د. محمد خليل الموسى: “إعلان بلفور” ومستقبل القضية الفلسطينية. ما أشبه اليوم بالغد!

 

 

 

د. محمد خليل الموسى

إن فكرة توطين اليهود في فلسطين، وإحلالهم محل شعبها وإقامة “وطن قومي” لهم فيما يسمى بـ ” أرض إسرائيل” ليست من النتائج التي ترتبت على ” إعلان بلفور”، ولكنها كانت سابقة عليها بزمن طويل، وكل ما قام به الإعلان هو تحويلها إلى اقتراح واقعي وساهم في وضعها موضع التطبيق. ففي بداية العام 1840، أشار أنتوني أشلي كوبر (المعروف باللورد شافتزبري)  إلى وجوب إعادة اليهود إلى فلسطين وإنشاء وطن لهم فيها . كما أنه أكد على أهمية وجود “شعب عبري” بين مسيحيين في مقالات عديدة، وشدد على أن اللحظة قد حانت لأن تنهض المسيحية البروتستانتية بواجبها تجاه الشعب اليهودي.

وخلال القرن التاسع ، كانت بريطانيا تدعم بصورة قوية الرؤية الصهيونية المتعلقة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، وذلك أن الحكومة البريطانية كانت تعتقد بأن إقامة دولة يهودية عازلة في الوطن العربي ستعود عليها بالنفع الكبير ، وخاصة لحماية مصالحها الاستعمارية في المنطقة . علاوة على أن الجمهور البريطاني ذاته كان مؤيداً لتلك الفكرة بسبب الإرث المسيحي، وبالذات الوعد التوراتي المتعلق بعودة اليهود إلى أرضهم الموعودة. وهنا يكمن وجه الشبه بين الدعم البريطاني في حينه لليهود وللحركة الصهيونية وبين الدعم الأمريكي الحالي للكيان الصهيوني. ويبدو أن “وعد ترامب” بشأن القدس تقف وراءه أسباب مشابهة لتلك التي دفعت بريطانيا إلى إصدار ” إعلان بلفور” المؤيد لإقامة كيان يهودي في فلسطين. وفي الحالتين، كان للثقافة الصهيونية دور كبير، فهذه الثقافة لعبت دوراً كبيراً في إصدار “إعلان بلفور”.

تأثير الثقافة الصهيونية على ” إعلان بلفور”

لقد كان للفكرة الصهيونية أثر واضح على الحكومة البريطانية حين إصدارها لإعلان بلفور. ومن بين أعضاء تلك الحكومة المناصرين للصهيونية ( مارك سايكس) الذي كان يدافع عن الإمبرياليين ومؤمناً بعظمة بريطانيا وبدورها الحضاري. وقد كان كذلك أحد أعضاء لجنة ( دو بيونسن ) التي كانت معنية بدراسة مصالح بريطانيا في الإمبراطورية العثمانية والمرحلة التالية لها بعد تفككها. وقد أوصى (سايكس) بأن تكون فلسطين منطقة مدولة وعازلة بعد الحرب ، وأن ذلك هو أفضل ضمانة لمصالح بريطانيا الاستعمارية . وفي عام 1916، تفاوض (سايكس) مع (بيكو) وأبرما اتفاقاً بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام منطقتين : واحدة فرنسية وأخرى بريطانية ، وذلك في المنطقة التي تشمل كلاً من سوريا ، وبلاد الرافدين و  فلسطين “المدولة” .

وقد تبنى (سايكس) في العام ذاته ، وعلى أثر اطلاعه على مذكرة قدمها ( هربرت صموئيل) إلى الحكومة البريطانية في شباط /1916 ، فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين متأثراً بالثقافة الصهيونية . وطلب هو ذاته من ( هربرت صموئيل) أن يرتب له لقاءً مع مجموعة لندن الصهيونية . والتقى ب (جاستر) وهو أحد أكبر الداعمين للفكرة الصهيونية حينذاك. وأضحى ( جاستر) مصدر المعلومات الأساسي لسايكس بشأن أهداف الحركة الصهيونية وتطلعاتها . وقد قام ( جاستر) بتحديد تلك الأهداف لسايكس على النحو الآتي: إقامة حكم ذاتي محلي في فلسطين ، والممارسة الحرة للحقوق المدنية ، وحماية أموال اليهود وممتلكاتهم والاعتراف بمحمية أو بمقاطعة يهودية ليعيش فيها اليهود بسلام.

وفي كانون ثاني/1917 أشار (جاستر) إلى ( سايكس) بأنه يمكن تحقيق تطلعات الحركة الصهيونية إذا جرى الاعتراف باليهود كوحدة قومية  لها صلاحية الحكم الذاتي أسوة بباقي الكيانات أو الوحدات القومية . وأن يكون لها حرية إنماء طريقة حياتها الخاصة. وبالفعل لاقت هذه الفكرة إعجاب ( سايكس)، وبات يدافع عن الوحدة القومية لليهود ، وعمل حثيثاً على إدراجها في ” إعلان بلفور” ، وبالذات عندما شدد على أن الهدف الأساسي للحركة الصهيونية ليس إقامة أي شكل من أشكال الدولة في فلسطين ، بل الاندماج في اتحاد فيدرالي مع الوحدات القومية الأخرى في فلسطين.

وفي 28/1/1917 ، قام ( هربرت صموئيل) بتقديم ( سايكس ) إلى ( وايزمان) وعرّفه عليه ، واتفقا على أن تقوم مجموعة من القادة الصهيونيين بإعداد مسودة بأهداف الحركة الصهيونية ، وبالفعل أرسلت تلك المسودة إلى ( سايكس) بصورتها النهائية في 1/2/1917 ، وبتوجيه من (سايكس) ، تم بعد أشهر إعداد مشروع يتعلق بعلاقة اليهود بفلسطين عرف لاحقاً بـ ” إعلان بلفور” أو ” وعد بلفور” .

دور الحركة الصهيونية في إعداد نص ” إعلان بلفور”

التقى (سايكس) بتاريخ 7/2/1917 بمجموعة لندن الصهيونية بغية توجيه اللجنة التي جرى الاتفاق عليها بينه وبن ( وايزمان) لإعداد مسودة ” إعلان بلفور” بعد تلقيه المسودة الثانية لأهداف الحركة الصهيونية . وقد ضمت اللجنة قادة صهيونيين أبرزهم : والتر روتشيلد ، أحاد حام ، سوكولوف، وايزمان، هربرت صموئيل وهربرت نبتويش. واختلف أعضاء اللجنة حول المرجو تحقيقه لليهود في فلسطين ، فمنهم مَنْ دعم فكرة إقامة دولة يهودية ومنهم من دافع عن إنشاء وحدة قومية تتمتع بالحكم الذاتي.

في المسودتين الأولى والثانية لإعلان بلفور، جرى التأكيد على أن بريطانيا تقبل ” إعادة بناء فلسطين” كوطن قومي للشعب اليهودي، وأنها ستبذل قصارى جهدها لضمان بلوغ هذه الغاية . أما في المسودة الثالثة ، فقد أقرت الحكومة البريطانية بأنها ستوفر كل فرصة لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين . وستناقش أي اقتراح حول ذلك ستقدمه المنظمات الصهيونية إليها.

أما المسودة الخامسة المؤرخة بتاريخ 31/10/1917، فإنها تشبه بشكل كبير المسودة الرابعة مع تغيير طفيف هو استبدال مصطلح ” العرق اليهودي” بـ ” الشعب اليهودي”. وبصرف النظر عن غموض عبارة ” الحقوق المدنية والدينية ” التي جاءت في النص النهائي للإعلان، وعن دلالتها والمقصود بها ، فقد رأى فيها ( وايزمان) أنها توهن الإعلان، وتضعفه وتناقض غايته الأساسية . وعلى أي حال، فإن الإعلان تطور على أيدي قادة الحركة الصهيونية في حينه، وعكس الفكرة الصهيونية، وتطلعاتها ومراميها، ولكنه بالمقابل جاء غامضاً ويبدو أنه غموض ليس عشوائياً ولا عفوياً .

غموض مقصود وعبارات مفخخة

فسرت غالبية اليهود ” إعلان بلفور” على أساس الفكرة الصهيونية وأهدافها. بينما قام العرب بتفسيره بطريقة مختلفة. ويبدو أن البريطانيين قصدوا أن يكون نص ” إعلان بلفور” غامضاً وفضفاضاً مراعاة منهم لمصالحهم مع العرب، وهي مراعاة شكلية بالطبع ، وتشبه بالفعل العبارات الغامضة التي ضمنّها ( ترامب) في قراره المتعلق بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني حول وضع المدينة بصورة عامة . وهي عبارات هدفها الأكيد هو مراعاة المصالح الأمريكية في العالم العربي ليس أكثر.

وحتى هذا التاريخ، ليست هناك أية محاولة من جانب بريطانيا أو الصهاينة لتعريف “الإعلان” وتحليل معناه وتحديد دلالته بدقة وعمق. كما أنه ليس هناك إلى الآن أي تفسير متفق عليه . فالحكومة البريطانية وعدت ببذل غاية جهدها لتسهيل إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي  وليس إعادة بناء فلسطين كوطن لليهود كما جاء في المسودة الصهيونية الأصلية للإعلان. علاوة على أنه إعلان أو وعد سياسي وليس صكاً قانونياً. ولم يذكر كذلك أنه ستكون هناك بالنهاية أغلبية يهودية ودولة مستقلة لليهود في فلسطين .

وتجدر الإشارة إلى أن ( لويد جورج) و ( بلفور) أوضحا لاحقاً أنهما فهما هدف الحركة الصهيونية ودعماه من خلال تسهيل هجرة ضخمة لليهود إلى فلسطين كي يتسنى توفير أغلبية سكانية منهم تجعل تكوين أو إنشاء دولة يهودية أمراً ممكناً عملياً . أي أنهما قاما بتفسير “الإعلان” تفسيراً إحلالياً غايته استبدال شعبها الفلسطيني يسكان مستجلبين من أنحاء الأرض المختلفة وإن كانت العبارات والألفاظ المستخدمة فيه لا تشير إلى ذلك صراحة. وتدل المداولات والأعمال التحضيرية المتعلقة بإعلان بلفور أن الغموض في نصه كان أمراً مقصوداً ومستهدفاً، وهو غموض أفضى إلى تفسيرات مختلفة.

وأولى العبارات أو الألفاظ الغامضة هي عبارة ” وطن قومي”. فقد فهمها ( بن غوريون) على أنها تعني دولة على أساس أن كلمة (Nation) يجري فهمها داخل القارة الأوروبية بأنها دولة ( الدولة – الأمة) . وأن ” الوطن القومي” مرحلة ستؤدي لا محالة إلى دولة يهودية عندما يشكل اليهود أغلبية السكان . وهذا التفسير هو ما صرح به بلفور ، وأيده لويد جورج وهربرت صموئيل ووايزمان .

وهناك من فهمه على أنه لا يعني دولة بالضرورة، وأن التزام بريطانيا هو التزام ببذل العناية وليس التزاما بتحقيق نتيجة هي إقامة دولة، وأن هذه النتيجة رهن بالظروف والواقع وليست التزاما واقعاً على كاهل الحكومة البريطانية .

ومن العبارات الأخرى التي تتسم بالغموض عبارة ” في فلسطين” فهل تشمل فلسطين كلها أم جزءاً منها؟ وإذا كانت تقتصر على جزء منها، فما هو؟ وكيف نحدده؟ لقد اعترف الحلفاء بالإقليم المسمى “فلسطين ” في المادة (95) من اتفاقية سيفر لعام 1920 رغم عدم مصادقة تركيا على الاتفاقية ، ولكن تركيا أقرت به بمقتضى معاهدة لوزان التي صادقت عليها بتاريخ 24/7/1923 ، والتي تنازلت في المادة (16) منها عن الأقاليم التابعة لها ومنها فلسطين . إذا فلسطين كإقليم وكيان سياسي هي حقيقة قانونية صلبة، ولكن هل يقصد بإعلان بلفور إقامة دولة يهودية في كامل فلسطين أم في شطر منها؟ وهذا الفراغ كان مقصوداً، حتى يتم تحديد ذلك في ضوء المستجدات والتطورات.

بالإضافة إلى ما سبق، لا يعد إعلان بلفور اتفاقاً دولياً لأن الطرف الآخر والذي صدر له، وهو ( روتشيلد )، يفتقر للشخصية الدولية ، وهو ليس شخصاً قانونياً دولياً وإنما فرد عادي يتمتع بالثراء.

ومن النقاط القانونية الأخرى الجديرة بالانتباه أن فلسطين كانت عند صدور إعلان بلفور تحت السيادة التركية وليس البريطانية، وبريطانيا تعد بموجب القانون الدولي من ” الغير” وليس لها أن ترتب التزامات على فلسطين دون رضا صاحب السيادة عليها حينذاك وهي تركيا.

إعلان واهن ومتناقض

كما ذكر أعلاه ينطوي إعلان بلفور على عبارات غامضة، ولكنه يشتمل كذلك على عبارات متناقضة تجعل من تنفيذه أمراً مستحيلاً، وهذه التناقضات في الصياغة مردها إلى رغبة الحكومة البريطانية في إرضاء العرب واليهود في آن معاً.

من بين أبرز التناقضات التي يتضمنها الإعلان أن بلفور أشار إلى أن بريطانيا ستقوم “بتسهيل إقامة” وطن قومي للشعب اليهودي. فدور بريطانيا هو تيسير مهمة الشعب اليهودي في إقامة وطن له في فلسطين وليس أن تقوم هي بذاتها بذلك. والتسهيل يكون من خلال السماح باستيطان اليهود في أراضي فلسطين، وهو بالطبع أمر ينطوي على اعتداء على السيادة، خاصة وأنها التزمت بالتسهيل تجاه إقليم ليس تابعا لها.

ومن التناقضات الأخرى الإشارة إلى ” الوطن القومي” و”الحقوق المدنية لآخرين” فإذا كان أقطاب الحركة الصهيونية فهموا عبارة ” الوطن القومي” بأنها دولة، إلا أن هذا الفهم يتعارض مع احترام حقوق الآخرين المدنية ، ويتعارض كذلك مع حقهم في تقرير المصير على أراضيهم . علاوة على أنه جرى حذف عبارة ” الدولة اليهودية” من المسودات الأولى للإعلان واستبدلت بعبارة ” وطن قومي” .

أما بخصوص عبارة ” في فلسطين” فقد أشرنا أعلاه إلى الخلاف الذي وقع بشأن تفسيرها وتحديد دلالتها. وقد أوضحت الحكومة البريطانية، وهي صاحبة الحق في التفسير بالطبع، في الكتاب الأبيض الذي أصدرته في عام 1922 أنها لا تستهدف تحويل فلسطين برمتها إلى وطن قومي. وما يؤكد ذلك أن التعديلات التي طرأت على مسودات الإعلان تدل على أن نية واضعيه انصرفت إلى إقامة ” وطن قومي” في جزء من فلسطين. وأن الوعد الذي تضمنه الإعلان يتعلق بإيجاد مركز روحي وثقافي لجزء من الشعب اليهودي في جزء من فلسطين. وهو مؤشر على التناقض كذلك، إذ أدى الإعلان إلى إنشاء كيان سياسي وليس مجرد مركز روحي وثقافي. والأكثر غرابة أن الوعد المتعلق بإنشاء مركز روحي وثقافي يجب أن لا يمس ولا يضر بحقوق الفلسطينيين، وهو أمر كذبه الواقع .

وختاماً، ما الدرس المستفاد من إعلان بلفور؟ ثمة دروس كثيرة مستفادة ولكن الدرس الأهم الذي ينبغي الالتفات إليه هو أن الوعود والإعلانات بحد ذاتها ليست هي السبب وراء تحقيق ما كانت تصبو إليه، وأن ما يجري بلوغه أحياناً قد يتجاوز السقوف التي كان يحلم بها مطلقو الوعود، وذلك بسبب عدم وضوح الرؤية من جانب شعوبنا، وبسبب مواقف رسمية واهنة تجاه على أمتنا وقضيتنا الأولى وهي قضية فلسطين. فمستقبل فلسطين ليس رهنا بوعد يصدر عن رئيس دولة كبرى، ولا بما يحلم به ويخطط له المعسكر الإمبريالي، ولكنه بين يدي شعوبنا التي يجب أن تتمتع بوضوح الرؤية وأن تدافع بكل ما أوتيت من إمكانيات لإجهاض تلك الوعود ، والأماني والأحلام وأن تحولها إلى فرص حقيقية لتحرر إرادتها واسترداد حريتها.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here