د. ماجد العبلي: حزب الفقراء العربي

د. ماجد العبلي

الصراع: حقيقة كبرى تقوم عليها ديناميات الحياة؛ فكل الكائنات تخوض صراعاتها المتعددة. والإنسان، باعتباره أحد هذه الكائنات، يخوض صراعاته متعددة الجوانب والمستويات: فهناك صراعه مع نفسه، وصراعه مع غيره من الناس، وصراعه مع الطبيعة، وصراعه مع قوى ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)..

وصراع الإنسان مع (أخيه الإنسان) أفرز حقيقة: الطبقية، إنها حقيقة تاريخية كبرى أفرزتها (علاقات الإنتاج)؛ حيث ينقسم الناس – وفقا لتلك العلاقة- إلى طبقتين: طبقة تحتكر القيم الاجتماعية: وسائل الإنتاج (الثروة) والسلطة، وتوظفهما للاستغلال. وطبقة عاملة فقيرة مهمشة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا. مع عدم التغاضي عن طبقة ثالثة (الطبقة الوسطى) تظهر في اللحظات التاريخية (الجميلة)؛ علما أن اللحظات الجميلة قليلة جدا..!

ويبدو أن الصراعات الإنسانية تنقسم إلى نوعين:

النوع الأول: صراعات زائفة:

وهي صراعات صفرية (احتكار مقابل حرمان) تبدّد طاقات الفقراء، أفرادا وجماعات، وتجعلهم مهزومين ومأزومين باستمرار، إنها تلك الصراعات الناتجة عن الانتماء لكيانات اجتماعية ذات طابع رأسي أو هرمي، كالانتماءات الدينية أو المذهبية أو العرقية أو القبلية..

وهي صراعات زائفة؛ لأنها تقوم على التبعية، ولأنها توظّف الفقراء للنضال من أجل مصالح طبقة المحتكرين للثروة والسلطة؛ والتي هي مناقضة لمصالح طبقة الفقراء؛ حيث يزداد المحتكرون تغوّلا ضد الفقراء كلما قاتل الفقراء أكثر للدفاع عن مصالح المحتكرين.

وهي زائفة أيضا لأنها لا تحلّ مشاكل المجتمع، بل تعيد إنتاجها واستدامتها..!

ولكون الانتماءات الرأسية انتماءات زائفة؛ فإنها انتماءات مضلِّلة تجعل رؤية الأفراد والجماعات مشوّهة، وتجعل من الفقراء أدوات غبية، أو أوراق لعب في أيدي النخب (محتكري الثروة والسلطة) الذين يتربعون على رأس هرم الكيانات الرأسية الزائفة ويتمتعون بها..

ولكي تستمر هذه الكيانات الاجتماعية الزائفة، فإن التحدي التاريخي الذي يواجهه رؤساؤها، هو قدرتهم على استدامة إنتاج وترويج وتبرير التضليل: تضليل جماهير الفقراء؛ لكي يظلوا مشتتي الرؤى، ويظل كل فرد منهم وحيدا أعزل ضعيفا، بحيث لا يرى فرصة له في العيش، في ظل هذا التضليل، إلا بالمزيد من الانتماء لأيٍّ من هذه الكيانات الرأسية الزائفة والولاء لرؤسائها. وكل ذلك مقابل الحصول على عيش الكفاف الذي يزوده بالطاقة الكافية لخدمة رؤساء الكيان الزائف الذي ينتمي إليه..!

والمعيار في ذلك كله هو(المصالح).. فهناك مصالح تاريخية لرؤساء هذه الكيانات الزائفة (وهي مصلحة طبقة المحتكرين) بأن يظلوا يتمتعون باحتكار السلطة والثروة على حساب جماهير الفقراء (القطيع) الذين يتم تضليلهم باستمرار، وتزييف رؤاهم وصرفهم عن مصلحتهم الحقيقية- الطبقية.

النوع الثاني: صراع حقيقي:

وهو صراع غير صفري (توزيع عادل نسبيا) يراكم طاقات الفقراء، ويمكّنهم من السيطرة على عملية صنع القرار الاجتماعي.. إنه الصراع الناتج عن الانتماء لكيانات ذات طابع أفقي أو (مِشْطِيّ) إنه الصراع الطبقي.

وهو صراع حقيقي لأنه لا يقوم على التبعية، ولأنه يدفع الفقراء للنضال من أجل تحقيق مصالحهم باعتبارهم الأكثرية الساحقة في المجتمع؛ الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بأفضل صورة واقعية ممكنة؛ ما يعني حلّ معظم مشاكل المجتمع.

والانتماء الأفقي؛ لكونه انتماءً حقيقيا؛ فإنه يجعل رؤية الفقراء سليمة وواضحة، ويجعل منهم قوة هائلة وقائدة للمجتمع.

ولكي ينشأ هذا الكيان الحقيقي (الأفقي)؛ فإن التحدي التاريخي الذي يواجهه طلائع الفقراء هو: إنتاج أداة اجتماعية شرعية كفؤة وفعالة تتبنى خطابا إبداعيا، وترويج هذه الأداة لتوعية جماهير الفقراء بمصلحتهم التاريخية، وجذبهم وإقناعهم بالعودة لانتمائهم الطبيعي الحقيقي: الانتماء لطبقة الفقراء، والذي سيجعل رؤيتهم الاجتماعية التاريخية واضحة كوضوح الشمس في الهاجرة: إنها تتمثل بالتوزيع العادل للسلطة والثروة في المجتمع.

والمعيار في هذا أيضا هو المصالح؛ فهناك مصلحة تاريخية للمجتمع بأن يستعيد السلطة من هذه الكيانات الزائفة القائمة على ظلم واستغلال جماهير الفقراء. هذه المصلحة تتمثل في العدالة في توزيع القيم في المجتمع.

وعودة الفقراء للانتماء لطبقتهم لن يحدث بإشراقة صوفية مرة واحدة، إنها سيرورة تاريخية لن تتحقق إلا من خلال بناء مظلة اجتماعية شرعية تقود نضالهم المرير لتحقيق مصالحهم بالتدريج؛ الأمر الذي سيجنّد الفقراء شيئا فشيئا تحت هذه المظلة. وهذه (التراكمات الكمية) ستتحول في لحظة تاريخية معينة لـ(تحولات نوعية) تمكّن من بناء مجتمع العدالة والمساواة.

وهذه المظلة الاجتماعية الشرعية قد تتمثل بإنشاء حزب سياسي تحت مسمى: (حزب الفقراء)؛ فمن هؤلاء الفقراء واقعيا؟

إنهم جموع العمال والحرفيين، والموظفين، والطلاب، والنساء، وصغار المقاولين والمزارعين والتجار، والعاطلين عن العمل، والمتقاعدين، وذوي الاحتياجات الخاصة، وكل من يعاني من التهميش، وكل من يتبنى مصالح الفقراء مبدئيا ويساندهم. وهؤلاء يمثلون الأكثرية الساحقة في المجتمع.

إنني لا أدعو إلى ثورة جماهير الفقراء ضد الأقلية التي تحتكر السلطة والثروة، بل أدعو الفقراء لأن يجعلوا انتماءهم لطبقتهم الانتماء الاجتماعي الأول لديهم؛ لأن هذا الانتماء سيجمعهم في كتلة اجتماعية واحدة ذات رؤية واضحة، وهذه الكتلة ستكون الكتلة الأكبر والأثقل والأقوى في المجتمع؛ وهذا سيؤهلها لأن تقود التغيير التاريخي المتمثل بتغيير شروط اللعبة الاجتماعية؛ لتكون عادلة تحقق رفاه المجتمع واستقراره وقوته. وهذا قد يكون الخيار التاريخي الإبداعي للشعب العربي للانعتاق من كل القهر الذي تجرعه على مدى سبعة عقود مضت على الأقل.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. روشدي
    شكرا د. على المقال الرائع
    لكن كيف نبني مجتمعا يناضل من اجل تحقيق طموحاته في ظل
    التشردم.لقد خربوا التعليم.حاصروا حرية التعبير.نشروا المخضرات
    و الرديلة بين الشباب الدى يمثل 40% من سا كنة الدول
    العربية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here