د. محمد بريك: هل تُعيد (سيف القدس) المبادرة الاستراتيجية لحركات المقاومة الفلسطينية؟

 

د. محمد بريك

 

مشاهد الشباب المقدسي وهو يسد منافذ العدوان على ساحات المسجد القِبلي، وباب العمود والشيخ جراح، بأجساده وليس معه غير حفنات الحجر ونظرات التحدّي والرضا، كانت أكثر إيغالاً في صدورنا مما أحدثه بطش المحتل في رءوس وعيون المقدسيين وحرم الأقصى الشريف.

من ناحية، جيلنا الذي لا يكاد يفارق شبيبته إلا وانكسرت أحلامه في الثورة السياسية والتحرير واستعادة سيادة أمته، وأذهلته عن ذاته كل مرارات العقد الفائت وأُزكِمت أنفه من زيف الشعارات التي تحتال بالدين حينا والوطنية والقومية أخرى، وحتى النزاع البائس والبليد للفصائل الفلسطينية على مساقات السلطات الزائفة وتوفية جبايات المحاور الإقليمية التي انضوت فيها.. للقدس وحرمها الشريف-  بقبتيه الذهبية والرصاصية – داخله طهارةُ حلم للرباط والشهادة، وتبقى معشوقته الوفية.

ومن ناحية أخرى، يتفاقم شعور العجز عن هجرة الجسد إليها، الذي لم تكرسه أسوار الاحتلال المادية فقط، ولكن حواجز الاغتراب والنفي، وكذا منطق حساب السياسة والاستراتيجية. أجل. الشعور الجارف بكل مايعتمل في الصدور من أشواق وتوجُّع والذي هو مادة الديانة والصبابة لاينبغي له – بمقتضى التكليف والواجب – أن يحجزنا عن التفكير الاستراتيجي (البارد) الذي يضع الحوادث في حجمها الطبيعي تبعا لقيمتها في إحداث آثار سياسية، وتعويق أو تسهيل خيارات الاستراتيجية وخطوط العمليات في المهمة المقدسة للتحرير.

وهذا بالأخص معلوم في الأداء والتنظير الاستراتيجي العسكري، كما في الثالوث المقدس لكلاوزفيتس، أن ظاهرة الحرب تتشابك فيها ثلاث مساحات – العاطفة والنوازع المتفلتة والتي غالبا مايعبر عنها الشعب وإفناء الذات في معرض الاشتباك العسكري المباشر، ومواجهة المجهول والخطر والاستبسال النفسي وعبقرية الخيال أمامه والذي يتمثل غالبا في القيادة العسكرية العملياتية، ومساحة الحساب السياسي والاستراتيجي الذي يقصد إحداث درجة من التحكم والتوجيه على ماسبق لتحقيق النهايات المرجوة.

والناظر يجد أن نكبات أمتنا التاريخية والمعاصرة لم تكن نتاج ضعف هَمِّ شعوبها ونجدات أبطالها، ولكن فساد نخبها القائدة، وضمور قابليتها الاستراتيجية لتتعرف على مسارات القوة السياسية والعسكرية – وغيرها – وتديرها ضمن مسارات مرحلية وممتدة لفرض ماتريد!

أما المشكلة الأولى (فساد الأنظمة كإرادة وبنية) فليست مايشغلنا اللحظة، وإن كانت حرارة الوهج المقدسي في الأيام الفائتة، وأرتال الشهداء الذين يسقطون الآن في غزة وبهم أطفال، يمثل – بالنظر الموضوعي – أداة ضغط على النخب الفلسطينية وكذلك الأطراف العربية –والتي هي إما منسحبة وامتهنت العجز أو ارتمت بشكل فج في الحضن الإسرائيلي كالمطبعين الجدد – لتصحيح بعض خطابها إن لم يكن مواقفها (مثلا – خطاب وزير الخارجية المصرية مُثمّنٌ للغاية في هذا الشأن – لو يعقبه بعض الفعل!). ولكن المشكلة الثانية (الضمور الاستراتيجي) هي مانحاول مقاربتها هنا.. بمعنى: كيف يمكننا فهم ماحصل ويحصل ضمن السياق الاستراتيجي لإدارة الصراع مع إسرائيل – بالأخص من منظور المقاومة الفلسطينية؟

وكما أسلفنا في مقال سابق (اتفاق المصالحة والخرق البنيوي للحركة الوطنية الفلسطينية – تقويم استراتيجي)، فكلا الخيارين الذين يحكمان الحال الفلسطيني وصلا لحائط سد؛ سواء خيار التفاوض للدولتين ضمن سياق سلطة اسمية يسيطر المحتل على حيزها وتتبعه أمنيا، وخيار الانكفاء في إمارة غزة تحت الحصار والتعرض المستمر لحملات الإسرائيلي التي تقصد الابتزاز لترميم حاجز الردع، مع الفارق القِيمي بالتأكيد بين الخيارين. وأشرنا إلى أن ماقاد لهذا المأزق الاستراتيجي هو غياب جسد حقيقي للحركة الفلسطينية، فضلا عن أن تتطوّر معالم قابليته الاستراتيجية في البُنية المعرفية لفهم الصراع ومنطقه، والمأسسية (صنع بيئات اتخاذ قرار بشكل نقدي وشامل وديمقراطي، ويُمكن التوازن  فيها بين الخيارات السياسية والعسكرية، والتوظيف الاستراتيجي لخطوط العمليات والتكتكيك)، والتطبيقية (جودة الخيارات ذاتها والقدرة على تطبيقها ومراجعتها).

الخيار الأمثل يبقى دوما موجة يقظة جماعية لكل الفصائل لتتداعي للمراجعة والتصحيح وبناء ما هو مفتقد، وحينها فقط – كما أشرنا: ” يُمكن تطوير أهداف سياسية مرحلية، واستراتيجيات ترتكز على الوحدة والتكامل بين الضفة وغزة والخارج وداخل الخط الأخطر– مع التنويع والتوظيف لخطوط عمليات مُقاوِمة مسلحة وشعبية ونضال ديبلوماسي.. وحينها يُمكن إعادة تعريف حدود التحالف مع القوى الإقليمية والتعاطي معها على قاعدة أكثر استقلالية واستفادة للمشروع الوطني.” ولكن المقال كذلك ربما انحاز موضوعيا لخيار الحركة القائدة (حماس) ومركزية حركات المقاومة كبديل موضوعي يفرضه ضمور فتح وارتهان السلطة – بشرط تحول الأولى لحركة مقاومة صرفة عبر أنماط للتخفف من حِمل إدارة القطاع، والتحالف الاستراتيجي والعملياتي بمايتجاوز التخندق الفصائلي.

وفي تقديري – سواء تعرفت حركة المقاومة على كامل ماسبق أو فقط جُمَلٍ منه – فإن مساق الأحداث في أزمة القدس وماتلاها، قدّمَ فرصة كبيرة لنقلة نوعية يتم فيها تحقيق ماسبق من متطلبات لإحياء النضال الفلسطيني وتجاوز هذا المخنق الاستراتيجي، أو على الأقل شق لبنات أساسية فيها، وبشكل أهم –  استجلاء المخروط الاستراتيجي القادم، والتمرين على هذه النزعة الخاصة بالتوظيف الاستراتيجي لمسارات الاشتباك وتنويعاتها لتحقيق كلا من الأهداف المرحلية والاستراتيجية، وليس النزوع التلقائي للنهايات التكتيكية (بالأخص العسكرية) والمباشرة أوالاستغراق في دوامة الحدث (مهما يكن ارتباطنا عاطفيا ودينيا به كما أسلفنا). لأن ما حصل – سيتكرر، بالمعنى الإيجابي والسلبي.

ماذا حصل والمُهيئات الاستراتيجية:

الأزمة بدأت بتصاعد في الحملة الممنهجة لتهويد القدس (قضية أسر الشيخ جراح واقتراب عرضها على المحكمة العليا والتي أجلتها فيما بعد، وتحرشات المستوطنين)، تزامنا مع استعداد الجماعات اليمينية لإحياء يوم توحيد القدس (سقوط القدس الشرقية يونيو 1967) بما سيشمل الاعتداء على الحرم المقدسي. تبع ذلك اعتصام الشباب المقدسي وهجوم الشرطة الإسرائيلية وتدنيسها للمسجد القبلي، وإصابات بالغة عبر استخدام الرصاص المطاطي وقنابل الغاز والصوت. كل هذا مع خطاب سياسي تصعيدي لنتنياهو واستهجانه الأخرق لأي تقييد للبناء في القدس الشرقية (التي هي في منطق القانون الدولي أرض محتلة – حيث أنها خارج حصص الطرفين في قرار التقسيم 47، ثم شملها قرار 242 في 76). وكما هو واضح، فإن خلل الحساب ومتوالياته في التصعيد بالبقعة المقدسة أواخر رمضان وما فيه من تفجير مُحتّم للشعور الفلسطيني والديني العام، نتج عن محاولة نتنياهو الخروج من مأزقه الخاص بانهيار فرصة تشكيله الحكومة، وقضايا فساده الشخصي، ومحاولة توسعة قاعدة شعبية يمينية قد تفيد في الانتخابات الوشيكة غالبا.

وهذا درس استراتيجي مُهمّ، وهو تدخل الحسابات الخاصة في مدى التقدير الاستراتيجي السليم، وكيف أن هذا الخلل يستفيد منه الخصم لأن الحرب هي في أساسها مبارزة Duel. وكما في 2008-9 فإن حماس استفادت من وضع إسرائيل أهداف سياسية غير ممكنة التحقق عسكريا في وقت قصير بسبب المزايدة بين الثلاثي الحاكم حينها، بأكثر مما استفادت من المنتوج الاستراتيجي الإدمائي لنشاطها المسلح. وحين تعدّل هذا الخلل الإسرائيلي في 2014 بوضع هدف معقول (ترميم حاجز الردع) تقاصر حيز الإنجاز الغزاوي بالرغم من الطفرة النوعية في نشاط الصواريخ وعمليات الأنفاق والكوماندوز.

وهذا يقودنا لتوضيح منطق الحرب غير المتماثلة تلك ومفهوم الإنجاز بها لأنه حاكم على حديثنا الآتي.هذه الحرب لا ترتكز على محورية الانتصار العسكري–لأنه غير ضار استراتيجيا أو غير مُمكن عملياتيا– فلايمكن لإسرائيل هدم حركة مقاومة شعبية بالقوة المسلحة المفرطة بل على العكس يتم تكريسها غالبا كدرع للشعب الذي يزداد احتقانه وروحه الوطنية، وبالطبع فهو غير مُمكن كذلك أن تنتصر الحركة الأضعف في مواجهة دولة بجيش احترافي – خصوصا إذا تصاعد الصراع لنمط اشتباك عملياتي مباشر (أرض-جو)، أو تطور سياسيا لتهديد أهداف وجودية أو حيوية للقوة الأكبر (فقد تتخلى إسرائيل تحت الاستنزاف العسكري والبشري عن غزة في 2005، ولكن ليس عن الضفة فضلا عن القدس والجليل مثلا). لماذا؟

من منظور المقاومة، فإن المحصلة الاستراتيجية هي في التأثير على حسابات الربح والخسارة للقوة الأكبر (الإدماء البشري والسياسي والدولي والاقتصادي وحتي القيمي، بالإضافة على استبعاد إمكانية الانتصار – أي أن القوة الأضعف غالبا ماتنتصر حين لا تنهزم!). ولكن هذا يجعل حركة المقاومة فاعلة استراتيجيا ماتحركت بالمنطق الدفاعي استراتيجيا (حتى لو كانت هجومية عملياتيا وتكتيكيا) ولم تشتبك مع هدف وجودي للمحتل، وإلا توقف المنطق الاستراتيجي عن العمل (هذا يُسمى بالتداخل Interdiction الاستراتيجي). ومن منظور دولة الاحتلال، فلايمكن هدم حركة المقاومة إلا بتفريغها من الدعم الشعبي، وحرقها وطنيا وشعبيا، فضلا عن ضرب بعض مراكز الثقل التي تختلف من أهميتها من حالة لأخرى (دعم خارجي، خطوط لوجستيك ومعلومات، مُرَكِب قيادي، تكوين تكتيكي وتسليحي ما).

في كلا المسارين – الأداة العسكرية يتم توظيفها بشكل معقّد، ضمن أدوات أخرى لتحقيق أهداف مرحلية (من منظور المقاومة مثلا – تنازلات سياسية، أو بناء شرعية، أو توسعة القاعدة، أو بناء منصات أمامية لتطوير العمل العسكري والشعبي التالي)، أو آثار استراتيجية تهيء لوضع سياسي مُحابي (في الحال الفلسطيني مثلا – خيار كدولة في حدود 67 ذات سيادة، بالنظر إلى أن هدف التحرير الشامل لايمكن الوصول إليه إلا بحسم الصراع العربي الإسرائيلي إقليميا بسبب القدرة، وحتى منطق التداخل الاستراتيجي). إذن فمركز الإنجاز في هكذا صراع، هو بناء مخروط استراتيجي تُموضع فيه الأداة العسكرية لتحقيق آثار سياسية ونفسية في البيئات المختلفة.

سيف القدس وإمكانية تجاوز المخنق الاستراتيجي للمقاومة:

في الحقيقة، مثلت أزمة القدس طوق نجاة حقيقي لحماس والمقاومة في غزة، ليس فقط لتطوير مكاسب سياسية ذاتية كما قد يفهم البعض – بالأخص الأزمة الاقتصادية والصحية القائمة في غزة وتأخذ كثيرا من الشرعية الوظيفية لحماس، أو حتى ضياع فرصة مكسب انتخابي لتكريس الشرعية الداخلية بعد تأجيل الانتخابات – هذه دوافع يُمكننا ملاحظتها وحتى تفهُّمها، ولكن هناك فرصة حقيقية لتجاوز المخنق الاستراتيجي الذي لم تقع فيه حماس في غزة، ولكن القضية الفلسطينية برُمَّتها.

إذا اعتبرنا أن حماس والمقاومة كانت دوما في خانة الابتزاز الإسرائيلي (استراتيجيا) في العمليات السابقة – مهما تطور أدائها العسكري، وبالعكس – تبقى الصيغة القائمة هي الأكثر تفضيلا داخل المجتمع الاستراتيجي الإسرائيلي لأن لها سقفا يُمكن ترميم حيزه الردعي بعملية كل بضعة سنوات، في حين يبقى داخل الخط الأخضر والقدس والضفة (الملفات الأكثر حيوية ووجودية) بعيدة عن بوصلة المقاومة سياسيا وشعبيا وعسكريا.

وإذا اعتبرنا أن منطق المقاومة عسكريا تحول لحرب حدود بين قوتين غير متماثلين، ويُمكن تقزيم التعامل معه بصيغ عسكرية مضادة (مضادات الصواريخ، منظومة مكافحة حرب الأنفاق عبر الوسائل التقنية والدفاعية والقوات الخاصة) وحتى استراتيجيا (زيادة الضربات العقابية ومايتلوها من متوالية حصار لقلب الرأي الغزاوي على حماس في ظل المشكل الفلسطيني الداخلي الذي تظهر فيه حماس كصاحبة إمارة، واستفادة من السكوت الإقليمي والدولي عن سياسة الأرض المحروقة – بالأخص مع اكتساح التطبيع وتهالك الشرف القومي والديني عند رواده الجدد).

وهذا أيضا يجعل البيئة الإقليمية لحركة المقاومة شديدة التهديد، وإن كانت هناك إيجابية مُعتبرة لاستعادة التقارب مع المصري في أواخر حملة 2014، فحتى لو تراجعت مصر عن دورها القائد في الصراع، والشقيق الأكبر، فهناك احتياج لوسيط مُتفهّم وله بعض المصالح الذاتية والقومية المتبقية (هدوء سيناء، وعدم الانكشاف جيواستراتيجيا بالمطلق أمام الإسرائيلي، وتقليل مساحات التوغل الإقليمي لإسرائيل في دوائر هامة للأمن القومي المصري سواء في أثيوبيا أو الخليج).

هذه الاعتبارات الثلاث (فقدان المناورة الاستراتيجية تبعا للتخندق داخل غزة والتعرض للابتزاز، وفقدان المنطق والقدرة الاستراتيجي العسكرية لحرب المقاومة، والبيئة الإقليمية المُعادية)، قدمت أزمة القدس علاجا فوريا (ممكنا) لها. هنا، ستتحرك حماس لقضية شديدة القداسة بكل الاعتبارات الزمنية والمكانية والموضوعية، وتترسم كحامٍ ودرع للقدس والمقدسيين وحتى من في داخل 48 حين تواجه السياسة التهويدية وتدعم الانتفاضة العربية أو بوادرها في اللد والرملة وعكا وحيفا.

أيضا – يُستعاد الانتباه لمنطق المقاومة الشعبية في القدس والداخل بما له من آثار استراتيجية كبيرة (سواء في إعادة الاعتبار الأصلي للقضية الفلسطينية وضرب الصورة الدولية لإسرائيل كشرعية دولية، وأيضا العمل على الخاصرة الداخلية بما لها من تشتيت أمني وعسكري (7 فرق حرس حدود تم استدعاؤها لمواجهة الاضطرابات على محدوديتها)، والإدماء السياسي لأطراف في معرض أزمة تنافس داخلي حاد (كما تم اتهام نيتنياهو من خصومه أنه أدخل البلد في حرب أهلية)، والأهم من ذلك – هو استعادة جزء متزايد من عرب الداخل ثانية لمنطق المقاومة الفلسطينية كهوية وعناوين قبل الولاء الفصائلي والتوظف الاستراتيجي في مسارات تصعيدية تتناسق مع خط المقاومة العسكرية من القطاع والضفة. بل إن ملف الضفة ذاته لو تم استعادة الحضور الحمساوي أو حتى الفتحاوي المُقاوم به، فإن في هذا ترميم للكسر الاستراتيجي الهائل الذي حصل بعد حسم غزة 2007.

وإقليميا ودوليا – هناك أدوات وعناوين توفرت لممارسة ضغط حقيقي على أطراف مناوئة أو محايدة. (ضرب منطق التطبيع خصوصا في صيغته الجديدة، واستعادة المقاطعة والعزلة الدولية لإسرائيل).

في رأيي أن حماس أدركت جُملا جيدة فيما سبق، ولهذا – ففورا دشنت عملية (سيف القدس) واستفادت من تراكم خبرتها التكتيكية والتسليحية والعملياتية للقيام بعمليات صاروخية متطورة فاجأت التقدير الاستخباري الإسرائيلي، وخطابيا – ركزت على قضايا القدس والحرم الشريف، والتهويد، وعرب الداخل.. الأمر تجاوز هتاف بعض الشباب المقدسي (احنا رجال محمد الضيف)، أو تصريح أبوعبيدة (المتحدث الرسمي) بوضوح أن حماس هي درع لعرب الداخل، إلى تجاوب حقيقي قاد لاضطرابات غير مسبوقة داخل الخط الأخضر.

إذن ما المشكلة؟

أولا) لا يظهر حتى الآن رؤية استراتيجية واضحة لترميم الحركة الفلسطينية وإدارة الصراع المقبل ضمن عناوين سياسية مقبولة. هذا من ضروراته كما أسلفت، التخفف من عبء إدارة غزة، لصالح بناء جسد سياسي وعسكري قائد (بديل)، وتطوير سقف سياسي مرحلي، والتركيز في تطوير القابلية الاستراتيجية بأبعادها المعرفية (الفكرية) والمؤسسية، والتطبيقية.

ثانيا) يدرك الجميع أن هذه الجولة ستنتهي عبر وساطة قريبا، ويُحاول الطرفان زيادة معدّل الإدماء والإحراج السياسي للآخر، بحيث يجعله أكثر طلبا للتهدئة وتقبلا لصيغة خاتِمة أقل. هناك قناعة إسرائيلية أن مُعادلة الردع التقليدي القائم على تكريس حصة عقابية أو إنكارية (أي أنك لن تحقق أهدافك) عند حماس بعد كل عملية. في رأيي، أن معادلة الردع تلك لم تفشل ذاتيا، ولكن لأن سياق الأزمة التي صنعها الإسرائيلي بغبائه هو ما أفشلها (إثارة الشعور الديني والوطني يجعل مبادرة حماس العسكرية مطلوبة ومقبولة وغالبا ستنجح في تحقيق هدف سياسي وهو انتصابها كحام وترميم شرعيتها فلسطينيا)، وحتى بالمنطق العقابي (هناك قدرة أكثر على احتماله غزاويا – لأن القضية الآن هي قضية – القدس).. هكذا الردع، لا تتشكل معادلته بشكل حسابي ذاتي ولكن تعتاش على السياق الاستراتيجي ومايقدمه من روافع وتقييدات.

ومن هنا، سندرك أن حماس ستتقدم في هذه الجولة بغض النظرعن أي تفاعلات عسكرية وسياسية (حتى مع الهجوم البري).

ولكن – يكون مؤسفا، أن تضيع هذه الفرصة للتحرك الجاد لتطبيق النقطة الأولى (الجسد الجامع، وتطوير البنية الاستراتيجية)، والعمل بشكل منهجي وحثيث لتطوير مسارات استراتيجية حيوية، وليس فقط الاكتفاء ببعض الخطابات.. أعني: ملف الضفة ، والقدس وداخل الخط الأخضر – بما يشمل: استعادة أطر سياسية وتوسعة القاعدة الشعبية، وتفعيل منضبط للهبات الشعبية، وتطوير مفاتيح للنشاط المقاوم بجوانبه العملياتية واللوجستية والعسكرية. مسارات العمل في كل ملف تقتضي بالتأكيد – خصوصا بالضفة – تصحيح البوصلة الحمساوية في غزة واستمالة قطاعات فتحاوية وبناء الإطار السياسي والعسكري القائد، ولكن أيضا – لابد من تطوير منصة استراتيجية لإدارة وبناء ومتابعة هذه المسارات، وتغذيتها، ونصب رصيف إعلامي سياسي واضح للتعاطي معها بشكل مستمر.

نعم هذا يقتضي وقتا، ولكن البدء فيه من الآن استغلالا للظرف المواتي لن يفيد فقط في تحسين المنتوج الاستراتيجي لهذه الجولة، ولكنه يمكن البناء عليه لما بعد، والأهم – التمرين الاستراتيجي للتنويع والتداخل والتكامل بين المسارات السياسية والشعبية والعسكرية، في غزة والضفة، والقدس والداخل.. أمر كهذا حصل بشكل معقول في تجربة حزب الله – على الأقل حتى 2006.

وأختم بملاحظات حول الأداء الإعلامي، والعسكري:

– هناك ضمور واضح في الخطاب الإعلامي لحماس والجهاد الإسلامي من حيث الكم والنوعية ومدى النضج، وإدارة الصورة، لا يستقيم مع التطور الواضح في الشأن العسكري التكتيكي والعملياتي. لو نظرنا لهذه النوعية من الحرب، كمسارات فعل وآثار استراتيجية، فإن المساحة الإعلامية، وإدارة صورة الحرب Image of War تتجاوز ثلاثة أرباع حيز الحرب ذاتها! نعم – في أي حرب يبقى الأثر الاستراتيجي هو أثر نفسي (كسر وتنعيم الإرادة السياسية للخصم)، ولكن هذا الأثر وارتباطه بالمتغيرات العسكرية والشعبية والسياسية على الأرض، وبالأخص المُدخل الشعبي والدولي على الأطراف (ما سماه روبرت سميث War Among People) أعلى كثيرا في الحرب غير النظامية. فهذا أمر ليس ترفا، أو أنه يُكتفى فيه بمتحدث إعلامي، أو تصدير رئيس للحركة أو قيادي يتحدث بشكل خطابي (نستحضر بالمقابل قيمة حسن نصر الله في تجربة حزب الله)! هذا أهم الأدوات الاستراتيجية في حرب المقاومة!

– أخشى من المبالغة في تقدير الجدوى التكتيكية والتقنية لصواريخ المقاومة، على حساب المنطق العملياتي والاستراتيجي، وموضعتها ضمن الإطار العسكري الشامل. هناك تطور حقيقي في الصواريخ كما وكيفا، وهذا بالتأكيد له آثار عملياتية واستراتيجية – وإن كانت ظرفية. فبطاريات القبة الحديدية هي شديدة الفعالية بالفعل (نسبة الإصابة 90%، ونحكي عن عشر بطاريات موزعة على المواقع الحيوية بإسرائيل، لكل بطارية 3-4 قاذفات ولكل منها سعة عشرين صاروخا.. وهناك تطور نوعي حصل فيها كذلك في الكترونيات التتبع والقيادة البشرية والتلقائية، فضلا عن مزيتها في الاستهداف غير المباشر). ولهذا – فنحن نحكي عن فاعلية تكتيكية لصواريخ المقاومة قليلة جدا 5 % وما يتبعها كذلك من صغر حجم التدمير وعشوائيته (قضى عربيان أب وابنته فيها).

ولكن كذلك العنصر العملياتي في رأيي كان هو الأهم في إنجاز حماس. فالإسرائيلي تحرك تحت فرضية عدم وجود عدد كاف من الصواريخ عندها– بالمقابلة مع حزب الله، اعتمادا أن أقصى عدد أطلقته في 2014 كان 200 صاروخ باليوم، ولكن المفاجأة الاستخبارية وضعت الإسرائيلي أمام 100 صاروخ في دقائق على تل أبيب يوم الثلاثاء، مما قاد لدرجة من التشبع والاتخام للبطاريات Saturation. لكن النقطة المهمة الأخرى، هو نجاح حماس عملياتيا في تطوير القدرة على القيام بهذه المهمة الصعبة واستدامتها في وجه الهجوم الإسرائيلي القاصد لاستهداف المنصات (والإسرائيلي كان يعول عليه بشكل كبيرفي منظومة متعددة الطبقات ضد الصواريخ)، وهذا النجاح مهيئاته أعقد كثيرا مما يتخيله الناظر لأنه اقتضى إنجاز استخباراتي وفي مساحات اللوجستيك والقيادة العملياتية وفصلها والتشويش والتخفي والسرعة. فلابد من الانتباه لتطوير هذه المساحات بالأخص، لتواجه ماسيتحرك فيه الإسرائيلي مستقبلا كذلك لإحباطها.

– ولكن كذلك مهم الانتباه لتطوير المنطق الاستراتيجي، الذي يضع هذا السلاح ضمن المنطق العام للحملة، بما يقتضي تعشيقه مع الخطاب السياسي والإعلامي القاصد لتطوير رسالة ردعية بمخروط متدرج (حيفا وما بعد حيفا)!. وكذلك – يقتضي بشكل كبير الاهتمام بالصورة الدولية!! (المحكمة الجنائية أدانت كلا من إسرائيل وحماس فضلا عن كل المنظمات الحقوقية التي تقف غالبا مع الحق الفلسطيني) – فضلا عن التزامنا الأخلاقي كمحاربين شرفاء ولا ينتصر العدو علينا بإلزامنا بمنطقه القيمي المهتريء!. أعني بوضوح – الاجتهاد قدر الإمكان في تجنب التجمعات المدنية. ونعم – هناك صعوبة قد تصل لدرجة الاستحالة تبعا لضعف التوجيه في صواريخ القسام. ولكن لابد من تطوير خطاب دولي قانوني واضح في هذه النقطة ارتكازا على مبدأ الدفاع، وفي ذات الوقت الضرورات العسكرية التي لا تُساعد الفجوة التقنية الهائلة بين الطرفين المتحاربين على ضبطها ضمن قانون استخدام القوة المسلحة. الحقيقة – هناك ميراث واسع تاريخي وتنظيري في هذا السياق. ويرتبط بهذا كذلك، وضع كود سياسي وأخلاقي للانتفاضة الشعبية في داخل الخط الأخضر، وهذا ليس فقط له آثار قوية على الصورة السياسية العامة، ولكن كذلك تقييد قدرة الخصم على تفخيخ الحراك الشعبي بالداخل ومحاصرة بوادره الناشئة مبكرة.

 

وكل عام وأنتم بخير.. ووافانا الله وإياكم بموعد في القدس..

[1] ماجستير ودكتوراة في الاستراتيجية العسكرية – جامعة ريدنج، واستشاري عيون بانجلترا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here