د. محمد الأمين تومي: تصحيح الفهم الخاطئ لإسقاط أنظمة الحُكم

 

 

د. محمد الأمين تومي

ليس عَيبًا أن تخسر معركة، لكنّ العَيب أن تخسر حربًا مِن عدّة معارك و قد دخلتَ الواحدة تلو الأخرى مكرِّرًا نفس الإستراتيجية بأخطائها القاتلة. يصبح هذا السيناريو المُرعب واقعًا مُعاشًا في أيّ مجتمع بشري، يطمح للتّغيير نحو الأفضل، إذا لم يهتدي أفراده إلى السُّبُل العلمية التّي تؤمّن لهم مبتغاهم بأقلّ الخسائر، فالخسائرُ عرَضٌ جانبي لابدّ منه في كل المعارك، فائزًا كُنتَ أو خاسرًا. و لمّا كانت مبادئ علم الإجتماع Sociology مِن الضّروريات العلمية للإنسان، فإنّ المُتتبِّع لثورات “الرّبيع العربي” يُدرك فقدان الشّعوب المُنتفضة لهذه المبادئ، لعدّة أسباب أهمّها عدم الإنصات للمُختصّين في هذا المجال، الذّين حاولوا رغم كلّ العقبات توعية المجتمع بما يجب فعله قبل فوات الأوان، ما سبّب فهمًا خاطئًا مِن قِبل الشّعوب ِلماهية التّغيير و آليّات تطبيقه على الأرض. و لعلّ القاسم المشترك بَين الشّعوب المُنتفضة هو مطلب التّغيير الجذري لـ “النّظام” بكلّ بساطة، دون اقتراح البديل التّطبيقي الذّي يُنشئ ما يتصوّرونه في الوعي الجماعي Collective consciousness كحُكمٍ رشيد، فكانت النّتائج كارثيّة على الأوطان بغضّ النّظر عن الفائز بالسُّلطة. لذا، قد يكون لِزامًا علينا الحديث عن معنى “النّظام” بالمفهوم الإجتماعي لرفع الإلتباس النّظري الحاصل لدى النّاس عمومًا و الشّعوب العربيّة خصوصًا. و لا أخُصّ بالذّكر الشّعوب العربيّة لقلّة وعيها أو هشاشة ثقافتها، بل لانغماسها المركزي في موجات عالميّة من الإحتجاجات الشّعبيّة التّي تُنادي بإصلاح الأوضاع المعيشة عبر تغيير شامل في منظومة الحُكم. فالنّظام السّياسي لا يعدو أن يكون الواجهة الفلسفية لنظام إجتماعي هرمي مكوّن من قمّة (رئيس الدَّولة) و قاعدة (عامّة الشّعب). و لمّا كان الإنسان كائنًا إجتماعيًّا بطبيعته، أدرك على مَرّ آلاف السّنين ضرورة إنشاء نظام تراتُبي يضمن استقرار المجتمع بحقوق أفراده و واجباتهم، و لا مجال لذلك إلّا باختيار مَن يسهر منهم على توفير احتياجاتهم المشتركة التّي تُؤمّن لهم البقاء Survival. أمّا و قد ازداد عدد المجتمعات و تنوّعت تفاعلاتها فيما بينها، فقد أصبح دَور “الرّئيس” أكثر تعقيدًا، الأمر الذّي استوجب استحداث مُساعدِين و مستشارين، طبعًا من عامّة الشّعب، و لو كان ذلك بمعايير مُحدّدة.

أمّا مِن النّاحية البيولوجية، فلا يتعارض ما سبق ذكره مع النّزعة الإنسانية التّلقائية لتكوين “مجتمع” يسود فيه بعض الأفراد على غيرهم، و ذلك راجع بالأساس لشخصيّة الفرد و مقدار حُبّه للسُّلطة، فالسّائد Dominant مِنهم أكثرُ اندفاعًا من المُتنحّي Recessive نحو السُّلطة و مسؤوليّاتها، ليس لأنه أكثر كفاءة بالضّرورة، إنّما لنزعته القويّة لأن يكون في أعلى طبقات الهرم. و بما أنّ الفلاسفة على اختلاف رؤاهم يُجمعون على أنّ توجّهات الإنسان تُحرِّكها المصالح، توافقًا مع الحقائق البيوسيكولوجية التي تُفيد بأن سلوك الفرد يخضع للمكافأة Reward-seeking behavior، إذ يبحث لاشعوريًا عن مكافأة معنوية (و إن كانت ماديّة فالأمر سيّان بالنسبة للدّماغ البشري) بسلوك يقوم به تجاه محيطه، فالمصالح إذن تتحكّم في توجّهاتنا الإجتماعية بشكل عام، و من مظاهر ذلك سعي الأفراد نحو السُّلطة لِما يبتغونه من مكافآت لا يرَون سبيلًا للحصول عليها غير كونهم في مراتب عُليا من النّظام الإجتماعي. كلّ هذه الحقائق العلمية تجعل مِن مطلب “إسقاط النّظام” ضربًا من الخيال يوازي في معناه استبدال شعب بشعب آخر! ففي لحظات من الغضب الممزوج بالحماس الشديد، تنادي الجماهير دون أدنى تفكير عقلاني بتغيير الأنظمة القائمة، غير مُدركةٍ أنّها جزء لا يتجزّأ من هذه الأنظمة، السّياسيّة في مظهرها و وظائفها، الإجتماعية في مصدرها و تركيبتها. من جهة أخرى، يُدرك الماسكون بمقاليد الحُكم أنّ المطلب الأساسي للشّعب غير واقعي، بغضّ النّظر عن شرعيّته تُجاه منظومة سياسيّة مختلّة لا ترقى لتطلّعاته.

ذلك أنّ نظرة الفرد تختلف باختلاف موقعه في الهرم الإجتماعي، فالذّين يشغَلون المراتب العليا يعلمون أكثر من غيرهم مدى ارتباط طبقات الهرم و تشابكها، ما يجعلهم مقتنعين قناعة راسخة أنّ خُسرانهم لمواقعهم لن يُفيد البلاد في شيء إلّا أن يشغَلَها أفرادٌ آخرون يبتغون من المكافآت ما يبتغون، لتكون نتيجة ذلك عنادًا شعبيًّا يُقابله عنادٌ سُلطوي يؤدّي إلى تعقيد الأمور و خروجها في غالب الأحيان من دائرة الإحتجاجات السّلميّة إلى المواجهات العنيفة مع قوّات حفظ النّظام العام.

أمّا ما يدعو للإستغراب حقًّا في الإنتفاضات الشعبيّة دون استثناء هو ما يسمّى بازدواجيّة المعايير أو الكَيل بمكيالَين، و هو مفهوم سياسي اكتَسب عام 1912 معناه المُتداول حاليًّا و يتمّ استعماله في مختلف الظواهر الإجتماعية، بحيث تَتّهم عامّة الشّعب الطّبقات العليا بالفساد بكلّ أنواعه، لكنّها تتغاضى عن حقيقة يعلمُها الجميع و هي أن الفساد ينخر الهرم الإجتماعي بكامله، ما يدفعنا للجزم بأن كلّ الأفراد باختلاف وظائفهم مسؤولون عن الوضعية الكارثية التّي آل إليها المجتمع. فهل يحِقُّ للبُسطاء المتواطئين في تعميم الفساد أن يحتجّوا ضدّ الفاسدين المفترَضين في قمّة السُّلطة؟ أبدًا، إذ لم يحدث على مرّ التّاريخ أن صُنّف الفساد إلى قسمين: كبير يستوجب العقاب و صغير لا يستحقّ العتاب! فلَو زرعنا فردًا فاسدًا في قمّة المدينة الفاضلة لأفلاطون Utopia، لَانحسر الفساد في شخصه (أو طبقته على أقصى تقدير) إلّا إذا وُجدت داخل المجتمع قابليّةٌ لتبنّيه و تعميمه. ما الحلُّ إذن لهذه المُعضلة التّي تبدو “فِطريّة” في أيّ مجتمع بشري؟ يكمن الحلّ الوحيد في احترام القوانين المُنظّمة للمجتمع و تطبيقها بصرامة، و هذا الإحترام بذاته يستوجب الإلتزام من جميع أفراد المُجتمع بصَون مضمونها الفلسفي من التّلاعب و التّحريف، فابتغاء المُكافآت و الحفاظ عليها لا يجب أن يتمّ عبر الدَّوس على القوانين أو إعادة صياغتها حسب رغبات شخصيّة أنانيّة.

لذلك، فإن إحترام القوانين و تطبيقها بالعدل على الجميع من التّحدّيات العظيمة داخل المجتمعات المعاصرة التّي تتميّز عن سابقاتها بتعقيدٍ شديدٍ من حيث شبكة العلاقات الإجتماعية و تدخُّل عدّة عوامل مؤثّرة على سلوكيّات الأفراد و مدى مقاومتهم للإغراءات الرّبحيّة على حساب التزامهم بالقوانين. وقد نجحت عدّة دول حول العالم في ذلك، بغضّ النّظر عن طبيعة نظام الحُكم لديها، بعد ثورات شعبيّة ومعارك فكريّة رسّخت لدى الجميع قناعة أنْ لا سبيل للتّطوّر والإزدهار إلّا من خلال احترام القوانين وفرضها على الهرم الإجتماعي، فكانت النّتيجة الحتميّة نظامًا سياسيًا سليمًا يستمدّ شرعيّته و قوّته مِن الطّبقات السّفلى، و لا أدلّ على ذلك من استقالة المسؤول الرفيع و اعتذاره للجمهور واستعداده للمُساءلة والتّحقيق عقب حدثٍ أضرّ بالمجتمع، لا لشيء إلّا لإدراكه بحجم المسؤولية المُلقاة على عاتقه ولإيمانه باحتمال وجود مَن هم أحقّ منه بالمنصب، فينسحب بكلّ نُبل وشرف إن أحسّ بتأنيب الضّمير على إثر تقصير منه أو مِمّن دونه من الموظَّفين.

لذا فمِن الحكمة أن تتدبّر الشّعوب في تاريخها وتلتزم بالقوانين و الضّوابط الإجتماعية، مع الإحتفاظ بحقّها الثّابت في الإحتجاج السّلمي، بشرط أن تكون طلباتها واضحة، هادفة، و واقعيّة بالمفهوم العلمي، يُمكن تلبيتها على فترات محدّدة بإشراف حُكمائها و مثقّفيها، و ما أكثرهم.

أستاذ جامعي – الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here