د. محمد بريك: حول أزمة سد النهضة: التدخلات الإقليمية ومعضلتا الأمن العربي والديمقراطية

د. محمد بريك

تناولنا السابق لأزمة سد النهضة وارتباطها بانهيار القدرة الاسترتيجية لمصر ذاتيا وعلى الحركة بالإقليم – أثار بعض التساؤلات: هل هناك دور للأطراف الإقليمية في أزمة سد النهضة؟ وماعلاقة كل ذلك بانهيار النظام الأمني العربي؟ وهل بالفعل استعادة المسار الديمقراطي بمصر محوري لتطوير القدرة الاستراتيجية وكذا لطرح نموذج لبناء التأثير إفريقيا؟

فيما يتعلق بالتدخلات الإقليمية، فمهم أن ندرك الخلفية التي تواجدت فيها أثيوبيا في الحزام الطرفي للأمن القومي العربي والذي شكلت قضية الصراع مع إسرائيل أهم ركائزه وإشكالاته تاريخيا.. فبالرغم من انحياز أفريقيا الطبيعي أيام ناصر للأسباب المعلومة للصف العربي، فأثيوبيا بالأخص تم الاقتراب منها إسرائيليا منذ أوائل الستينات وفي ملفات الدعم العسكري النوعي – تدريب قوات النخبة والحرس الإمبراطوري ثم الجمهوري وتصدير تسليح وذخائر، وبالأخص الدعم الاستشاري المباشر في مكافحة التمرد الإريتري – الذي كان مدعوما عربيا بشكل أو آخر.

فقط بعد حرب 73 تم قطع العلاقات رسميا وتجفيف الكثير من مظاهر الدعم، ولكن بقت دوما نقاط تواصل قوية في هذه المساحة – خصوصا مع تسوية هجرة يهود الفلاشا – حتى استعادة العلاقات الرسمية في 1989.

الاستراتيجية (الطرفية) التي تبنتها إسرائيل لتشكيل أحزمة تحالف سياسي عسكري مع الدول المُطوّقة للجبهة العربية – وكذلك الأقليات الانفصالية – بمايُشكل عوامل إشغال وتحويل الطاقات العسكرية عنها، وفي ذات الوقت نقاط ارتكاز لصنع تهديدات أو عداءات سياسية وعسكرية واقتصادية بشكل مباشر أو غير مباشر..كانت تسوّغ بشدة الاقتراب من أثيوبيا ودول حوض النيل عموما. ولكن الطرح المباشر لتشكيل تحالف استراتيجي متماسك أول السبعينات – لم تقبله أثيوبيا لثمنيته السياسية العالية بالنظر للمعسكر الجيوبوليتيكي المتواجدة به بالأساس، في حين انخرطت به بالطبع إيران الشاة، وتركيا.

من أهم الدراسات التي تحكي بالتفصيل عن هذه المساحة، كتاب ليوسي ألفر، ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي تواجد بشكل أساس في فترة إنشاء هذا التحالف – مايسمى بمكتب Triangle، Periphery: Israel’s Search For Middle East Allies

وبالرغم أن أثيوبيا لم تكن رسميا بالمكتب، إلا أنها بشكل فعلي كانت في ذات السياق الاستراتيجي. وملف السدود بالأخص، إسرائيل كانت تحث عليه وتدعمه فنيا منذ السبعينات، ولكن موازين القوى وصيغ الردع التي حكينا عنها سالفا، جعلت لمقتضى السياق القانوني الحاجز قيمة (أعني حصة مصر، وكذلك اشتراط موافقتها) فضلا عن الاضطراب الاقتصادي والسياسي الحاد التي عاشته أثيوبيا حتى الألفية.

فيما يتعلق بسد النهضة بالأخص، فلاتوجد بين أيدينا أي دلائل على تورط مالي أو سياسي رسمي، ولكن فضلا عن الدعم الفني،  فإن السياق مرسوم تاريخيا كما أسلفت، ويستصعب جدا تصور أن الإسرائيلي معزول عن تهييج هذه الرغبة الأثيوبية وبالأخص انتهاز فترة الانهيار المصري بعد  2011.. وإن كان الدافع المباشر لإنشاء السد – بهذه الإحداثيات والنمط السياسي الحاد  activist المصاحب – كان سياسي داخلي مع مليس زيناوي.

ونضيف لذلك – الأنباء شبه المؤكدة أن إسرائيل لم تكترث بعلاقاتها (شديدة التودد) مع نظام السيسي، وقامت بتركيب نظام دفاع أرض جو Spyderعند السد وهو يحمل صواريخ قصيرة Typhon ومتوسطة Derby

الحقيقة – أنه تكتيكيا يمكن تجاوزها بالطبع، ولكن تبقى قدرته أعلى بشكل ملحوظ من نظام سام القديم واستخدم من قبل الهند وجورجيا من قبل.

ومن ناحية أخرى – القرن الأفريقي صار أرضا خصبة للتواجد والتنافس الخليجي منذ الألفية، جزء بسبب أزمة الغذاء وبهذا توالى التمويل السعودي والإماراتي والقطري للسودان وأثيوبيا، ثم الأهداف الجيواستراتيجية المرتبطة بإيران ثم حرب اليمن والقرصنة (قاعدة عسكرية إماراتية في إريتريا، وأخرى في صوماليلاند، وأخرى سعودية قائمة، وتواجد تركي في الصومال – ودور وساطة سعودي لاتفاق سلام إثيوبي- إريتري).. ولكن بالأخص – الإمارات، فلها استثمارات ضخمة في أثيوبيا.

لايوجد دور سلبي بالطبع مباشر من حيث تشجيع أثيوبيا ابتداء على السد، ولكن توفير العملة الصعبة بالتأكيد له أثر ما تسهيلي في هذا السياق.. خصوصا دعم الإمارات لآبي أحمد ب 3 بليون دولار في 2015 في أكثر أوقات المأزق الاقتصادي التي مر بها المشروع.. وهذا نعم ساهم  من ناحية أخرى بشكل ما في تهيئة الوصول لاتفاق 2015، مع عيوبه الجوهرية، ولكن تترجم هذا لحد متدني فيما يتعلق بمصلحة الطرف المصري في هذا الملف. بمعنى – أنه دعم الحق المصري ولكن للحد الذي لايؤثر به على أساس علاقته مع أثيوبيا أو حتى تحويلها لمنطق ضاغط لدرجة عالية.

أغلب التمويل المباشر للسد (وتكلفته حوالي 4.8 مليار دولار إجمالا) جاء بالاقتراض والسندات الداخلية، وكذلك بتمويل واستلزام صيني مباشر للبنى الهيدرولوكية بلغ مليارا..ولكن المال الإماراتي أفاد في لحظة معينة حرجة كما ذكرت.

الخلاصة – أن الخليجي دخل في ملف القرن الأفريقي لمصالحه المباشرة، وإن حاول دعم الحليف المصري بشكل محدود، وليس ضمن صيغة ما لتطوير واستعادة الأمن العربي بمقتضياته الحاكمة والتي قد تختلف بشكل واضح عن المصالح القطرية، ويظهر هذا بشكل جلي في الملفات التفصيلية وإدارتها – وخصوصا أزمة سد النهضة..

وهذا يقودنا للنقطة الثانية  حول غياب رؤية كلية وإطار جامع للأمن القومي العربي..

الانهيار القطري والجماعي لضعف القدرة والإرادة، وترسخ التبعية والاعتماد على طرف خارجي لبناء الهيكل الدفاعي (حالة الخليج) في حد ذاته أحدث فراغا استراتيجيا تتنافس على ملئه الأطراف الدولية والطرفية لمصالحها، ولكنه في ذات الوقت – يمنع تضافر الجهود القطرية – على ضعفها – من تطوير رؤية وإدارة جامعة مركزية للتعامل مع مشكلات الأمن القومي

إذا تواجدت النظرة المركزية للأمن القومي العربي تلك، حينها يمكن ترتيب الملفات ومساحات التهديد (حالة سد النهضة نموذجا)، والخيارات الاستراتيجية وحدود المناورة فيها، تبعا لعنصرين:

أ. لخارطة الأولويات القومية بالأساس ثم القطرية ابتداء، لأن الأولى هي الضامنة للثانية في تلك المساحة بالتحديد.

ب. ولكن أيضا من حيث ترتيب حجم التهديدات والمصالح بشكل موضوعي.. فلايُمكن أن تتقدم مصلحة حيوية للسودان أو مصلحة ثانوية للخليج مثلا في ملف سد النهضة، على مصلحة وجودية لمصر..

ونقيس على هذا منطق التعامل مع تقاطعات في أزمات مختلفة (إيران، والصراع العربي الإسرائيلي مثالا)

بوجود هذا المخروط الموضوعي والنظرة الاستراتيجية الفوقية .. يُمكننا حينها أن نتخيل مسارات مختلفة للتعامل مع أزمات الإقليم والتوفيق والمناورة بين خياراتها الاستراتيجية..

قناعتي الراسخة، أن  فقدان القدرة عربيا على تحريك وتطوير مصادر القوة بأنواعها وصولا للمستوى القومي، وارتهان القرار السياسي، هو السبب الأصيل خلف تفاقم واستنبات المشكلات الاستراتيجية المتنوعة والعجز المزمن عن التعامل معها: سواء تفتت دول هامة بأكملها، أو تطور الاحتلال المباشر والهيمنة لصالح قوى دولية وطرفية في مختلف النطق، والفشل في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي – والتدافع مع إيران وغيرها، أو اختلالات سياسية واجتماعية وأمنية حادة، أو أزمة المياه بالطبع بالأخص لمصر.

أخيرا – هل نجاح التحول الديمقراطي في مصر شرط أساس للنجاح في إدارة أزمة سد النهضة – تبعا لفرضية أن الديمقراطية ستزيد من قوة الدولة ورشادة الحكم؟ وتطوير القوة الناعمة لمصر أفريقيا تبعا لجاذبية هذا النموذج أفريقيا؟

إجمالا نعم – و من مصلحة المهموم بانكفاء التحول الديمقراطي المصري أن يبلع هذا، ولكن هذه النقطة بالتحديد هي أساس جدل أكاديمي في مجالي العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية لعقود.

تحديدا: ماهي مصادر قوة الدولة (إن حسمنا أن تجليات هذه القوة يظهر في حسم التدافع السياسي والاقتصادي والعسكري)، وكذلك – هل الترقي الديمقراطي تحديدا يمثل سببا حقيقيا في القدرة على حسم الصراعات؟

في العلوم  السياسية، اتجاه معتبر مع الديمقراطية كمصدر قوة، بالأحرى إذا كانت ديمقراطية تؤدي لانسجام اجتماعي وفق صيغ ديمقراطية حقيقية ومتوازنة، وليست تفتيتية. وهذا ضمن اتجاه أوسع يقول بالموارد النوعية  Qualitative في مقابل اتجاه الموارد المادية والكمية Quantitative سواء اقتصادية أو بشرية أو جغرافية(القدرة الإقليمية لدولة مثل تونس في مقابل قطر..مثلا(..واتجاه ثالث حشوي: الدولة القوية هي التي تنتصر.

ولكن هناك ثلاثة اتجاهات في كون الديمقراطية عنصر قوة في حسم الصراعات (خصوصا المسلحة ) تحديدا: اتجاه Democratic Triumphalist وهو شائع، ويقول بأن الديمقراطية تسمح للدولة ببناء سياسات وقدرة مؤسسية رشيدة وكفؤة – خصوصا في ميدان السياسة الخارجية والدفاع، واتجاه Democratic Defeatist وهو محدود، واتجاه ثالث يميز بين الحروب الشاملة والتقليدية – والتي تثبت الدول الديمقراطية قدرتها بتعبئة الموارد والتخير بين السياسات المعقدة على مدى طويل، وبين الحروب الصغيرة وحرب العصابات – وتكون أكثر تعرضا على الهزيمة فيها تبعا لتأثر معادلتها الشعبية والديمقراطية على القرار الدفاعي تبعا للخسائر البشرية والقيمية – كدولة غازية – أمام حركات المقاومة أو التمرد… مثلا  دراسة الإسرائيلي جيل ميروم

 والتي حلل فيها هزائم أمريكا وإسرائيل وفرنسا في فيتنام ولبنان والجزائر على الترتيب.How Democracies Lose Small Wars

أما في الدراسات الاستراتيجية، فإن مصدر القوة هو القدرة (المفاهيمية والمؤسسية وكخيار) على تحويل وتطوير الموارد الكمية والكيفية – عسكرية أو غيرها – للوصول لنهايات سياسية مناسبة. أما دون ذلك من تفصيلات وعلاقات سببية فلا يمكن تعميمها، لأنها تبقى ظرفية، وتبعا لطبيعة الصراع ومدى مناسبة الأهداف السياسية للقدرة المواردية,

وبخصوص الديمقراطية – هذا العنصر بحد ذاته كذلك لا يمكن تثبيته في علاقة سببية عامة مع القدرة على الانتصار، ولكن تبعا لمعطيات ظرفية تسمح له في بعض الأحيان بلعب دور إيجابي في القدرة على تطوير المؤسسات وتفعيل الموارد وتخيّر استراتيجيات ناجعة، وأحيانا يؤدي لمظاهر سلبية. والأمثلة أكثر من أن تحصى عن قدرة تنظيمات ودول (غير ديمقراطية وحتى ثيوقراطية) على التفوق في صراعات سياسية وعسكرية – نظامية وغير نظامية.

في كل من الحالات الديمقراطية وغير الديمقراطية تظهر أمراض في طريقة اتخاذ القرار الاستراتيجية، وحتى في القدرة على تحريك الموارد، وفرصة أي نظام في التقدم الاستراتيجي هي في مدى قدرته على (مواجهة وعلاج) هذه الأمراض.

مثلا في النظم الديمقراطية – هناك مشكلات التصادم بين الخيارات الاستراتيجية وتلك الخاصة بالتدافع الحزبي والمصالح، وبين الخيارات والمؤسسات الفنية – والساسة، والبطء في اتخاذ القرار، ومشكلات الجمع بين السرية والديمقراطية في بعض الملفات، والعلاقات المدنية العسكرية… وهكذا

أما في النظم غير الديمقراطية – تظهر مشكلات التصادم بين الخيارات الاستراتيجية وتلك الخاصة بطبقة الأوليجاركي أو حتى الفرد الحاكم، ومشكلة ضعف الرقابة والتقييم الذاتي والنقدي للخيارات، ومشكلة التكامل وحرية المعلومات بين مؤسسات تشترك في صنع استراتيجية شاملة.. وهكذا

في حالة مشكلة سد النهضة مثلا – نظام عبدالناصر كان العهد الذهبي في علاقتنا مع أفريقيا، تبعا لانفجار الشعور التحرري، وخطاب مصر وسياستها الداعمة بشكل هائل للحركات الأفريقية، وكذلك موضعها الجيوسياسي مع دول عدم الانحياز – حتى 1967، وسياسة ناصر الشخصية وغير المترفعة مع زعماء الأفارقة.

كذلك – التدهور الهائل الذي حصل، لم يكن في عهد مبارك، ولكن تحديدا – للمفارقة – مع 25 يناير 2011، لأنه أدى لانفراط قدرة الدولة داخليا وكحركة في الإقليم أن تُصدر صورة (قوة) – بمعنى قدرة على تحريك موارد ومبادرة سياسية ودفاعية أمام أي تهديدات حاصلة أو محتملة، وإن كان المسئول عن ذلك بلاشك الأطراف العسكرية والمدنية التي تعاملت بشكل كارثي مع هذه المرحلة، ونظاما مرسي والسيسي بالفشل في استعادة قدرة الدولة وماتقتضيه من تطور سياسي ومؤسسي جذري، وفي التعامل مع مشكلة السد تحديدا.. كما أسلفنا.

بمعنى – (نموذج الدولة الديمقراطية) هو بلا شك أحد مصادر القوة الناعمة إفريقيا في تلك المرحلة، ولكنه ليس كلها، وقدرته على التأثير ظرفية وبشرط تلاحمه مع قوة مؤسسية في اتخاذ القرار وسرعته، ونضج الحراك الديبلوماسي والتدافع الدولي والقانوني، كما أنه ليس بديلا أبدا عن مصادر القوة الخشنة أو القدرة على (التهديد بها) أي الردع.

هو ليس بديلا – مثلا – عن التنمية الاقتصادية، ولا تطوير المؤسسات الدفاعية وأخذ القرار، ولا التأهيل الكادري للنخبة التي تقوم بالسياسة الخارجية أو الاستراتيجية الدفاعية، ولا الرؤية الشعبية الحالمة.

وكمنطق عام في تلك النقطة، ربما نقول – أن البيئة الديمقراطية تُعطي فرصا أكبر على تلمس وتطبيق الأجندات الإصلاحية في المؤسسات والسياسات والاستراتيجيات وبناء الكوادر – هذا صحيح .. كما هو الحال في كل المحاولات الغربية في هذا الباب، ولكن ليس بديلا في حد ذاته عن توفر المادة الخام المعرفية، ولا قيادات كفؤة في محطات فارقة مثلا.

وكتخصيص لوضعنا العربي والمصري الحالي، ربما نقول- أن تلك الحالة التي تغيب عنها احتمالات القيادة المُلهمة الكاريزمية التي يصاحبها أدوات رفع مؤسسات وضبط مهني وانفتاح خبراتي على كل الطاقات وتستفيد من أيديولوجيا تثويرية حالمة – كما يكون في أحوال (غير ديمقراطية) ولكن (قوية).. فتتضاعف هنا أولوية الخيار الديمقراطي كبديل وحيد في التنمية الاقتصادية والمؤسسية والدفاعية..

[1] ماجستير ودكتوراة في الدراسات الاستراتيجية (جامعة ريدنج)، واستشاري عيون

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here