د. محمد خليل الموسى: كورونا ونهاية الاستعمارية الإنسانوية

 

 

د. محمد خليل الموسى

العالم اليوم مضطرب. ثمة هلع من كورونا. أزمة عالمية بامتياز تخوضها البشرية. رأسمالية متوحشة تدير الأزمة وفقاً لمصالحها وأولوياتها الاقتصادية. غرب متعالٍ، يأسره إحساسه العنصري بالتفوق . وبالمقابل، شرق ليس ناشئاً ولا مستحدثاً كما يدعي المركز الرأسمالي، بل هو شرق ضارب في الحضارة . معركة الحاضر مع كورونا ليست مجرد صراع ضد وباء. ولا هي حرب ضد فايروس . هي معركة الإنسانية من أجل استعادة الإنسان . منذ عقود ثلاثة أو أكثر، شاعت في العالم مقولات وممارسات مناهضة للإنسان . فمن تنميط سلوكي فج إلى قوالب نمطية في السلوك والتفكير. سيطر على العالم ” المعولم” النموذج الليبرالي ، وباتت النيوليبرالية تقوده على أساس أنها نهاية التاريخ ومآل الحضارة . فتحول الإنسان إلى شيء، فقد قيمته وإنسانيته كلياً . بات كل مرتجاه أن يحظى بقسط وافر من المال ومتع الحياة . إنسانيته تقاس بقدرته على الاستهلاك . للأسف سقط الإنسان في براثن الإمبراطورية الاستعمارية الغربية ، وانتزعت منه قيم الوطنية ، والوفاء الانساني ، وتعالي الإنسان وسمو روحه . وكما قيل لم يعد ثمة مساحة لروح إنسانية في عصر الاستهلاك وصراع شركات المال على حظوة المستهلكين.

منذ عقود والانسان في سائر أرجاء المعمورة مستلب، مخطوف . ليبرالية متوحشة أرهقته. دمرت حياته . استعمرت بصيرته وذهنه . أضحى العلم الطبيعي المسخر لخدمة الاستعمار ولتنميط البشر هو المعتقد الأول والأخير للبشر . زاد إيمانهم بالغرب . تحول المركز الإمبراطوري للعالم إلى وثن يقدسه الجميع . تبوأ المركز مكانة إلهية. تغلغل في أوردتنا. تماهينا معه، قدسناه. بتنا نحرص عليه أكثر من حرصه على ذاته . لم نعد قادرين على العيش دون أن نلج بابه وهو طاعون أسود كما قال محمود درويش. على أي حال، كورونا عرّى هذا الطاعون ، وكشف زيف ووهم نظريات ومقولات سادت منذ عقود ثلاثة من الزمن : العالم قرية واحدة . التنمية الاقتصادية أساسها النظام الليبرالي واتباع مناهجه . سعادة الانسان يجلبها استهلاك السلع وماديات العيش. العلم والطب والصدق في الغرب لا في سواه. الإعلام والتواصل الاجتماعي زاد الوعي لدى البشر ورفع حسهم بالعالم . وها هي معركة كورونا تكشف هشاشة النظام الرأسمالي المعولم في التعامل مع الأوبئة ، على العكس من الدول التي تتبع أو اتبعت نمطاً اشتراكياً أو اجتماعيا. معركة كورونا إذا هي معركة الإنسان لاستعادة هويته . وهي معركة ذات أبعاد متعددة . وسيكون لها آثار بعيدة ، وستفضي إلى تحولات في ميادين ومجالات شتى.

حداثة باسم الإنسان وضده

من الشعارات الأساسية التي نادت بها الحداثة الغربية احترام الإنسان وحماية حقوقه وحرياته الأساسية . وقد نهض مشروع الحداثة الغربي في الأساس لتحرير الإنسان من سائر أوجه السيطرة ، والهيمنة والإضطهاد مهما كانت طبيعتها أو مصدرها . أي أنها جاءت لأنسنة الحياة السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية والدينية . واللافت للنظر أن الحداثة الغربية ، وإن أزالت قيود السيطرة والهيمنة التي كانت سائدة إبان بلورتها ، وهي قيود تقليدية بالطبع ، ربما تكون ساهمت في إخضاع الإنسان والسيطرة عليه . فهي بزيادتها لوتائر العلمنة الشاملة – على حد تعبير المسيري – وما رافقها من تقدم تقني هائل، بالتزامن مع سلخها للقيم المرجعية وتكريس نسبية الحقيقة وإحلال الانسان محل القيم المتعالية ، مهدت السبيل إلى إيجاد وسائل حديثة لإخضاع البشر والسيطرة عليهم. ففي عصر الحداثة ، وفي مهدها ارتكبت المجازر والفظائع . وعلى يدي الدول المنادية بها تمت إبادة الملايين من البشر حتى أضحت الإبادة مترافقة مع الحداثة . فباسم الإنسان عملت الحداثة على تدمير الإنسان .

لقد قامت الحداثة بمفهومها الغربي ، ولنكن أكثر دقة بصورتها الغربية ، بنزع القداسة القيمية عن الحياة الإنسانية ، وأطلقت العنان للشركات التقنية ولمؤسسات المال والأعمال في المجتمع . ثم انتقلت من التجارة الداخلية إلى العالمية . وسعت إلى السيطرة على المعمورة . وأضحى السوق والتكنولوجيا هما عماد الحياة المعاصرة . السياسة في خدمة المال . البشر أداة في سبيل الاستهلالك ومراكمة الأرباح، سيان أكان مصدر المال مشروعاً أم لا ، متأتياً من اتجار بالبشر أو من دعارة أو من مخدرات فلا قيمة إلا له . وسادت نظرية الإنسان الأعلى ، والصراع للبقاء والانتخاب الطبيعي.

ألم يترافق النمط الغربي للحداثة مع توسع الاستعمار ، ونشوء إمبراطوريات ما وراء البحار ( إسبانيا والبرتغال ، هولندا، بريطانيا، فرنسا والولايات المتحدة )؟ بلى وقد تزامن معه استعمار ثقافي ، ومعرفي وعقلي بل حسي وذوقي لسائر الشعوب والمجتمعات . وحروب ، وإبادات ، وقتل وتدمير. إفقار ، واستغلال وتجويع . فالكل لا شيء والأقوى ، الأعلى والسوبر إنسان هو الوحيد الذي من حقه أن يهنأ بعيشه .

هي حداثة بنكهة غربية. ضجيجها إنساني وتنويري وحقيقتها الدمار . وإذا استعرضنا تاريخ الكثير من النظريات الغربية الحداثية لوجدناها صدى للتوسع الإمبريالي الغربي التجاري ليس أكثر.  فباسم الإنسان مارست الحداثة الغربية إهلاكاً للإنسان . لقد كشف وباء كورونا عن هذا الوجه المظلم والقبيح للحداثة بصورتها الغربية ، الأولوية للمال لا للبشر . وليمت الملايين – كما ذكر رئيس وزراء بريطانيا ببرود – لقاء بقاء الأفضل والأقوى .

ثمة قبول غريب لإبادة البشر بالفايروس حفاظاً على الصالح الإقتصادي ومؤسسات الأعمال. ثمة إزالة كلية للقناع عن وجه الحداثة بنمطها الغربي. ففي وجه رئيس وزراء بريطانيا، كان كل من داروين، ونيتشة وهوبز واضحين تماماً. فلا عزاء إلا للأصلح والأقوى . لكن هل الأصلح في زمن كورونا هو من يعتقد أنه الأقوى. قليل من التواضع مطلوب لتدقيق النظر في واقع الحال بعد كورونا .

وداعاً لليبرالية المتوحشة وللإمبريالية الإنسانوية

منذ عقود بات العالم لا يعرف سوى مفردات نمطية محددة هي :” الليبرالية، قوانين السوق، الخصخصة ، الحوكمة ، العالم قرية واحدة ، والعالم الافتراضي العابر للحدود “، الحلول الابتكارية والاستشراف.  وبالنتيجة ، نشأ اعتقاد لدى الجموع أن النمط أو الفهم الغربي لليبرالية ، وعولمة العالم وفقاً للنموذج الغربي وما صاحبها من ضجيج حول الإنسانوية ، ونهاية التاريخ ، وتعظيم القوة كمحور للكون  النموذج الذي ينبغي اتباعه من سائر البشر. وقد كشفت أزمة كورونا أن الليبرالية ليست أكثر وهم وأن العالمية الإنسانوية هي دعوى تحديثية زائفة لنمذجة العالم بطريقة تتيح السيطرة عليه واستعماره .

طبعاً يجب أن لا يفهم القارئ أننا لا نؤمن بحقوق الإنسان وحرياته الإنسانية وكرامته . لا بل إننا نعتقد أنها ( أي الحقوق والحريات الأساسية) هي الركيزة الأهم لقيام المجتمعات والدول وبناء الإنسان الحر. ولكن المقصود هنا تحديداً أن الليبرالية وفقاً للنموذج القائم على فكرة السوق، والرسملة وحكم الشركات وانحسار دور الدولة الاجتماعي ليست أكثر من مزاعم مزيفة لاستعمار الإنسان أينما كان لصالح الشركات الكبرى والمتواطئين معها . والأخطر من هذا كله أن الليبرالية ترافقت مع أمرين أثنين هما : تطبيق نظريات النمذجة والتنميط السلوكي والذهني بصورة واسعة خدمة لتحقيق أهداف الإمبراطورية الراعية لليبرالية الغربية.  وتغليف ذلك التنميط بطابع إنسانوي عالمي بما يشي أن تلك النمذجة أساسها وحدة الكائن البشري وأنها تستهدف احترام حقوقه حرياته الأساسية. وليس خافياً أن من شأن الإنسانوية العالمية أن تعزز من درجات التنميط والنمذجة وقبولها لدى الآخر، بالذات الذين يملكون ثقافة مغايرة للتقافة الغربية المغرقة في المادية والاستهلاك .

كشف كورونا بجلاء عن هشاشة المجتمعات الليبرالية و” الملبرلة” ، وأزاح الستار عن عوراتها ، وعيوبها ونقائصها. لقد دخلت تلك المجتمعات ( أقصد هنا الليبرالية بالأصالة والملبرلة بالتبعية مثل الدول التي يطلق عليها زوراً بالدول الحديثة المعتدلة ) في صراع وتنازع مجتمعي لتجميع السلع ، ومراكمة البضائع في منازلها . سابقة الزمن لمراكمة أقصى قدر من مستلزماتها. في أوج أزمة إنسانية تستدعي التضامن الإنساني بين سائر البشر، انخرط الليبراليون و”الملبرلون” و”المؤمركون ” في عملية شراء للسلع والبضائع إعمالا لمبدأ ” الخلاص الفردي” أو لمقولة” أنا ومن ورائي الطوفان”.  فعن أية إنسانوية عالمية يتحدثون؟ وعن أية مجتمعات ديمقراطية يثرثرون؟ ألم يجعلون من الفردانية أداة لتخريب الإنسان؟ ألم يحورون الليبرالية إلى أداة إجرائية لتدمير الإنسان حيثما كان؟ ألم تصبح الإنسانوية العالمية رمزاً للأنانية الفردية وانغماس الفرد بالمتع والاستهلاك ؟ لا ريب أن طوابير المصطفين أمام المراكز التجارية تتضمن إجابة قاطعة لا تقبل أي تأويل آخر . إنها طوابير الهلع والخوف. طوابير فقدان الثقة بالمؤسسات العامة في بلدان توصف بأنها ديمقراطية . طوابير انعدام الاحساس بالتضامن الاجتماعي . طوابير العلمنة الشاملة وتشيئ الإنسان. وهي طوابير انعدام الثقة بالمجموع وغياب قيم الجماعة لحساب فردانية فجة .

إذا في بؤرة ومركز الليبرالية، وتحرير السوق وحكم الشركات انعدم لدى الإنسان إحساسه بأن جزء من مجموع سواء أكان مجموع إنساني أم جماعة إقليمية منظمة سياسياً ومؤسسياً .وذلك علامة على فشل الليبرالية الغربية المعولمة ، وتساقط مفاهيم ونظريات سادت فكرنا وحياتنا منذ عقود عن أهمية تحرير السوق، ووجوب إحلال الشركات محل الدول وتسليع الخدمات العامة الأساسية للبشر .

انحسار العولمة وعودة الحدود

منذ ثلاثة عقود تقريباً ، وربما أكثر قليلاً ، قام المركز الإمبريالي بتدويل النطاق التجاري والاقتصادي لعمل شركاته . واستغل ما أتاحته له التكنولوجيا للنفاذ إلى داخل الدولة الوطنية لتدويل أسواقه وشركاته . سخر المركز الإمبريالي كل أدواته الإعلامية ، والتقنية ، والعلمية ، والعسكرية والسياسية لتفكيك الدولة الوطنية وإعادة تركيبها بما يضمن سيطرة شركاته وهياكله على الدول ، بل بما يكفل احتلال عقول الناس داخل الدولة واستعمارها ، واستلابها وتوجيهها صوب أغراضه الإمبريالية . العولمة هي أعلى مراحل الإمبريالية . والإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية. العولمة إمبراطورية عالمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى . سعت لتخريب الدولة الوطنية وتحطيم دور القطاع العام. قامت بعملية خصخصة غير مسبوقة . سيطرت على غذاء الناس ، وتعليمهم وطبابتهم . عممت سلوكيات الاستهلاك ، واليقين بحتميات ومسبقات ذهنية تنتمي إلى الليبرالية المتوحشة. عملت على إنهاء دور الدولة – الاجتماعية لحساب الدولة – الشركة .فما الذي تبقى بعد ذلك في زمن كورونا ؟!

لقد لاحظنا أن الدول سارعت إلى إغلاق حدودها. استعادت أدوات  القطاع العام وتدخله. وباشرت في فرض سيطرتها على القطاعات الصحية ، والتمويلية والاقتصادية . غابت الشركات كلياً. وذلك أمر طبيعي لأنها ليست قادرة ولا مؤهلة لمواجهة الأزمات وللقيام بأدوار إنسانية؛ فهي تستهدف الربح . بنيانها وأدوات عملها كلها مصممة ومكرسة لتلك الغاية . وإذا صح القول فإن أيديولوجيتها الرأسمالية لا مكان فيها للإنسان إلا كأداة استهلاك . على أي حال، تبنت الدول في سبيل مواجهة وباء كورونا سياسات كانت توصف قبل عقدين من الزمن أنها سياسات تدخلية، وتتعارض مع آليات السوق وتناقض العولمة . ضخت المليارات ضماناً لاقتصادها، أعلنت قوانين الدفاع لضبط السوق ، ولتأمين السلع والرقابة على أسعارها وإتاحتها للجميع . أضحى الاعتماد كله في مجال تقديم الرعاية الطبية معتمداً على المرافق الصحية والطبية العامة . فالقطاع الخاص الطبي ليس مؤهلاً من ناحية التجهيز والامكانات للتعامل مع هذه الحالات ، فهو قطاع تمتلكه الشركات منذ عقود ، وقامت ببنائه وفق غايات ربحية محددة . هو قطاع للتجميل ، وترميم الأسنان ، وتنظيف البشرة والتنحيف والحفاظ على الرشاقة. وفي زمن الكورونا ، أصبح الأمر واضحاً جداً أن حياة الإنسان لا يكفلها القطاع الخاص . وأن كرامته ليست رهناً باستهلاكه . وأن حقوقه وكيانيته لا تتحقق في ظل الدولة – الشركة ، ولا في ظل عولمة متوحشة بل في سياق الدولة – الاجتماعية . وأضحى من المقطوع به أن الدولة ضامن حقيقي لحقوق البشر ، ولكرامتهم ولوجودهم الآمن والمستقر. وما مقولات تحرير الأسواق ، وخصخصة المرافق العامة ، والإلتجاء لآليات السوق والوثوق بالشركات العالمية على حساب الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي كلها إلا مجرد ادعاءات تخالف الواقع ، وتحمل من الزيف والوهم أضعاف من ما تتضمنه من الصواب .

لاريب أن أزمة كورونا قدمت تجربة عملية واضحة لزيف العولمة وكل ما ارتبط بها من نظريات ، واتجاهات ، وبرامج ، وخطط وسياسات . وشاهد العالم كله كيف أن دول الفلسفة الاجتماعية صمدت أضعاف دول الأيديولوجيا الليبرالية . وكيف أن الشركات العالمية وأدوات العولمة  لم تقدم مايستحق، بل إنها لم تقدم شيئاً، في اللحظات المفصلية من حياة المجتمعات والبشر.  فضلاً على أنها عرّت هشاشة النظم الاجتماعية والاقتصادية للدول الغربية الرأسمالية عند موازنتها بالدول التي حافظت على حد أدنى من الفلسفة الاجتماعية . لقد بات معلوماً للجميع هشاشة الدولة – الشركة ، واستحالة الوثوق بها سواء على المستوى الوطني أم العابر لحدود الدول. فحتى في زمن الأزمات والشدائد لا تقوى على اتخاذ قررات وتدابير قد تضر بمصالح الشركات ورأس المال . الدولة – الشركة دولة لا توفر حماية ، ولا تضمن عيشاً ولا تقيم وزناً لإنسان . هي دولة تتاجر ، وتقامر بالإنسان طلباً للربح وربما تقامر فيه وتتخلى عنه من أجل مراكمة المنافع المادية والاتجار . هي دولة بلا قيم .

كورونا: معركة الإنسان في مواجهة ” اللاقيم”

اقترن مشروع الحداثة بصيغته الغربية الرأسمالية بالعلمانية الشاملة – وفقاً لتعبير المسيري- وبإحلال العقل المادي محل القيم . وقد كان لذلك تداعيات كبيرة على الفكر، والأسرة، والعلاقات الاجتماعية والسياسية  والقانون . فانتقلنا من منظومات اجتماعية وسياسية كانت ترتكز على مرجعات قيمية متعالية إلى مرجعيات مادية ونفعية محضة . فأضحى الإنسان وسيلة لا غاية. لم يعد للقيم المتعالية من قبيل الوطنية ، الكرامة ، حب الآخرين، التضامن ، السلام، المساواة والأخوة الإنسانية أية دلالة بالنسبة للإنسان المعلمن علمنة شاملة . واستبدل تلك الشعارات والقيم الإنسانية والسلوكية بمفاهيم مختلفة تماماً تتمركز حول الربحية ، ومراكمة رأس المال والايمان المطلق بقدرات العلم وبتأويلاته الغربية وبدور الشركات والمبادرة الفردية . والأخطر من ذلك كله أن التراضي والرغبة أصبحا هما القيمة الأساسية الحاكمة للسلوك الاجتماعي والمعياري ، وجرى توجيه تلك القيمة وربطها بالاستهلاك ، والمتع المادية والنفع الاقتصادي. هي حالة من التوحش سادت النظرية الليبرالية بكل ملامحها ومكوناتها سواء على الصعيد الاجتماعي أم السياسي أم الاقتصادي.  رافقها حالة غريبة من الانهمام بالغرب، بل لنقل من توثين الغرب ومعارفه ، وطرائق عيشه وأنماط تفكيره. شرع كثير من الأمم والشعوب بالتخلي عن موروثها القيمي، والفكري والاجتماعي واعتماد  تلك المهيمنة على حياة المجتمعات الغربية ، بل جعلتها أساساً معيارياً للحكم على تحضر الناس ولتقييم السلوك .

 لم تصمد نمطية معيشة الغرب في مواجهة أزمة وباء كورونا ، وتساقطت كثير من الأفكار ، والنظريات والمفاهيم التي شاعت منذ العقود الأخيرة . لقد أماطت أزمة كورونا عن حجم التوحش والأنانية لدى الدول الغربية الكبرى. وما هجومها الشرس على اللقاح ضد كورونا  الذي أعلنت عنه روسيا إلا الدليل على ذلك.  إلى جانب عجزها عن التعامل مع الوباء وهشاشة بنيانها الاجتماعي ، والصحي ، والاقتصادي . لكن الأهم من تلك الهشاشة ، الأنانية التي أبدتها تلك الدول تجاه إيطاليا وإسبانيا وهما من الدول الغربية. علاوة على إبقائهم على عقوبات جائرة ولا إنسانية على دول منكوبة بكورونا أو يفيدها ضجيج تلك الدول الغربية قبل أزمة كورونا عن التضامن الأوروبي، والأخوة الإنسانية و القرية الكونية الواحدة بينت أنه ليس أكثر من قرقعة كريهة في أطباق فارغة . وربما جعلتنا أزمة هذا الوباء أقرب إلى جيوسياسية إنسانية .

عودة الإنسان وجيوسياسية تضامنية

الدارس لتاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي يلاحظ بيسر أن الإمبراطورية ، وبالأخص في العالم الغربي ، مارست دوراً كبيراً في تشكيل تلك العلاقات وذلك القانون بصورة لا إنسانية رغم أنها زينتها بالكثير من الشعارات الإنسانية.  ثمة فرق جوهري بين الدعائية الإنسانوية والممارسة الإنسانية. الأولى لا تسعى فعلاً إلى حماية كرامة الإنسان وكفالتها بل إلى إاخاذ الإنسان شعاراً لبلوغ مرام وأهداف خاصة . أما الثانية ، فإنها تتخذ الإنسان غاية سامية وتشحذ كل أنشطتها لصالحه ولا تجعل منه شعاراً براقاً لترويج أيدلوجيتها المتوحشة بطلاء براق ، على أي حال ، من المتوقع ، والمأمول كذلك ، أن يتخلى العالم عن الكثير من النظم والأفكار الرأسمالية . لا شك أن العالم بعد كورونا سيشهد تحولات كبيرة اقتصادية ، وفلسفية ، واجتماعية وجيوسياسية . ستتغير خرائط النفوذ. ستتبدل التحالفات والموازين. والأدق ربما أن جزءاً كبيراً مما كان يطلق عليه مصطلح ” مناطق نفوذ” سيتحول إلى” مناطق تضامن “.

لا أقول أن الوئام والسلام سيعم العالم بعد كورونا. هذا قول غير صحيح ولا يؤيده لاشواهد التاريخ ولا واقع الحياة البشرية . ولكن العالم بعد كورونا سيصحو من الحلم الغربي. سيستيقظ حتماً على حالة ” اللاقيم” وما خلفته الأمبراطورية الأمريكية من آثار مخيفة ووخيمة على المجتمعات . وما لحق بالإنسان من عسف  وظلم جراء ممارسات تلك الأمبراطورية باسم العولمة واللبرنة.  حتماً ستتآكل مناطق نفوذ تلك الامبراطورية. ومن المؤكد أن التاريخ سيسجل أن لحظة كورونا كانت مؤذنة بانحسار تلك الامبراطورية وبتغير الخارطة الجيوسياسية في العالم. والسؤال المحوري الذي يطرحه المرء هنا هو كيف ستكون الخرائط الجيوسياسية بعد انتهاء أزمة كورونا؟ من المبكر جداً الإجابة على هذا السؤال ولكن الواضح أن تحولات كبيرة قادمة . وهي تحولات ستشمل سائر المجالات والميادين . والثابت كذلك أن توحش الامبراطورية الأمريكية والمنظومات الاقليمية والمحلية المرتبطة بها تحت شعار ” دعه يعمل دعه يمر” بات مكروهاً لدى شعوب العالم. وقد لمس العالم لا انسانيته وضعفه أخلاقياً وانسانياً. فإذا كان التنبؤ بشكل تلك التحولات الكبرى ليس يسيراً  وإذا كانت تداعيات أزمة كورونا ستستغرق وقتاً ليس بالقليل ، فإن الثابت أن التحولات الجيوسياسية ستكون أكثر إنسانية وقد تكرس شكلاً من التضامن الإنساني افتقدناه منذ أمد طويل مع شيوع اللبرنة والعولمة كأدوات لامبراطورية متوحشة يأمل الجميع بأفولها . وهو أفول أصبح الآن حتمي  وغير مأسوف عليه لأن العالم يتطلع فعلاً لجيوسياسية إنسانية لا جيوسياسية هوبزية مخيفة .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. تحليل عميق وشامل لما تمر به الانسانية من تحديات. آمل ان تكون ازمة الكورونا بمثابة جرس انذار للعالم ليستعيد انسانيته من جديد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here