د. محمد خليل الموسى: ملاحظات حول بعض المسائل المتعلقة بقرار المحكمة الدستورية الأردنية رقم 2 لسنة 2019 الخاص باتفاقية استيراد الغاز من كيان الاحتلال

د. محمد خليل الموسى

أثار الاتفاق المعقود بين شركة الكهرباء الوطنية المملوكة بالكامل من الحكومة الأردنية و شركة (نوبل إنيرجي) الخاصة بإستيراد الغاز من كيان الاحتلال و قرار المحكمة الدستورية الأردنية رقم 2 سنة 2019 المتعلق بالاتفاقية، عاصفة من الخلافات القانونية و السياسية. ففي قرارها التفسيري المذكور، أكدت المحكمة الدستورية على أن اتفاقية استيراد الغاز لا يحتاج نفاذها إلى موافقة مجلس الأمة لأن “الاتفاقيات التي تبرمها الدولة مع أي شخص طبيعي أو معنوي لا تخضع لأحكام القانون الدولي، ولا تبرم من خلال رئيس الدولة، و لا يتوقف نفاذ مفعولها على موافقة مجلس الأمة، و تمارسها الدولة كجزء من نشاطها الإداري، و تخضع لأحكام قوانينها الداخلية و الشروط الواردة فيها” و أضافت المحكمة : ” و حيث أن المطلوب تفسيره، هو بيان فيما إذا كانت الاتفاقيات التي تبرمها شركات مملوكة بالكامل للحكومة مع شركات أخرى، تدخل في مفهوم الاتفاقيات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة (33) من الدستور الأردني”. و خلصت المحكمة أن اتفاقية استيراد الغاز لا تدخل ضمن مفهوم الاتفاقيات الوارد في المادة (33/2) من الدستور لأنها ليست معقودة بين حكومات دول؛ فهي اتفاقية عقدتها شركة مملوكة للحكومة بالكامل مع شركة أخرى و لا يحتاج نفاذها إلى موافقة مجلس الأمة عليها.

واضح تماما أن المحكمة الدستورية في قرارها الفسيري المذكور تبنت مقاربة شكلية و تقليدية إزاء مفهوم المعاهدات و الاتفاقيات الدولية، و أخذت بتفسير حرفي ضيق لا يأخذ بالحسبان مقاصد و غايات المادة (33/2) من الدستور. لذلك سنعمد إلى تحليل القرار المذكور في ضوء التطورات الحديثة التي تعتري القانون الدولي العرفي إزاء مفهوم المعاهدة الدولية و أهلية عقدها. كما سنتناول رقابة القضاء الداخلي على مشروعية الاتفاقيات و العقود التي تخالف قواعد دولية آمرة ، و مسؤولية الدولة عن أعمال سلطاتها الثلاث المخالفة للقانون الدولي أو التي تتضمن مخالفات جسيم لقواعد دولية آمرة، و دور أولويات الدول في قوانينها الداخلية في النظام القانوني الدولي.

القرار يرسي ممارسة تخالف مقاصد المادة (33/2) من الدستور الأردني

تكشف الممارسة الدولية المعاصرة عن حقيقة أن الدول باتت تسعى بوجه عام إلى تجنب أسلوب المعاهدات الدولية بمعناها المستقر في قانون المعاهدات في علاقاتها مع بعضها و الاستعاضة عنه بأسلوب العقود، ذلك أن إبرام العقود الدولية أيسر من إبرام المعاهدات الدولية و إدارتها اليومية أقل تعقيداً. فالمعاهدة الدولية تستوجب في السواد الأعظم من الدول موافقة برلماناتها عليها و القيام بإجراءات للمصادقة عليها. كما يتعين نشرها في الجريدة الرسمية. فضلاً عن أن تعديلها يخضع لشكليات و إجراءات محددة، و يتوجب تسجيلها لدى الأمانة العامة في الأمم المتحدة. بينما العقود العادية لا تخضع لتلك الشكليات و الإجراءات القانونية. لا يجب أن يستنتج القارئ من ذلك أن العقود الدولية، رغم استبعادها من نطاق قانون المعاهدات الدولية، لا يمكن أن تخضع لبعض المبادئ القانونية الواردة في قانون المعاهدات. فقد يجري تطبيق تلك المبادئ في بعض الحالات بالنظر لطبيعة أطراف تلك العقود دون أن يعني ذلك أنها معاهدات دولية. على أي حال، الغاية من لجوء الدول إلى أسلوب العقود و تفضيله على أسلوب المعاهدات الدولية تتمثل أساساً في التهرب من الرقابة البرلمانية على بعض الاتفاقات التي تقوم بعقدها.

الواقع أن إبرام اتفاقية الغاز بصورة عقد بين شركتين الغاية الأساسية منه تجنب رقابة مجلس الأمة الأردني عليها، و الحيلولة دون إعمال نص المادة (33/2) من الدستور الأردني بشأنها و أن لاتكون عرضة لرقابة الرأي العام. فالأردن في هذا الجانب لا يختلف عن غيره من الدول التي أضحت تسلك هذا المسلك. من جانب آخر، الغاية الأساسية للمادة (33/2) من الدستور  هي إخضاع المعاهدات التي ستعقدها السلطة التنفيذية إلى رقابة البرلمان عندما تتعلق تلك المعاهدات و الاتفاقات بموضوعات حساسة أو تندرج  ابتداء، وفقاً للدستورالأردني ،  ضمن اختصاصات السلطة التشريعية. فلا تستغل السلطة التنفيذية صلاحياتها بإبرام معاهدات و اتفاقات بصورة تخل بتلك المسائل الحيوية أو بمسائل تندرج ابتداء ضمن اختصاصات البرلمان. فالمادة (33/2) من الدستور واضحة في إقرارها حالتين لمجلس الأمة فيها ممارسة رقابة برلمانية على صلاحية السلطة التنفيذية في عقد المعاهدات الدولية و التي يمارسها الملك حسب المادة (33/1) من الدستور الأردني أو من يفوضه بموجب وثيقة تفويض كاملة. و حيث أن اتفاقية استيراد الغاز بحكم طبيعتها و موضوعها تندرج ضمن أحد الاستثنائين الواردين في المادة (33/2) من الدستور، اختارت الحكومة الأردنية عقدها على شكل عقد لا معاهدة دولية للحيلولة دون إخضاعها لرقابة مجلس الأمة.

الواقع أن القرار التفسيري ربما يعزز لجوء الحكومة الأردنية مستقبلاً إلى الإكثار من إبرام اتفاقات على شكل عقود عوضاً عن عقد معاهدات دولية للتحلل من مقتضيات نص المادة (33/2) من الدستور. الأمر الذي يعني عملياً أنه يذهب باتجاه مخالف لغايات المادة (33/2) و مقاصدها. فضلاً عن أنه ينطوي على تفسير حرفي و شكلي لنص المادة (33/2) لا يتفق و مقاصدها و الغايات المرجوة منها لأن من شأنه أن يجيز للسلطة التنفيذية التهرب من الرقابة البرلمانية حيثما شاءت من خلال إبرام اتفاقات على شكل عقود لا معاهدات دولية.

يتيح هذا القرار للحكومة الأردنية أن تتوارى خلف شركات و اتفاقات – عقود في علاقات تعاقدية تمس بحقوق الأردنيين أو تحمل الخزينة شيئاً من النفقات دون أن تخضع لموافقة مجلس الأمة.

لا شك أن المحكمة الدستورية في الأردن هي حامية الحقوق الدستورية، و هي الجهاز الأساسي المنوط به الحفاظ على دولة القانون و سيادة الدستور. و هي بتلك الصفة قد تستعين بتفسير مقاصدي و تطوري بغية النهوض بتلك المهمة الجليلة. لذلك من المستحسن أن يجري النظر في الأثر النافع لقراراتها التفسيرية و في فعاليتها في تحقيق مقاصد الأحكام الدستورية .  و من غير المتصور قانوناً أن يفضي التفسير الحرفي الضيق لأحكام الدستور إلى الأثر النافع ؛  فذلك لا يتحقق إلا من خلال تفسير مقاصدي منظور ينظر إلى التطورات التي اعترت دلالات الألفاظ لحظة التفسير و ليس لحظة إقرار النص. فعندما يشترط القانون الدولي لخضوع اتفاق ما لأحكام قانون المعاهدات الدولية أن يكون مبرماً بين أشخاص دوليين فإن المقصود من ذلك تحديد الاتفاقات التي تعد معاهدات و اتفاقات دولية و التي تخضع لقانون المعاهدات الدولية. فالشرط هذا يقصد به تحديد النطاق الموضوعي لقانون المعاهدات الدولية و لا صلة له بتحديد دلالة مصطلح “اتفاقية” في الأحكام الدستورية الداخلية. فالقانون الدولي يشترط لخضوع اتفاق ما لأحكام قانون المعاهدات الدولية أن يعقد بين شخصين من أشخاص القانون الدولي أو أكثر. و هو شرط دولي لا داخلي. لذلك ليس هناك ما يمنع من تفسير لفظ “الاتفاقية” لأغراض دستورية داخلية بصورة أوسع من تعريفها في القانون الدولي. فلو جرى إدخال العقود الدولية ضمن مفهوم الاتفاقات و الاتفاقيات الوارد في الدستور فإن ذلك لا يعني أنها أضحت معاهدات دولية تخضع للقانون الدولي، فالهدف ليس تقديم تفسير للفظ الاتفاقيات الوارد  في الدستور بل تحديد نطاق فعال للرقابة البرلمانية على الاتفاقيات التي تعقدها الدولة و أن لا تتمكن الحكومة من التحلل من ذلك النطاق الفعال للرقابة من خلال تفسيرات ضيقة.

لا غرو أن المحكمة الدستورية لم تكن ملزمة بتعريف المعاهدات و الاتفاقيات الدولية المعمول بها في القانون الدولي لتحديد نطاق المادة (33/2) من الدستور، و ليس هناك قانوناً ما يمنعها من توسيعه لضمان التطبيق الفعال لهذه المادة الدستورية و لمقاصدها. و بالطبع قيامها بذلك لن يؤثر مطلقاً على مفهوم المعاهدة الدولية في القانون الدولي و لن يجعل من العقود الدولية معاهدات دولية تخضع للقانون  الدولي. فاتفاقية الغاز لو شملتها المحكمة الدستورية ضمن لفظ “الاتفاقيات” الواردة في المادة (33/2) من الدستور فإن ذلك لن يجعل منها معاهدة دولية في القانون الدولي لكنه سيضمن تحقيق الغايات و المقاصد المرجوة من وراء المادة (33/2) من الدستور. من جهة أخرى، ثمة تطورات كبيرة في القانون الدولي المعاصر تتعلق بأهلية أشخاص القانون الدولي في عقد معاهدات دولية تذهب إلى حد ما في اتجاه مخالف للاتجاه التقليدي الذي تبنته المحكمة الدستورية  في قرارها التفسيري.

الممارسة الدولية المعاصرة تقر بأهلية كيانات أخرى من غير الدول في عقد المعاهدات الدولية

تذهب الممارسة الدولية المعاصرة إزاء أهلية عقد المعاهدات و الاتفاقيات الدولية إلى الأخذ بمفهوم أوسع بكثير من ذلك الذي اعتمدته المحكمة الدستورية  في قرارها التفسيري الخاص باتفاقية استيراد الغاز،ذلك أنها أضحت تعترف بتلك الأهلية، و إن بدرجة محدودة، لكيانات أخرى من غير الدول بما في ذلك أشخاص معنوية خاصة. فالمادة (3) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تنص صراحة على أن عدم انطباقها على الاتفاقات التي تعقد مع كيانات من غير الدول لا يؤثر على القيمة القانونية لتلك الاتفاقات بصفتها معاهدات دولية. فالممارسة المعاصرة أضحت تقر بدرجة ما بأهلية أشخاص معنوية عادية في عقد معاهدات و اتفاقيات مع الدول.  فعلى سبيل المثال، عقدت سيراليون اتفاقا للسلام مع الجبهة الثورية المتحدة بتاريخ 10/11/2000. كما عقدت حكومة نيبال بتاريخ 21/11/2006 اتفاقاً مع الحزب الشيوعي النيبالي . و في كلتا الحالتين، اعتبر الاتفاق معاهدة دولية على أساس أن نية أطرافه اتجهت لإحداث أثر قانوني يخضع للقانون الدولي و يهدف إلى تطبيق قاعدة قانونية دولية هي تحريم استخدام القوة. و من الاتفاقات الأخرى المعقودة بين دول و كيانات أخرى الاتفاق المعقودة بين حكومة أوغندا و حركة مقاومة “لوردز” في عام 2007 الذي ينص على عدد من الالتزامات التي تقيد سلطة الحكومة الأوغندية من قبيل وجوب احترام مبدأ المشاركة في الحكم و مبادئ الديمقراطية، و قيام الحكومة باعتماد تدابير تفضيلية مؤقتة لصالح جماعات محرومة أو مستضعفة و تحريم الاحتجازالتعسفي و احترام المساواة أما القانون. هذا الاتفاق اعتبر هو الآخر معاهدة دولية لأنه يتعلق بتطبيق مبادئ مستقرة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

ليس المقصود من الإشارة إلى هذه الأمثلة القول أن توصيف المحكمة الدستورية في الأردن لاتفاقية استيراد الغاز بأنها عقد لا معاهدة أو اتفاقية دولية هو توصيف خاطئ، بل المقصود من وراء ذلك هو أن المحكمة الدستورية لم تأخذ بالاعتبار في قرارها التفسيري هذا الاتجاه المعاصر في الممارسة الدولية الذي يجيز أحياناً اعتبار اتفاقات معقودة بين دول و كيانات من غير الدول اتفاقيات دولية بالنظر لكون آثارها تخضع للقانون الدولي. و هنا يحق لنا أن نتساءل أليس استيراد غاز من أراضٍ خاضعة للاحتلال يتعارض مع حق الشعوب في تقرير المصير؛ و مع مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، و مبدأ السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية و مبدأ عدم جواز تقديم العون لأية دولة لإدامة إخلالها بقاعدة دولية آمرة أو الإبقاء عليه؟ فاتفاقية استيراد الغاز ليست مجرد عقد عادي، لكنها تتعلق بجوانب كثيرة يحكمها القانون الدولي و لها آثار واضحة على العديد من المسائل و المبادئ المتعلقة بالقانون الدولي. ما يستدعي عدم النظر إليها من خلال مقاربة شكلية دون اعتبار لمضمونها و آثارها ذات الصلة بالقانون الدولي.

أما فيما يتعلق بالطبيعة القانونية بتصرفات شركة الكهرباء الوطنية المملوكة بالكامل للحكومة الأردنية، فليس يسيراً القول بأن جميع تصرفاتها تخضع للقانون الداخلي و أنها جميعها تصرفات عادية لا تنسب إلى الدولة الأردنية بموجب القانون الدولي، خاصة و أن المواد الخاصة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2001 تنص في المادة الخامسة على: “يعتبر فعلاً صادراً عن الدولة بمقتضى القانون الدولي تصرف شخص أو كيان لا يشكل جهازاً من أجهزة الدولة بمقتضى المادة (4)، و لكن يخوله قانون تلك الدولة صلاحية ممارسة بعض اختصاصات السلطة الحكومية، بشرط أن يكون الشخص أو الكيان قد تصرف بهذه الصفة في الحالة المعنية”. فاستيراد الغاز من جانب شركة الكهرباء الوطنية من كيان الاحتلال عبر شركة (نوبل انيرجي) ليس تصرفاً عادياً خاضعاً للقانون الداخلي لكنه تصرف ينسب إلى الدولة الأردنية و تتحمل ما ينشأ عنه من مسؤولية دولية جراء إخلاله بعدد من الالتزامات الدولية. و لو لم تأخذ المحكمة الدستورية بمقاربة شكلية و ضيقة لأتاحت الفرصة للبرلمان الأردني، إن رأى ذلك، أن يصحح ذلك التصرف الذي ينطوي على إخلال بعدد من مبادئ القانون الدولي و قواعده الآمرة.

أليس من حق المحكمة الدستورية أن تراقب مشروعية الاتفاقات الدولية و الداخلية؟

ثمة اتجاه حديث في الممارسة الدولية و الفقه القانوني يكرس فكرة رقابة القضاء الداخلي على مشروعية الاتفاقات جميعها سواء أكانت معاهدات دولية أم عقوداً بموجب القانون الدولي، و بالذات الرقابة على توافقها القواعد الآمرة.

لن أخوض في هذه المقام في مفهوم القواعد الآمرة في القانون الدولي و كيفية تحديدها. لكنني أود التأكيد إلى أن القضاء الداخلي في دول كثيرة شرع في الرقابة على صحة سائر الاتفاقات سواء أكانت معاهدات واتفاقيات دولية أم عقوداً عادية في ضوء القواعد الدولية الآمرة. و من المعروف أن قاعدة تحريم استخدام القوة، و تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، و حق الشعوب في تقرير المصير و سيادة الشعوب على مواردها الدائمة و عدم جواز تقديم العون للإبقاء على أوضاع تخل بقواعد دولية آمرة هي جميعها قواعد آمرة. فهناك إجماع في الفقه القانوني على أن القواعد التي ذكرتها هي قواعد آمرة في القانون الدولي و أن الاتفاقات جميعها المخالفة لها سواء أكانت معاهدات و اتفاقيات أم عقوداً تبطل لعدم مشروعية محلها.

تتعارض اتفاقية استيراد الغاز مع القواعد الآمرة المذكورة، و هي بمثابة تصرف من شأنه أن يديم آثاراً ناشئة عن إخلال تلك القواعد من جانب كيان الاحتلال خلافاً لمواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، و بالذات المادة (41/1). ربما يقول قائل إن السؤال الذي وجّه إلى المحكمة الدستورية  محدد النطاق و هو يقتصر على تفسير لفظ “الاتفاقيات” في المادة (33/2) من الدستور و هل يشمل اتفاقاً معقوداً بين شركة مملوكة بالكامل من الحكومة الأردنية و شركة (نوبل انيرجي)؟ و أنها لا تملك أن تتجاوز تلك المسألة في قرارها التفسيري الخاص باتفاقية استيراد الغاز لأن اختصاصها يقتصر على تفسير مسألة محددة بالذات هي تلك المحددة بالسؤال الموجّه إليها؟هذا السؤال لا أملك الإجابة عليه و أتركه لأساتذة القانون الدستوري و فقهائه، لكنني لجهة القانون الدولي أستطيع أن أؤكد أن هذه المسألة تعد من النظام العام و قد دأب القضاء الداخلي أياً كانت طبيعته على إثارتها من تلقاء نفسه منعاً لقيام مسؤولية دولته في القانون الدولي و لأن القضاء أحد الهيئات التابعة للدولة التي يتعين عليها حماية النظام العام الدولي قواعده الآمرة.

فكرة المجموعة التعاهدية و اتفاقية استيراد الغاز

من الجوانب التي كنا نأمل أن تعالجها المحكمة الدستورية في قرارها التفسيري الخاص باتفاقية استيراد الغاز مسألة مدى توافر فكرة المجموعة التعاهدية بشأن اتفاقية استيراد الغاز و هي تناظر فكرة المجموعة العقدية في القانون المدني. تقوم هذه الفكرة باختصار على وجود مجموعة من المعاهدات الدولية التي يختلف أطرافها لكنها مترابطة معاً برابطة موضوعية مشتركة تتمثل بوحدة المحل أو الغاية المشتركة. لو طبقنا هذه الفكرة على اتفاقية استيراد الغاز، فسيكون هناك اتفاق معقود بين شركة تابعة للحكومة الأردنية وشركة أجنبية موضوعه استيراد غاز من مناطق خاضعة للاحتلال إلى الأردن. و حتماً هناك اتفاق آخر بين تلك الشركة الأجنبية و حكومة كيان الاحتلال بتزويدها بالكميات اللازمة من الغاز لتتمكن من تنفيذها اتفاقها المعقود مع شركة الكهرباء الأردنية المملوكة بالكامل من الحكومة الأردنية.فاتفاقية استيراد الغاز المعقودة مع الأردن لا يجوز النظر إليها قانوناً كاتفاقية فردية قائمة لوحدها بين شركتين أردنية و أجنبية، بل يتعين النظر إليها كمجموعة تعاهدية تضم كذلك على الأقل الاتفاق المعقود بين شركة (نوبل انبرجي) وحكومة الاحتلال، و ذلك لوجود رابطة موضوعية بين الاتفاقين تتمثل بالمحل و هو الغاز الذي يسيطر عليه كيان الاحتلال. تلك الرابطة كافية لقيام علاقة تعاهدية بين الحكومة الأردنية و حكومة كيان الاحتلال لأن كلاً منهما التزم بأحد الاتفاقين المذكورين مع شركة (نوبل انيرجي) و ارتضى إطاراً تنظيمياً و قانونياً مشتركاً يتعلق بموضوع بالذات و هو بيع و شراء الغاز الواقع تحت سيطرة حكومة الاحتلال. و هما بذلك أعلنتا من الناحية الفعلية؛ و لو بشكل ضمني، أن المجموعة التعاهدية تلك ستحكم سلوكهما بشأن استيراد وتوريد الغاز. ما يدعم وجهة النظر هذه أن القانون الدولي في الأساس ليس قانوناً شكلياً، فأي قبول مادي لالتزام دولي مهما كان شكله كاف لقيام علاقات تعاهدية. و في الحالة التي نحن بصددها وافقت حكومتا الأردن و كيان الاحتلال على الالتزام بالتزامات متماثلة واردة في اتفاقين مختلفين يجمعها وحدة المحل والغرض. لذلك من المتصور قانوناً القول بوجود اتفاق تبعي على شكل معاهدة دولية شفوية مبسطة بين الأردن و كيان الاحتلال. من ناحيتي لا أكاد أجزم بصورة قاطعة برأيي هذا، مع أن الفقه القانوني الدولي والداخلي يعترف بإمكانيته ، لكن ما أستطيع يقيناً التأكيد عليه هو أن هذه المسألة المهمة لم يتناولها القرار التفسيري الخاص باتفاقية استيراد الغاز، وهي حتماً مسألة تستحق النظر و التحليل في ضوء الاتجاهات القانونية الدولية و المقارنة المعاصرة بما فيها تلك التي تدعو إلى أن للأولويات القانونية الوطنية أثرا مادياً على مصادر القانون الدولي المعاصر.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here