د. ماجد العبلي: الولاء: العلة العربية الثامنة

د. ماجد العبلي

تناولت سابقا سبعَ عللٍ يعاني منها النظام العربي هي: الأحادية، والتكيف، والإفراط والتفريط، والتسول، والروبوت، وحرق السفن (طريق اللاعودة)، والهروب للأمام (رمُّ الجرح على فسادٍ). وفي هذه المقالة سأتناول علة ثامنة يعاني منها النظام العربي وهي علة الولاء.

تدور معظم معاني الولاء لغة واصطلاحا حول التبعية والمناصرة والتأييد، سواء أكان دينيا أم سياسيا أم اجتماعيا أم ثقافيا أم وظيفيا. وللولاء طرفان: المُوالي والمولى؛ حيث المُوالي تابع والمولى قائد (متبوع).

والولاء نزعة إنسانية عامة فردية وجماعية؛ حيث لكل شخص او جماعة ولاءات متعددة، غير أنه يغلب على كل شخص او جماعة أن يكون لديه/ لديها ولاءٌ أعلى يضبط كل هذه الولاءات؛ فقد يكون الولاء الأعلى لله، وقد يكون للإنسانية وقيمها العليا، وقد يكون للأمة، وقد يكون للوطن، وقد يكون للحاكم، وقد يكون للطائفة أو المذهب، وقد يكون للحزب أو النقابة أو الجماعة على اختلافاتها، وقد يكون للفكرة، وقد يكون للذات أو للآخر..

وللولاء مستويان: باطني يصعب التحقق منه، وظاهري يمكن ملاحظته بالأقوال والأفعال، وهو المقصود في هذه المقالة.

لقد استطاعت المجتمعات المتقدمة -بعد صراعات تاريخية طويلة- أن تحسم ولاءها الأعلى ليكون للمصالح الاستراتيجية للأمة باعتبارها مرجعية عليا تسمو على مؤسسات الحكم والجماعات والأشخاص؛ الأمر الذي وحَّدَ المجتمع، وأنتج في عقله الجمعي رؤى استراتيجية عامة واضحة حاضرا ومستقبلا، تبلورت على أرض الواقع استقرارا اجتماعيا وأمانا اقتصاديا وقوة سياسية.

أما المجتمعات المتأخرة فلا تزال تتخبط في دوامة الولاءات الجهوية والفئوية المتضاربة عموما؛ ما كرّسَ انقساماتها، وحال دون تبلور رؤى استراتيجية جماعية، الأمر الذي جعلها ويجعلها تائهة حاضرا ومستقبلا؛ ما يعني أن الولاء بالنسبة لهذه المجتمعات يعدُّ إشكالية كبرى تزعزع الاستقرار الاجتماعي وتسلب الأمان الاقتصادي وتعطل القوة السياسية أو تهدمها.

ونحن العرب، كجزء من هذه المجتمعات المتأخرة، سادت في مجتمعنا، منذ العهد الأموي وحتى اللحظة الراهنة، فكرة الولاء للحاكم باعتبارها الولاء الأعلى أو القيمة العليا التي تسمو على كل القيم الأخرى التي يجب أن تنحني لها، وتتكيف معها، كل الولاءات الأخرى؛ وذلك تحت طائلة الترهيب والترغيب: السيف والذهب.

وإن سمو قيمة الولاء للحاكم على كل القيم والأفكار الأخرى في المجتمع تجعل للحاكم قيمة مقدسة ثابتة تعلو على الرتبة البشرية لشعبه وكأنه آلهة لا يجوز نقدها تحت طائلة التكفير السياسي الاجتماعي الديني، وهذا يشكل علة كبرى تتهدد بعمق بنى المجتمع العربي استراتيجيا؛ حيث تتجلى واقعيا في العديد من المظاهر المَرضيّة القاتلة منها:

1-تزوير المصالح العامة للمجتمع، بحيث تصبح المصالح العليا للمجتمع تتمثل –زورا وبهتانا- ببقاء الحاكم وصون عرشه، ولو كان الثمن التنازل عن السيادة الوطنية، أو التفريط بالمصالح الاستراتيجية العامة للمجتمع.

2-شرخ المجتمع والعبث بوحدته الوطنية، حيث تقوم أدوات الحاكم على الدوام بالتمييز بين المواطنين وتصنيفهم إلى صنفين: الأول موالٍ للحاكم، والثاني معادٍ له؛ وتعمل على تحفيز ودعم صنف الموالاة للاستقواء على المعارضة وتشويه رموزها تحت ظل الحماية القانونية المتحيزة؛ الأمر الذي يؤسس لعداء داخلي بين شرائح المجتمع.

3-تبرير وشرعنة مكافأة الموالاة، والتي يتم تصنيفها إلى ثلاث طبقات: الأولى: وتتمثل بنخب الموالاة، وتتم مكافأة أعضائها بالمناصب العليا والمكاسب الكبرى. والثانية: وتتمثل بأشباه النخب، وتتم مكافأتهم بمكاسب معيشية متواضعة. والثالثة: وتتمثل بعامة الموالين، وتتم مكافأتهم بالمجاملات وبعض الفتات.

4-تبرير وشرعنة قمع وتهميش وإفقار المعارضة بتصويرها من خلال أدوات دعاية الحاكم -زورا وبهتانا- معادية للوطن، حيث يتم تصنيفها إلى ثلاث طبقات أيضا: الأولى: وتتمثل بنخب المعارضة، وتتم معاقبتهم بالقمع والترهيب. والثانية: وتتمثل بأشباه النخب، وتم معاقبتهم بالتهميش. والثالثة: وتتمثل بعامة المعارضين، وتتم معاقبتهم بالإفقار.

5-هدم الأخلاقيات النبيلة في المجتمع، من خلال تعزيز قيم: النفاق والتسلق والغش والتذلل في إظهار الولاء للحاكم وأدواته طمعا في المكاسب، وتجريم قيم: الصدق والموضوعية والأمانة والإباء وتشويه أصحابها.

6-تبديد الطاقات المجتمعية الإبداعية الخلاقة، وخفض الإنتاجية المؤسسية الوطنية داخليا وخارجيا، بسبب اعتماد النظام في التجنيد السياسي والإداري والفني في المناصب العليا والوسطى على (شهادة الولاء للحاكم)، والتي لا تستطيع منافستها كل الشهادات العلمية العليا وشهادات الكفاءة النادرة وشهادات الخبرات المتخصصة المتراكمة.

7-الحيلولة دون الإصلاح السياسي والاقتصادي؛ لأن مجرد الاعتراف بوجود عيوب في النظامين السياسي والاقتصادي يعدُّ سُبَّةً لا تغتفر بحق الحاكم المعصوم عن الخطأ من ناحية، كما أن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي إنما يعني ضرب مصالح الحاكم في الصميم من ناحية أخرى. وبما أن (الوطن) في العالم العربي يمثل منظومة مصالح الحاكم؛ فإن خطاب الإصلاح يعتبر إعلان حرب على الحاكم-الوطن.

8-إغلاق أبواب الأمل في النمو الشخصي والمجتمعي والاقتصادي لدى أغلبية المواطنين؛ ما يؤدي إلى اليأس من النظام بمجمله، بحيث تنخفض إلى الحضيض الثقة بنظام الحكم والدولة ومؤسساتها؛ فتغدو القيم الوطنية وشعاراتها الرمزية مفرغة من المعنى أو تصبح أشبه بالمحتوى الاحتيالي في العقل الجمعي لدى الأغلبية؛ ما يفضي إلى زعزعة قيمة الانتماء للوطن في نفوس الناس.

وهذه الأجواء المفعمة بالإحباط تُعدًّ بيئة خصبة لتنامي خطاب مجتمعي رافض للنظام جملة وتفصيلا؛ ما سيقود إلى انفجار مجتمعي فوضوي ذي تكلفة استراتيجية باهظة، حيث لا أمل بأن يبادر النظام العربي للإصلاح الشامل قبل فوات الأوان.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here