من الضغط في سبيل دمجها في الاطار والنسق السياسي للنظام العربي ، مطلوب من حماس اليوم الا تغرد خارج سرب النظام العربي وان تبقى تحت السقف العربي والإقليمي بعدما قبلت بقواعد اللعبة على قاعدة شراكة المصالح في المنطقة بين جميع الاطراف بما فيهم الدولة العبرية؛ والتي تشكل تهديدا وضغطا ثقيلا على الحركة والمقاومة بحالة اللاحرب واللاسلم والحصار وضرب العلاقة بين المقاومة والبيئة الحاضنة في القطاع ، فما يجرى الان في الساحة في ظل التحركات السياسية يندرج في اطار نظرية التدحرج بآلية الدفع الامريكية في المنطقة ونظرية الابتزاز السياسي التي تجيدها الدبلوماسية الامريكية بالتوافق مع مصالح وتطلعات الدولة العبرية في المنطقة الدمج والتعايش  والتنسيق الامني والرضوخ العربي للابتزاز الامريكي والهرولة للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، فالعضوية في النادي السياسي الاقليمي والقبول بك كعضو تابع لابد ان تقبل بشروط العضوية التي بوابتها الاعتراف السياسي بالدولة العبرية زد عليها في إطار الاستدراج ؛ الاستدراج الصهيوني بالاعتراف بيهودية الدولة العبرية، حماس اختطت لنفسها من البداية مواجهة التوجه والخط على اسس وقواعد وطنية وعقائدية كمن اراد ان يشق البحر بعصاه ، وليس في ذلك خطأ  بل كنا بحاجة الى هذا الخط والطريق ، ولكن لم تكن قيادة حماس على كفاءة وخبرة كافية لوضع تقدير استراتيجي واتخاذ قرارات مناسبة مرحليا ان لم يكن استراتيجيا بشكل دقيق وخبير بالبيئة الاقليمة والعلاقات والتحالفات في اطار الامن القومي والسياسي والاقتصادي المرتبط بالنفوذ الامريكي الصهيوني .

قوة الجذب الاقليمية والدولية تزايدت ، مع اننا لا نغفل التطور الطفيف في الموقف الاوروبي ، لكنه سيبقى ينجذب لوليدها الكيان السياسي الاسرائيلي ،  وبذلك وجدت حماس نفسها تمارس معركة ذات ابعاد متعددة على كل الساحات لبناء العلاقات والتحالفات مع عديد من الدول التي لا تعترف بالحركة التي هي خارج اطار منظمة التحرير الفلسطينية وهذا تطلب من الحركة الاسلامية خاصة حماس لكسب الاعتراف بها وبناء التحالفات المناسبة التفاوض والتنازل عن برنامجها او اجراء التعديلات على ميثاقها لتجنب هدف القضاء على اسرائيل وعدم الاعتراف بوجودها التي يعتبر شرط دول للقبول بها على المسرح الاقليمي والدولي او لتمهيد الطريق امامها للدخول الى منظمة التحرير الفلسطينية، وهكذا حماس استدرجت وبدت وكأنها تستطيع ان تمارس الحكم في في قطاع غزة وتحارب الكيان ولا تتفاوض معه وتدير معركة مع السلطة الفلسطينية لفرض شرعيتها خارج اطار منظمة التحرير حتى يتم اصلاح المنظمة. السؤال هل استطاعت حماس ان توازن ادارة الصراع مع الاحتلال والتنافس مع السلطة؟.

 لا يبدو هذا تحقق بل حماس تبحث عن مخرج للازمة للخروج من عنق الزجاجة بل ان لم تعيد تقييم استراتيجياتها وخططها التنفيذية للمشروع الوطني ستدفع ثمنا كبيرا وباهظا تفقد فيه مبرر وجودها ومصداقيتها كثورة ومنظمة تحرر خالفت فصائل منظمة التحرير ورأت فيها في لحظة ما لا تعمل لصالح القضية الفلسطينية لدرجة التخوين.

البحث عن خطوة او نقطة رجعة آمنة وقابلة للانطلاق منها وتصحيح اوضاعها الداخلية والخارجية وسوف ترتكب خطأ فادحا اذا بقيت تغلق عينيها عن الفشل الذريع الذي لا تريد القيادة السياسية الاعتراف به، والتسليم بفشلها المرحلي في حماية المشروع الوطني بالحفاظ على وحدته، بل سوف تتحمل المسؤولية التاريخية عن تمرير أي صفقة مشبوهة يجري تسويقها اليوم ويخشى ان تجد نفسها في دوامتها القاتلة.

تصدعات اليمين الاسرائيلي

وفي المقابل تشهد الساحة الاسرائيلية الداخلية صراعات في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات؛ الليكود يشهد صراع خفي على الرئاسة سوف تعكس نفسها قريبا جدا في حالة فشل نتنياهو تشكيل حكومته على كل المركبات السياسية اليمينية بالذات وسف تنتقل الى الطرف الاخر المعارضة في نظري لن تجد الشخصية والزعامة التي تستطيع القيام بترميم العقد الاجتماعي داخل المجتمع الصهيوني، و تصحيح العلاقة بين المؤسسة الامنية والسياسية كما كانت في السابق، لاتخاذ القرارات لمصلحة امن الدولة وليس احزابها وكتلها السياسية؛  ليوازن بين مصالح الكيان وتياراته دون يخدم اليمين الاسرائيلي الحاكم  على حساب هوية الكيان السلطات القضائية والتنفيذية والإعلام.

غزة واليمين الصهيوني

لن يتحمل نتنياهو الضغوطات والابتزاز من الكتل اليمينية فهو بحاجة شخصية اكثر منها حزبية لتشكيل الحكومة وقواعد اللعبة اختلف بالتأكيد؛ ولا استبعد ان ينجح بتشكيلها لكنها ستكون على حساب قطاع غزة والمقاومة ؛ المواجهة التي قد تضع كل السيناريوهات على الطاولة من كل الاطراف الكيان الاسرائيلي المحتل وفصائل المقاومة؛ ما تتبدل بها وجهات النظر بأن تصبح المصلحة والمخرج في المواجهة الطريق للهروب من الازمات وتجاوز العقد التي لم تحل على مدار حكم حماس لقطاع غزة بل زادت في التعقيدات الداخلية والضغوطات على الطرفين لحسم المعركة.

نسمع اصواتا كثيرة وتقديرات وتحليلات لا تستبعد اعادة احتلال غزة مع استبعادي لهذا السيناريو لكن في النهاية ان كان هذا هو الحل للكيان واليمن الصهيوني سوف يدفع بهذا الاتجاه لصناعة الازمات للهروب الى الامام وإشغال العالم والمنطقة بالواقع الجديد وتجاوز سيناريوهات الحلول السياسية القائمة على حل الدولتين المرفوضة من اليمين الصهيوني والرجوع الى المربع الاول لصيرورة الصراع في المنطقة.

يبقى السؤال الملح ما هو المطلوب من حماس؟

الاستمرار حتى النهاية والاستمرار اللعبة بحسب وجهة النظر المصرية الغير موثوقة؛ بل فيها الكثير من الشك والريبة من الغرض منها؛ فالمصالح المشتركة بين الكيان الصهيوني ومصر تتجاوز مصالح حماس وبقائها في الحكم؛ النظام المصري يستخدم حماس لإخضاع محمود عباس لإعادة محمد دحلان لفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ حصان طروادة لاختراق الحالة السياسية وسيطرة مصر على كل قواعد اللعبة؛ حتى اذا تخلت مصر عن المصالحة كما ذكر الاعلام لا يعني مصر انها تخلت عن دورها كلاعب في المنطقة بل قد تكون المسألة اكثر خطورة من قبل؛ بالتعويل على تطبيع حماس واستدراجها كشريك في اللعبة وتمرير ما يسمى صفقة القرن وفصل غزة عن الضفة والتهام الضفة ارضاء لليمين الصهيوني وهي الورقة الاخرى في الابتزاز من قيبل اليمين الصهيوني لنتنياهو لتشكيل الحكومة .

ليس من المنطق ان نقلب الأمور؛ بأن تصبح الغايات وسائل وآليات او العكس ؛ فيجب ان لا نقع في هذا الخطأ الاستراتيجي ، المطلب الاستراتيجي الان اضعاف وإضعاف السلطة في آن واحد وبنفس القدر لفرض السيطرة عليهما متفرقين حماس والسلطة الفلسطينية ، حتى يقبلا بالاملاءات السياسية والتعايش مع المناخ السياسي للنظام العربي والمصالح المشتركة المعقودة مع الدولة العبرية وصفقة القرن والمتغيرات والقبول بالقرارات الامريكية المتعلقة بالقضايا الجوهرية القدس واللاجئين والجولان تحت السيادة الإسرائيلية.

الغريب ان كثير ممن لهم علاقة باتخاذ القرار تحذر من الفراغ السياسي الذي ستولده عملية عسكرية لقطاع غزة بسيناريو يقوم على الاحتلال طويل المدى وما سيكلف ذلك الدولة من ثمن سياسي و مادي يطال الارواح او يزيد من شعبية حماس او يدفع المقاومة الى استراتيجية الضغط على الجبهة الداخلية للدولة العبرية ، لكن الابعد من ذلك انها تعمد الى استغلال ضعف الوضع السياسي لجماعة ابو مازن لمزيد من الابتزاز للتنازل والانخراط للعمل في اطار التصورات الاسرائيلية والأمريكية لعملية السلام او ما يسمى” انهاء النزاع ” بين الاطراف في المنطقة .

هل المطلوب من حماس الانتحار السياسي؟

هذا يتوقف على رؤية حماس للوضع الذي وضعت نفسها فيه بعد المشاركة في الحكم وموازنتها للربح والخسارة بعد اثنى عشر عاما تقريبا من ممارسة الحكم كأمر واقع لقطاع غزة؛ على ان تميز بين ذلك والانتحار الاخلاقي والفكري والمشروع الوطني؛ لاشك انها في وضع لا تحسد عليها وهي امام خيارات وسيناريوهات صعبة وهي تبحث عن ملاذات وطرق اخرى لتجاوز الانتحار السياسي؛ بالعودة الى فكرة الفراغ السياسي ومربع المقاومة وعدم التنازل عن السلاح والضغط على الاحتلال؛ ما يعني قلب الطاولة والهروب الى الامام.

 يبقى السؤال كيف ستتعامل حماس مع المرحلة للخروج من ازمتها المختلفة الاوجه في مواجهة استراتيجية اليمين الصهيوني ؟

اكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here