د. محمد بريك: تعليق موجز حول أزمة فرنسا ومنطق رد الفعل: هل المقاطعة الاسلوب الامثل؟

 

د. محمد بريك

هل تصلح فعلا المقاطعة كوسيلة مُحجمة لسلوك فرنسا وقادتها عن الإساءة للنبي (ص)، أم هي فقط وسيلة تخديرية وحملات مصلحة لقوى معينة (مثلا مقاطعة البضائع التطبيعية قديما)؟

ومع مقام النبي صلى الله عليه وسلم الكريم، وحجم المرارة والغضب الذين نشعر بهما، خصوصا ونحن مقبلون على مولده الشريف، أليست هناك كوارث أخرى نحن المتسببون بها – مثلا تطبيع الإمارات والبحرين والآن السودان مع ترحيب مصر؟ وهل فعلا تحرك أردوعان – وغيره – يبقى حسن النية أم مجرد حرب اقتصادية باستغلال للدين؟

أولا) مسألة ماكرون أوسع من سب النبي (صلى الله عليه وسلم) مع عظيم مقامه، ولكن استهداف الإسلام في الغرب صار عملة سياسية للتنافس والمزايدة الداخلية، حتى من أصحاب الاتجاه المنفتح (مثل ماكرون ذاته الذي ترشح على خطاب انفتاحي واستيعابي) واليساري. وهذا يمثل تهديدا خطيرا للأقلية المسلمة بالغرب. هذه النقطة الأهم بالمنظور الديني والاستراتيجي.

ثانيا) المقاطعة تبقى وسيلة إعذار ذاتي لنا جميعا بالمقام الأول، بغض النظر عن جدواها، خصوصا وقد انقطعت بنا السبل للقيام بأدوارنا الإعذارية وفقط نشاهد خراب أمتنا تباعا.

وبالفعل – أزمة فرنسا هي أقل كارثية مثلا من تداعي الخليج والسودان للتطبيع والتفاف إسرائيل وتمددها على مجمل العقد الحيوية في بلادنا، والأشد – بترحيب مصر وقيادتها. ونعم – جزء كبير من رد الفعل المطلوب – لهذه الأزمة وجل أزماتنا – يرتبط بإحداث تغيير حقيقي سياسي في بلادنا اهترأت أدواته وفرصه التاريخية، وإن لم تنقرض – بفعل الخراب في قوانا السياسية والإسلامية- قبل إشكال الأنظمة. ولو كان عند هذه النسخ العقيمة من قادة ونظم دولنا ذرة من المروءة والحمية الدينية والوطنية حتى (بالنظر إلى المخزون الديني عند شعوبها) لكنا أمام موقف آخر كلية.

ولكن في ذات الوقت، بالرغم من تشابه هذه المقاطعة، مع المقاطعة القديمة التي كانت مهووسة بها الحركة الإسلامية – ونحن في شبابنا بالجامعة – متخلية عن واجباتها التغييرية الحاضرة حينها – وكان بها نفسٌ تخديري، إلا أن هناك فارقا يؤكد أهميتها.. فهذا الملف ليس حيويا عند فرنسا، وهي شديدة الحساسية بلاشك لخسارتها الاقتصادية كما أظهر إسراع حكومتها بالمناشدة لوقف حملات المقاطعة، مما يعزز من فرصة المراجعة تحت الضغط. وكذلك – فليس هناك غالبا بين أيدينا طرق موضوعية لتغيير السياق جذريا كما كان في حال المقاطعة الأولى.

ثالثا) ولكن في تصوري، هناك منطق آخر لاستراتيجية مواجهة تتعامل مع أساس المشكل، في فرنسا تحديدا. ففرنسا التي يجرّم فيها قانون (جيسو) أي تشكيك في الهولوكوست مثلا، ربطت مسألة حرية التعبير بإزدراء المقدسات الإسلامية، وفوق هذا – صار ذلك الربط عملة مفيدة حزبيا وسياسيا. ولفكّ هذا الارتباط لابد من خلق مناخ أزمة في الداخل الفرنسي – يعيد التشكيك في هذه الفرضية، لصالح فرضية وجود خطر حقيقي على المجتمع الفرنسي- وحدته وسلامته – دون تورط بلاشك في وسائل يجرمها التشريع الفرنسي الحالي.

وهذا يمكن – على سبيل التمثيل – بحملات كاريكاتيرية ساخرة ونابذة للرموز العقائدية والسياسية والتاريخية لمكونات المجتمع الفرنسي (خصوصا المسيحي واليهودي، والخبرة حواليْ الحربين العالميتين)، دون استهداف مانراه كمسلمين مقدسا (كعيسى وموسى ومريم مثالا)..

والأهم – أن يتحول ذلك لدينامية داخل فرنسا ذاتها،وبنفَس صبور وهاديء، لتُعاد طرح وزيارة الأسئلة الجوهرية حول الهوية الجامعة، وحرية التعبير، واحترام المقدسات كضرورة للسلم الأهلي والوحدة الوطنية، للوصول عبر نقاش ومجتمعي مستجد، لإصلاح تشريعي وضابط للخطاب السياسي والإعلامي لتصل بحد أقل لما عليه الوضع في بريطانيا. مع اقتران ذلك بوسائل الضغط الاقتصادي جراء المقاطعة.

أخيرا) بخصوص أردوغان مثلا، في تقديري أن محركه الأساس هو زيادة شرعية زعامته الداخلية والإقليمية كحامٍ لل(إسلام)، خصوصا بانتصابه أمام حملة شديدة الانحطاط والاستهداف الرمزي كما في فرنسا، والدعم الغربي لها. ثم تأتي المصالح الاقتصادية لتركيا، ولكن طبيعة البشر والنظم السياسية المعقدة لاتنفي وجود مشاعر دينية حقيقية بالطبع عنده وطبقته المقربة.

بالمنظور الديني والأخلاقي، فليس هناك مايمنع الاستفادة من المواجهات العقائدية – المبررة بسبب هجوم الخصم – لتحقيق مصالح ولكن بشرط عموميتها للأمة والأوطان.

وهذا يبقى شديد التعذر، أن نتوقعه أو نقيسه في ظل نظام شخصاني ومتسلط كأردوغان.

ولكن كذلك – التعاطي مع هذه الحملات المسيسة لايمكن أن نعطي لها أحكاما قاطعا بالرفض أو الإيجاب، ولكن لابد من تدقيق وقياس أخلاقي واستراتيجي – لغلبة المصلحة العامة، وخفوت منطق التوظيف والاستخدام.. وإلا فالأدوار الفردية والشعبية تبقى هي الأولى – حتى مع محدودية منتوجها.

فلايبارك الله فيما لايُقصد به وجهه.

وحتى كجدوى موضوعية، فغلبة منطق التوظيف يقود لردود سلبية وحشد مضاد، مع أن المنتوج الاستراتيجي المقصود ليس تفجير أوروبا، أو تقطيع أوصال المسلمين بأوطانهم فيها، ولكن دفعها لمراجعة حقيقية لسياساتها تحت ضغط.

لايجب أن ننسى في أي حال، أن الأقليات المسلمة جزء أصيل الآن – بالمعنى الشرعي والسياسي – من أوطانها بالغرب، ولابد من شق هوية ومنطق لسياسة جماعية للمسلمين بالغرب يحافظ على الهوية الإسلامية كتجذر وفضاء مجتمعي، ويتحرك للمصلحة الوطنية المحلية، بما لايناقض مفهوم مصلحة الأمة المسلمة.

هل هذا ممكن؟ نعم. ولكن لن يراه صاحب التوظيف الانتهازي، أو البوصلة العقائدية المتيبسة التي يغيب عنها تغير هائل في السياق الاجتماعي والسياسي والسنني – والفقهي تبعا لذلك، يقتضي إعادة تعريف لديار الإسلام والحرب والعهد (بل حتى مانص عليه قديما أبوحنيفة مخالفا الجمهور وصاحبيه عن ارتباط إسلامية الدار وزاول وصفها بالأمان للمسلم! وليس فقط غلبة العدد أو الحكم)، ومفهوم المواطنة الذي لايتعارض مع فكرة الأمة، وتعدد الهويات وتراتبها وتمايز محلات فعلها غالبا!. وهذه الفكرة التي أرى سلامتها، هي ما دفعت القرضاوي وبن بية وآخرين قديما لتأسيس مجلس الإفتاء الأوروبي بغض النظر عن تقييم المنتوج، فحيز الوحي المعصوم ثابت، ولكن الفقه متغير في مبانيه وفروعه تبعا لتغير السياق والعوائد وحدود المصالح العامة للمسلمين.

[1] ماجستير ودكتوراة بالدراسات الاستراتيجية، واستشاري عيون – انجلترا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. د محمد
    اتفق معاك عَلى المسلمين الاوربيين السعي لتوسيع قانون جيسو ليشمل المسلمين . هذا لن يكون سهلا مع وجود اليمين المتطرف.
    تبقى المقاطعهالشعبيه وسيله ناجحه ويمكن الطريقه الوحيده (في ظل نظام العربي الحالي الفاقد الاهليه الاخلاقيه) لتخفيف السلوك العداءي لبعض السياسين الاوربيين .
    تحياتي و تقديري لكم

  2. شكرا د. أحمد على المرور والتعليق.

    أعتقد أن المرء يحتاج فوق العينين المبصرتين، قدرا معقولا من الإلمام بقراءة العربية ليدرك أن المقال المتواضع ينتقد بشدة سياسة أردوغان، كمحركات وآثار، وليس مادحا له فضلا عن ممجدا. وإن كان الغرض هي جملة من الأفكار المطروحة هنا، أهم كثيرا من الانحياز مع هذا النظام أو ضده.

    كذلك، مصر – كوطن وشعب، هي هامة العرب وجدتهم، وستبقى، أما حكامها – سواء أصلحوا أم فسدوا، رشدوا أم خانوا، فيأتون ويروحون. وبالتأكيد لو هناك ذم ونقد، فالمقصود الثاني.

    ولو عندك اهتمام بتحليل سياسات نظامي السيسي وأردوغان، من منظور استراتيجي بالأساس، فهناك مقال ستجده على هذا الموقع بعنوان (التدافع الاستراتيجي التركي المصري في ليبيا، وأزمة شرق المتوسط).

    زادنا الله وإياك من البصر والبصيرة، وجنبنا هوى الخصومة والاصطفاف على السواء، فإنه مرض.

    تحياتي.

  3. تحياتي د. أحمد على مرورك وتعليقك.

    إدراك أن المقال يتناول أردوغان بالذم لا المدح، فضلا عن التمجيد!، يحتاج فوق العينين المبصرتين لإلمام معقول بقراءة العربية. فراجعه.

    وإن كانت مشاركتي المتواضعة بها أفكار أهم وأولى من مدح أو قدح نظامي أردوغان والسيسي.

    ولابد أن نفصل بشكل قاطع، بين مصر كشعب ووطن، وهي هامة العرب وجدتها، وبين هذا الحاكم والنظام أو ذاك، صلح أم فسد، خان أم رشد. مصر باقية، وحكامها زائلون.

    لو مهتم بتقييم استراتيجي لسلوك النظامين المصري والتركي، ولكن بعيد عن التحيز لأيهما للأسف، فأنصحك بقراءة مقال لي هنا بعنوان (التدافع الاستراتيجي التركي والمصري في ليبيا، وأزمة شرق المتوسط).
    تحياتي

  4. معاليك استشاري عيون …. فهل ابصرت ما فعل اردوغان في سوريا والعراق وليبيا؟؟؟ تحاول الصاق التطبيع بمصر ومصر منها برآء وحتي لو كانت مصر وراء التطبيع أليس اردوغان شريكا استراتيجيا للغرب وإسرائيل أليس كذلك فلماذا تقحمون دوما مصر وتمجدون هذا العثماني الجديد ؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here