د. محمد الطيب قويدري: التحرر من التبعية: مسار لاسترجاع ثقة المجتمع بالدولة

د. محمد الطيب قويدري

ما هي مصادر الشرعية السياسية في الدولة؟ هل هي نفسها مصادر الشرعية في المجتمع كما يفرض ذلك المنطق العقلي؟ أم هي التاريخ والجغرافيا؟ أم العلاقات مع المحيط الإقليمي والدولي؟ ماذا يحصل عندما تفرض الدولة ونخبها مصادر أجنبية لشرعيتها تناقض شرعية المجتمع أو بعض أسسها الكبرى؟ هل ينبغي البحث عن مصالحة سوية بين الدولة والمجتمع؟ ومن عليه التنازل للآخر؟ وما الذي يقبل التنازل وما الذي لا سبيل إلى التفكير في التنازل عنه مطلقا؟ لا نريد أن نبتعد عن الواقع ونمارس التنظير تلو التنظير، أو نرد على التنظير للمشكلات بالتنظير للحلول. بل سنحاول هنا الاكتفاء بمقارنة عملية بين أسس الشرعية المعتمدة في النصوص الرسمية، وبين تطبيقاتها في واقع الممارسة السياسية والإدارية أو القانونية، لأن هذه التطبيقات تنفعل بالممارسة الاجتماعية وتتفاعل معها بطريقة جدلية.

لا بأس قبل ذلك من التنويه بمعالجات الفكر السياسي العربي المعاصر لأكثر من عائق اعترض الدولة الوطنية العربية باعتبارها كلا تهيمن على تصوره وتسييره منذ كامب ديفيد عقليات أمنية، فرضت أجندات متغيرة باستمرار، وأولويات ظرفية، وهذا الواقع يجعل من فهمنا للأحداث والآراء وحتى القرارات نسبيا، وغير مستقر، الأمر الذي إذا لم يمس بمصداقية السياسة فسيمس لا محالة بمصداقية الفكر السياسي. أما في حالة الجزائر فإن علينا أن نأخذ في الاعتبار معادلتين أساسيتين معادلة : الثورة (الدولة) / المجتمع ومعادلة: الاستقلال /  التبعية وهما معادلتان ظلتا تحكمان الفكر السياسي، أو الرصيد النظري المهيمن على الجدل المستمر بين “السياسي” و”الاجتماعي”.

ساهم وَسْمُ التحاليل المتعددة التي تعمل على تشخيص الأزمة السياسية في الجزائر بصبغة إيديولوجية، في مغالطة الفهم السياسي، بإخفائه العديد من حقائق تقسيم القوى السياسية النشيطة على مستوى الممارسة والخطاب، لأنه حافظ على وهم سائد يرى أن الشرعية السياسية على مستوى الدولة تتوافق مع مصادرها العميقة في المجتمع. يضاف إلى ذلك عامل “المكانة الأثيرة” الذي تمتعت به ثورة التحرير الوطني في العقل الجمعي الجزائري باعتبارها صانع الاستقلال والمخلص من الاحتلال الأجنبي مما جعل منها أرضية لقاء وتصريف لمفاهيم وخطابات متفاوتة. ربما يفسر هذا نوعا ما وجود هذا التداخل والتنافر بين مختلف القوى والجهات الفاعلة في السلطة والمعارضة معا. كما يفسر كيف تستعير هذه القوى من بعضها الأسس والمنطلقات وتتبادل المواقع.

 في هذه الورقة سنحاول تحييد تأثير هذ الوضع من خلال تناول قضية أساسية ومهمة هي قضية تأثير التبعية لثقافة أجنبية على توازن واستقرار العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكيف أن كل تبعية مهما بدت آثارها مقصورة على جوانب سياسية وحسب، ستؤثر على مسار الشرعية داخل البنية العميقة في مراحل تأسيس أو إعادة تأسيس شرعية الدولة، وشرعية العنف.

فهل تسببت التبعية السياسية بروافدها الثقافية في هذا الذي يشبه التطور “الكاذب” للتحديث الوطني الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، أم أن نخبنا تعاني من عقدة مزمنة مزيفة تشبه عقدة أوديب نحتاج معها لكي نتخلص من التبعية إلى قتل مفاعيل الاستعمار الساكن في العقول؟

يطرح الخطاب الرسمي وخطاب المعارضة معا قضية الشرعية باعتبارها أم المشكلات السياسية التي تواجهها البلاد. بالنسبة للمستويين فإن ظاهر القضية يتعلق بخروج واضح عن خط مطلب الديمقراطية كما تفهم ضمن السياق الليبرالي العالمي. النظام الناشئ بعد الاستقلال اختار الاشتراكية كمنهج للحكم وللتنمية بسبب الخراب المنهجي الذي أنهى اقتصاد البلاد في الفترة التي سبقت الاحتلال عام 1830. المنهجية المختارة فرضت أدوات الاشتراكية وهي الحزب الواحد، والديمقراطية الاجتماعية، والتوازن الجهوي، وديمقراطية التعليم، ومجانية العلاج، إلخ…وقدمتها على مطلب الديمقراطية، والتعددية الحزبية، وحرية التعبير، والانتخاب، والتداول على السلطة، والفصل بين السلطات، وحقوق الإنسان.

الاستقلال انتصار، والتبعية معادل الهزيمة

على صعيد الفكر هناك اعتراض غربي أساسي على العودة إلى استئناف مسار الحضارة “العربية الإسلامية”، هذه واقعة لا جدوى من إنكارها، لأنها تتحكم بآثارها في مدونة السلوك السياسي العالمي إلى اليوم. ومن السهل تحسس تأثيرها على الخطاب الرسمي للنظام العربي، وتحكمها عمليا في سلوك كل دولة على حدة مع مراعاة بعض التفاوت النسبي.

 الانتماء الشكلي للعرب إلى مسار حضاري مختلف يفترض أن يكون هذا المسار مستقلا، والمخاوف التي تنتاب الغربيين اليوم ليست مخاوف سياسية بقدر ما هي مخاوف تاريخية ثقافية مصدرها الرواسب القديمة التي تمتد إلى ما قبل الحروب الصليبية، وعبر عنها البابا الحالي في رد فعله غير المتوازن على قضية متحف آيا صوفيا التركي. أما الجانب الموضوعي من هذه المخاوف فيتعلق منطقيا بأوضاع الدول في الشرق عموما، وهشاشة الأنظمة وقابليتها لعدم الاستقرار والفشل.

 بحوث ودراسات الاستشراق نفسها تؤكد أن مكونات هذه الرواسب تعود في كثير من الحالات إلى موقف ثقافي ونفسي أكثر مما ترتبط بحقائق الواقع الموضوعية، وقد لعب شح مصادر المعلومات، والنقل بشكل خاطئ، والتحريف تحت ضغط المسار الدعائي المرافق للصراع الديني والاجتماعي والثقافي بين العالمين الإسلامي والمسيحي. أو بين الكنيسة والدول المسلمة التي كانت قائمة.

 من المعلوم أن الصراع الديني تحول مع الوقت إلى مجرد ذريعة سياسية أو إيديولوجية، لأن مجتمعات المسلمين في العصر العباسي وفي الأندلس كانت مجتمعات ضعيفة التدين يميز طبقاتها العليا والمتوسطة الترف والبذخ والتبذير، وينتشر بين أوساطها اللهو والمجون، وحكامها المسلمون كانوا في معظمهم حكاما دنيويين تقودهم مصالح أو أهواء لا ترتبط بالدين سوى من وجهة ضرورات الحكم وبروتوكولات المحافظة على شرعية دينية لعروشهم. والواقع الذي يغفل عنه المحللون في الغالب هو أن مجتمعاتنا تلك كانت مجتمعات مسلمة ثقافيا كما هو شأن المجتمعات الغربية التي توضع عليها شارة المسيحية اليوم كشعار لا يتجاوز في أحسن الأحوال الهوية الثقافية العامة. مع أن هذا لا ينفي عنها الانفعال ولا التفاعل مع الدين لا في الشرق ولا في الغرب.

أما من زاوية سياسية فإن الغرب ما انفك يرفع شعار الحضارة العالمية الإنسانية كيافطة تدل على حضارة الغرب ذات الثقافة المسيحية، والإيديولوجيا الصهيونية. وهو يعمل بإصرار على إخضاع الدول ذات المجتمعات المسلمة إلى هذا الاعتبار كما اعتاد أن يفعل الشيء نفسه مع المجتمعات الأخرى غير المسلمة في شرق آسيا، اليابان والهند والصين وغيرهما. ومع أن حكام الغرب اليوم علمانيون في معظم أحوالهم إلا أنهم ينفعلون ويتفاعلون من منطلقات رواسب ثقافاتهم القديمة كما في القرون الوسطى من تاريخهم.

محاولات شرعنة التبعية، هي محاولات لسرقة شرعية الاستقلال

في الجزائر هناك هذا التشتت النابع من الانتماء المزدوج إلى حضارة عربية إسلامية تتحكم بالثقافة الشعبية التقليدية، وحتى بمنطلقات الثقافة الرسمية للدولة، لأن الثقافة الوطنية بمختلف تعابيرها ظلت راسخة الجذور في الإسلام. بموازاة ذلك هناك الانتماء في الوقت نفسه إلى ثقافة الثورة الشعبية العالمية التي وجدت في الاشتراكية وفي التحديث التلقائي بعدا يجمع بين كل الشعوب التي ناضلت وتناضل اليوم من أجل حظوظ مشتركة مع بقية العالم المتقدم، أو تطالب في الأقل بحظوظ في المساعدة على العيش الكريم، واتقاء شرور المجاعة والتلوث والاحتباس الحراري، وترغب في الهجرة من أجل العمل، وتحسين شروط الحياة. هذه الشعوب التي مازالت تتشبث بالطابع الإنساني للحضارة العالمية ولا ترفضه عمليا.

هذا الازدواج أو الجدل هو مصدر قوة وصمود في وجه الاعتراض الغربي على عودة الحضارة العربية الإسلامية إلى الوجود والحياة، ومصدر لمقاومة عودة الاستعمار تحت غطاء الإيديولوجيا الغربية (العولمة) في الوقت نفسه.

عندما نعود إلى أزمة الشرعية يقابلنا الاعتراض الثقافي على العودة إلى الهوية الأصلية للمجتمعات المسلمة ممثلة بأحكام الشريعة الاجتماعية، والثقافة الفقهية الشعبية، والأحوال الشخصية والمعاملات الأسرية. لعل الدولة الجزائرية انتبهت إلى هذا الجانب باعتمادها قانون أسرة مستمد من الفقه الإسلامي، مما أكسب سياستها مرونة في الجانب الاجتماعي مكنتها من تجنب الاتهام من قبل المجتمع بأنها تتبنى اتجاها يعمل على تخريب وتدمير البنية الاجتماعية انطلاقا من تفكيك الأسرة، لكن الدولة تراجعت عن هذا المسلك التصالحي مع المجتمع فيما يخص الاقتصاد والصيرفة أو النظام المالي والمعاملات البنكية حيث لم تستطع أصلا المبادرة إلى تحرير قوتها المالية، وتوظيف حريتها في التصرف نحو ما يسمى بالسوق الموازية التي تستنزف كثيرا من طاقات الدولة، وتأخذ من وقتها، وتعرقل سياساتها بشكل غير مباشر .

لقد اعتبرت “قوى السلطة” كل نشاط لا يتم عبر البنوك نشاطا موازيا، وصنفت كل المعاملات التي لا تتم عبر النظام المالي ومؤسساته بأنها معاملات موازية، أو تنتمي إلى سوق موازية تعمل خارج نفوذ القانون. وقد استغلت القوى المنخرطة في مسار التبعية، أو الملحقة بالعلمانية هذا الوضع لاتهام كل من يخالفها بأنه ينتمي إلى العالم الموازي الذي حاولت تلصق به صفة تجعله جزءً من “ظلامية” أصولية.

 لقد أشرت في مقالات سابقة إلى أن حركية المجتمع اعتمدت العرف كنظام خاص بها للتعامل أو كوسيلة من وسائل تخطي توجهات سياسية فرضتها ضمنيا قوانين الدولة المالية التي ما زال المجتمع لا يعترف بها إلا مكرها. وحتى إذا لم يكن منطقيا أن يحل العرف محل القانون في دولة “حديثة” إلا أن هذا هو ما حدث بالفعل في الجزائر، والتفسير الذي يقدمه العامة لذلك هو التالي: ما دامت القوانين والتنظيمات وما جرى مجراها لا تنسجم دائما مع مبادئ دينية أساسية في تنظيم العيش وهي مبادئ الحلال والحرام فإن المجتمع (المتدين شكلا) -ومن ضمنه أغلبية من غير الملتزمين- سيلجأ إلى تفاهمات عرفية أضحت مع الوقت ذات حجية فرضها واقع المعاملات على حساب القانون.

وينبغي أن ننتبه ونسجل وجود قوى اجتماعية متنوعة ساهمت في تعميم ذلك العرف على كل معاملة أخرى لا تنسجم مع مصالحها كما حدث مع تجارة سكنات الإيجار التي يمنع القانون المتاجرة بها خارج أحكامه وتنظيماته، وكما يحدث مع قروض الخواص للمقاولين المعروفة بالبيع بالأجل مع زيادة ثابتة في السعر، وقس على ذلك. مثل هذه “التجاوزات” للقانون هي مقتبسة من تطبيقات وحلول قانونية معممة في أوروبا والغرب، وهي حلول موازية لمشكلات تبدو للواقعين في حبالها مفتعلة وربما مقصودة.

 لذلك لم يقتنع المتعاملون والمجتمع عموما بحجج السلطة المقدمة لدعوتهم إلى الالتزام بحدود ما تسمح به وما تحظره هي من خلال القانون والتنظيم، ومن خلال لوائح الإدارة، مادامت هذه الدعوة لا تلبي احتياجاتهم ولا تراعي تزايد مصالحهم وحاجتهم إلى التسريع بحلول لها.

 بل إن المواطن بدأ – مع طول الوقت- يقوم عمليا بتعميم طريقة فهمه لما يراه غير منطقي على كل سلوك الحكومة حتى الذي يصب في مصلحته. استنادا إلى هذا الواقع اليومي يمكن القول إن أزمة الثقة المستمرة في السياسة هي قبل كل شيء أزمة في المعاملات تشمل كل الميادين، وأزمة في القدرة على التجاوب مع مقتضيات التطور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما السياسة سوى المظهر والتعبير الصريح والمكثف عن هذا الوضع غير السوي. بل إن المواطن بدأ ينظر إلى هذا السلوك في العقود الأخيرة باعتباره يجسد الحسد والبخل وعدم الاهتمام بمصالحه واحتياجاته، التي يسميها ويعتبر أنها حقوقه في الدولة وفي الوطن وفي التوزيع العادل للثروة. بل يمكن القول إن إيديولوجيا الحسد هي البديل المتبقي من الاشتراكية التي وجدت في الأصل من أجل العكس من ذلك.

في الجهة المقابلة يمكن القول إن الدولة لم تنتبه إلى أن هذا النوع من التصرف أو التسيير الذي لا يستمع أصحابه لمن يخاطبونهم، ولا يستشرفون مطالبهم، ولا يحاورونهم بجدية حولها طيلة عقود – مع ادعاء العكس- هو الذي وضع ومازال يضع الدولة ككل في نزاع مباشر مع المجتمع ومع خلفيته الثقافية المستندة إلى الفقه والتدين أو حتى من يحرصون على التظاهر في الغالب بعدم المجاهرة بخوض صراع ضد الشرع لأنهم يريدون في الممارسة الدخول في صراع ضد مجتمع مكون من مسلمين غالبتيهم من المتدينين ولو بصورة شكلية.

كثيرا ما طرحت مشكلة الثقة بين المتعامل والدولة، وتمت معالجة هذه المسألة وفق تحليل سياسي مع أن هذا التحليل يكون في الغالب انتقائيا أو حتى إقصائيا بشكل غير مباشر. لكن الواقع كان دائما أكثر تعقيدا من أن يكون سياسيا فقط، إننا في المجتمع الجزائري نعاني من تجاهل حقيقة أساسية هي أن المجتمع يرفض شرعية القانون نفسه المبنية على أولوية الحرام على الحلال. شرعية تتجلى في الاقتصاد وأحيانا في الثقافة، ولا يتعلق الأمر هنا مطلقا بالصراع بين الإسلاميين وممثلي الإسلام السياسي وبين خصومهم، بل يتعلق الأمر برفض التبعية لمجتمع آخر هو المجتمع الفرنسي. إنه اختلاف وخلاف بين المجتمع والدولة – الدولة التي تعلن الإسلام في دستورها دينا للدولة بناء على بيان أول نوفمبر- على شرعية أسس المعاملات الاقتصادية وقانونيتها التي أفضي تطبيقها إلى “الاستغلال” و”الاحتكار”، وإلى حصر المعاملات المالية في تعاملات “حرام” مثل الربا.

هذا الاتجاه يفسر بأن هدفه هو دفع أغلبية السكان إلى مقاطعة كل ما هو “حرام” أو “ربوي” لا يوجد ما يبرره لا في النصوص الأساسية للثورة، ولا في صريح نصوص الدولة، ولا في الثقافة الشعبية السائدة المبنية في أكثر من 90 بالمائة منها على فهم تطبيقي وممارسة عاقلة لمفاهيم وأحكام فقهية.

لو أن الدولة تحررت من التبعية غير المبررة للثقافة القانونية الفرنسية، التي تعتبر الأكثر بيروقراطية وتشددا ضمن الثقافة الغربية، لأمكن تلافي نفور أغلبية المجتمع من السياسة المالية للإدارة ولأمكن بدلا من ذلك ترسيخ أرضية توافق وتعايش بين المجتمع والمؤسسة الرسمية، وإزالة معظم الاعتبارات السلبية الراهنة التي تحول دون تصحيح أوضاع السوق والاقتصاد من الوجود بصورة تلقائية ، لكن هناك هذا الإصرار غير المفهوم على ترك الرؤية البيروقراطية للتسيير المالي والاقتصادي تخرب العلاقة بين المجتمع والدولة أو تجمدها في الأقل، مع إدراك أن هذه الرؤية المعيقة للاقتصاد هي جزء من سياق مرتبط سلبيا بمخلفات الاعتراض الغربي والصهيوني خاصة على عودة ثقافتنا الوطنية إلى ممارسة دورها الطبيعي في الحياة السياسية.

 هذه الوضعية هي اليوم المشكلة التي تطيل أمد معضلة الثقة المبحوث عنها بين الحاكم والمحكوم، وتحولها من ظاهرة سياسية عارضة إلى ظاهرة اجتماعية في شكل مرض مزمن يعطل عمل بنية المجتمع وبنية الدولة معا بشكل مستمر، من خلال وضعهما في موقف تناقض متبادل وتعارض مفتعل.

واستطرادا نقول: كان من الأجدى للذين يريدون التخلص من تيار الإسلام السياسي أن يكتفوا لو تعلقت نواياهم بمجرد النفور منه، والخصومة السياسية معه وحده، لا مع مؤسسة المجتمع أيضا، كان أجدى أن يبادروا إلى تفكيك هذا النوع من الألغام التي توفر، لهذا التيار ولغيره، أساسا قويا للتجذر داخل المجتمع وداخل اللاشعور الجمعي الذي يطلق التعليمات باتجاه السلوك الفردي والجمعي موعزا برفض كل ما يمثل سلطة الدولة، أو ما يصدر عنها وفق ذهنية “رزق البايلك” التقليدية القديمة التي تحفز المواطن على التمرد وعلى السلبية، كما كان عليه سلوك الإنسان الجزائري إزاء الاحتلال الأجنبي كشكل من أشكال العصيان والمقاومة.

الثقة السياسية مرتبطة بالثقة المالية، وهي هوية اجتماعية أولا.

لنتأكد من صحة هذه المعاينة ومن سلامة التشخيص الذي تقترحه بوسعنا أن ننظر في طبيعة النظام البنكي الوطني، وفي خلفيات طريقة معاملته لزبائنه، ونفحص مفهومه لنوعية الخدمات التي يفترض أن يقدمها لهم، ففي خدمة القروض التي يقدمها البنك لزبائنه من الطبقة شبه المتوسطة عندنا المكونة من موظفين وكوادر ومن مقاولين صغار وأساتذة، وهي قروض مجالها السكن في الغالب أو تغذية الحسابات والسيولة، وهي معاملات مبررة بفتاوى مرنة تجوزها للضرورة في الغالب، فإن طريقة الحساب عند تسديد الأقساط الشهرية تكشف أن النظام البنكي ليس له علاقة بمفهوم الخدمة الاجتماعية بقدر ما هو شكل من أشكال الحيلة التجارية التي تمكن البنك من استغلال هشاشة هذه الطبقة، واستنزاف إمكاناتها المتواضعة.

هناك حاجة مستعجلة هنا إلى قرار سياسي بإصلاح النظام المالي والمصرفي بشكل شامل بما يجعله سريعا وفعالا ودافعا لعجلة التنمية بقوة، قرار لا يكون له معنى إلا إذا تم فعلا استبعاد كل نظام يقوم على الفوائد المركبة التي تتزايد أضعافا مضاعفة وتستهدف بقصد أو بدون قصد افتعال الغبن لدى الطرف الأضعف في المعاملة أي الأفراد والشركات الصغيرة. وقد فعلت ذلك العديد من الدول بصورة تلقائية كجزء من التحسين الدائم لمنظوماتها.

وبالاستناد إلى مفاهيم الاشتراكية، ومفاهيم اقتصاد السوق الاجتماعي، والفقه أو المرجعية الفقهية الوطنية “المالكية” يصبح من الضروري منع اللجوء إلى كل طريقة للحساب تعتمد أو تسمح بالفوائد المركبة في حق الأشخاص والشركات، وذلك نظرا لطابع هذا النظام الاستغلالي والمتوحش، ونظرا أيضا للخسائر التي يتسبب فيها للاقتصاد الوطني.

 إن المشكلة هنا هي مشكلة ثقافية واقتصادية معقدة من شأنها أن تبقي الاقتصاد الجزائري متعثرا لقرون، وعاجزا في الوقت نفسه عن إنجاح أي إصلاح، أو تحسين، أو تطوير لهذا النظام فوق “الربوي” المعرقل للاستثمار، والمعارض لكل توازن اجتماعي، وينبغي أن نأخذ العبرة من  الاتجاه المتزايد في البلدان الرأسمالية نفسها نحو التخلي عنه. أما تكرار المزاعم بأنه أي هذا النظام الربوي الاستغلالي يجد تبريره في كونه يخدم مصلحة الدولة، ومن خلالها المصلحة العامة، فهو مجرد تلاعب تقني مجمّل وغير مُقنِع، بل إن هذا النوع من التبرير هو كذب على الذقون من شأنه أن يزيد من تفاقم مشكلة الثقة بين الحاكم والمحكوم.

في التطبيق نعرض مثالين من الواقع عن طرق التعامل المطبقة عمليا بين البنوك وزبائنها: المثال الأول عن قرض السكن: فلو افترضنا أن موظفا طلب قرضا لشراء مسكن لائق، وحصل عليه ثم بدأ في تسديد الأقساط، فبغض النظر عن قدراته على التسديد، وعلى الاستمرار طيلة المدة التي تستمر لعقد، أو لعقود، و بشكل منتظم، فإن طريقة الحساب تتم كالتالي فإذا كان القسط هو 100.000.00 د.ج شهريا مثلا فإن .5000دج هي حصة التأمين الشهري، و 70.000.00 د.ج، من القسط الشهري هي حصة البنك من الفوائد و 40.000.00 د.ج هي ما يسدد كل شهر من أصل الدين، هذه المعلومات لا تقدم للمستفيد عند طلب القرض، وإنما عند الاستفسار، أو عند وقوع مشكلة تعترض السير السليم والطبيعي للتسديد.  المثال الثاني عن دفتر التوفير والادخار: شخص طبيعي فتح دفترا للادخار لوضع مبلغ مالي حصل عليه (إرث مثلا) وبعد سنوات حدث اختلاس في الدفاتر من قبل موظف في البنك، فوجئ صاحب الدفتر بفراغ حساب ادخاره من الرصيد فقدم شكوى لاسترداد مستحقاته لكن الموظف زور التوقيع وهو في حالة فرار، بعد سنوات من رفعه دعوى أمام القضاء، مازال المعني ينتظر رأي المحكمة العليا في الحكم الصادر لصالحه.  هذه الأمثلة وأمثلة أخرى عن غياب التدابير لتسوية وضعيات وإنجاد مؤسسات وشركات في حالة إشكال وعسرة مع الإدارة تبين أن الجهود المطلوبة لاسترجاع ثقة الناس بالدولة تمر باسترجاع ثقتهم بالمؤسسة المالية الجبائية والبنكية وتمر بفتح المجال أمام النشاط الخاص والقيام بتقنينه بالطريقة التي تضمن المصالح، وتريح أصحاب الحسابات، وتعطي تسهيلات وتفضيلات للمتعاملين مع البنك بدلا من محاولة استنزاف طاقاتهم.

هذان مثالان يبينان بوضوح أن اهتمام البنكيين بأحد أهم عاملين (الترغيب والترهيب) في السلوك البشري: أي الترغيب، أو الإغراء، هو وسيلة لكسب الثقة، لكن الإغراء لا ينبغي أن ينتهي بصاحبه أي المؤسسة المالية إلى الغش أو الكذب والمخادعة لأن المطلوب الأول هو كسب الثقة والعمل على تعزيزها باستمرار لأن الثقة المالية كانت وتبقى هي ضمان الصحة الاقتصادية، والمصداقية، والفعالية على الأرض، والثقة المالية والثقة السياسية تتبع إحداهما الأخرى وتنتج عنها أو تكون سببا لها.

إن نجاح أي نظام مالي أو مصرفي في جلب الناس والأموال نحوه، يتوقف على ما يمنحه من عروض جيدة تتضمن امتيازات وتسهيلات مفيدة ومربحة لمن يستهدف ترغيبهم على المدى القصير، ومربحة ومفيدة للبنك والمؤسسة المالية والنظام المالي على المديين المتوسط والبعيد، فالاقتصاد والدولة يستهدفان الاستمرار والبقاء، ويطلبان الازدهار من وراء تشجيع ومساعدة الأفراد والشركات على بناء وتكوين الثروات ومضاعفتها بالعمل المنتج، لأن الدولة في مفهومها العميق هي خدمة للمجتمع وليست تاجرا جشعا، وكل ما ينتمي إليها من مؤسسات تحكمه هذه الفلسفة.

 أما إصلاح النظام المالي فهو يعني انتزاع وسائل الثروة من الفساد والفاسدين ووضعها بين أيدي المجدين من أصحاب المهارة والذكاء والخبرة الواسعة. وهناك من قال: “إذا استشرت فاسدا فلن تحصل سوى على حيل وفخاخ”.

تفاؤل الرئيس: تجنيد طاقات البلد البشرية، تعويض الولاء بالكفاءة.

يبدو الرئيس متفائلا بالعملية الإصلاحية، وتفاؤله مبرر بالإمكانات الموجودة نظريا وعمليا بين يدي المسؤولين، وبدعم مؤسسات الدولة لقراراته، والتزامها الكامل بتنفيذها. لكن المشكلة تكمن في الأذهان المكبلة بالتبعية لما هو أجنبي الذي ليس دائما سيئا، لكنه لا يفضل مصالحنا على مصالحه. الأذهان مكبلة أحيانا بأفعال عرقلة ينبغي محاربتها بقوة وصرامة، منها ما هو عادات سيئة موروثة عن تسييربيروقراطي وفوضوي سابق، ولكن منها ما يتعمد إفشال كل مجهود تبذله الدولة خدمة لأجندات غامضة لا ينبغي التساهل في أمرها. لأن العادة أن الشوائب الصغيرة تتجمع وتسد باب الأمل عن أمم بكاملها.

عندما نعود إلى أصل القضية، أي الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمجتمع، لا بد أن ننتبه إلى الجذور الثقافية والاجتماعية الممتدة عميقا خلف الظاهرة السياسية، كما ننتبه إلى كون المعالجة السياسية الصرفة لا يمكن أن  تتجاوز السطح إذا توقفت عند العملية الانتخابية وشروطها، و عند ضرورة مشاركة الأحزاب في العمل السياسي داخل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، لأن إعادة ترتيب معطيات العلاقات بين الدولة والمجتمع يمكن أن يؤدي إلى تغيير بنية النظرة السياسية إلى التغيير والتطوير والتنمية بصورة كلية، الأمر الذي من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة في حياة كل من المجتمع والدولة. إن الانشغال بالبعد التكتيكي الظرفي في تسيير العمل السياسي هو الذي يحول دون التوصل إلى استراتيجيات كلية شاملة طويلة الأمد، كما يحول دون جذرية الحركة وتحصيل التغيير الكلي الذي يقطع ويعيد التركيب دون الدخول في صراع مع الذات ومع الهوية ومع الرموز.

وختاما نتذكر قول من قال، إن الجزائر ليست فرنسا، ولن تكون فرنسا، ولن تستطيع أن تصبح فرنسا ولو أرادت ذلك بإخلاص وصدق، ونزيد على ذلك: إن الجزائر هي الجزائر ولن تكون غير الجزائر، ولن تستطيع أن تتخلص من جلد ها وروحها، ولو أرادت ذلك. إنها الكل الذي لا يتغير بشكل صحيح إلا إذا تغير كليا. وهو لا يتغير إلا إذا عاد إلى كليته وحقق استقلاله التاريخي التام، واخترع لنفسه حداثة غير مسبوقة، وتميزا عن الآخر تميزا جذريا. وما عدا ذلك ليس أكثر من تضييع للجهد والوقت في عصر السرعة والتسارع.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. هناك قاعدة قانونية تقول ان القانون في شموليته ينظم ويسهل وياطر العلاقات في شموليتها بين افراد المجتمع هدا في ادهان وعقول الاسوياء الاكفاء اما في عقول المرضى الجهلاء فتعريف القانون هو الدى يعرقل وياخر ويهدم العلاقات بين افراد المجتمع ونفس هده القاعدة في معتقدات من يسن القانون فالقانون لدينا ياتي بمعنى المنع اما لدى الغرب عموما فهو بمعنى الحق.دهبت الى احدى الادارات اساءل عن ملف يفترض انه كامل لما سالت الموظف عن عدم ارساله للتاشيرة لدى ادارة اخرى اجابني لاني لم ااتي اليهم ولم اطلب والح على دالك مع ان العمل تلفائى ولا يتطلب حضوري.

  2. الدولة الجزائرية بكل مؤسساتها في جهة والمواطن في جهة اخرى فتعملات المواطنين فيما بينهم في جميع المجالات تتجاوز قوانين الدولة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here