د. ماجد العبلي: أزمة الوباء.. وفرصة إعادة بناء الأردن

د. ماجد العبلي

أزمة وباء كورونا دفعت وتدفع وستدفع العالم كله، دولا وجماعات وأفرادا، لإعادة النظر في طريقة الحياة التي يحياها كلٌّ منهم، والتأمل في كيفية الحياة ما بعد أزمة كورونا. حيث هناك الكثير من الدول والمنظمات باتت تفكر بإعادة بناء الذات لمواجهة أزمة كورونا وآثارها البعدية من ناحية، والاستعداد لأزمات مماثلة أو أشد تأثيرا في المستقبل من ناحية أخرى.

هذه اللحظة التاريخية على شدتها فإنها تمثل لحظة تاريخية استثنائية من الحرية لكل الوحدات الدولية، لا سيما المستعبدة، لأن تعيد بناء نفسها من الداخل لتكون أقوى لمواجهة المستقبل بكل سيناريوهاته.

هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية من الحرية تعد فرصة نادرة لكل الأذكياء، دولا وجماعتٍ، لاستثمارها الاستثمار الأمثل لتقوية الذات وتطويرها للمستقبل، من خلال إعادة بناء الذات من الداخل بطريقة إبداعية جريئة وفق حسابات داخلية أساسا، لأن تأثير البيئة الدولية والإقليمية يكاد يكون صفرا في هذه اللحظة.

والأردن كغيرها من الدول تستطيع استثمار هذه الحظة بكل كفاءة وفعالية، وذلك في إطار ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن تبادر الطبقة الاقتصادية العليا من طرف واحد لتمويل الأزمة وآثارها لمدة سنة أو سنتين، وفاءً للوطن وولاءً للقيادة الهاشمية الحكيمة.

الاحتمال الثاني: أن تبادر الطبقة الاقتصادية العليا بالتوافق مع الحكومة لتمويل الأزمة وآثارها لمدة 3-5 سنوات.

الاحتمال الثالث: أن يفرض جلالة الملك مدعوما بالجيش والأجهزة الأمنية قرارات أحادية، وعلى الطبقة الاقتصادية أن تنفذها وفقا لقانون الدفاع، وهو أمر مستبعد منطقيا؛ إلا في مواجهة كارثة اقتصادية لا سمح الله.

والاحتمال الثاني هو الخيار الأفضل للوطن، لأنه سيفرض -منطقيا- تخطيطا استراتيجيا ناضجا، يعيد بناء دولة عصرية ذكية قادرة على مواجهة كل الظروف المستقبلية مهما كانت قاسية.

هذا التوافق الذي يُعد مرحلة لامتصاص آثار الأزمة الاقتصادية على المديين القصير والمتوسط، سيمنح الوطن وقتا كافيا لبناء خطة استراتيجية وطنية شاملة تشترك في بنائها بتأنٍّ شديد كل الطاقات والخبرات الوطنية لتكون خطة رشيدة بحقّ.

ومرحلة التوافق هذه تمتد ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، حيث تتضمن مسارين: مسار الطبقة الاقتصادية العليا، ومسار الحكومة.

أولا: مسار الطبقة الاقتصادية العليا:

حيث هناك مهمات وطنية يجب على هذه الطبقة أن تنهض بها حسب مستوى تأثير الأزمة اقتصاديا، وتتمثل بدعمها للقطاع الحكومي لغاية حماية الاقتصاد الوطني، وذلك ضمن ثلاث مستويات على النحو التالي:

المستوى الأول: (الحد الأدنى: مستوى أزمة اقتصادية بسيطة):

حيث تقوم الطبقة الاقتصادية العليا في هذا المستوى بتعزيز احتياطات البنك المركزي من العملات الصعبة.

المستوى الثاني: (الحد المتوسط: أزمة اقتصادية متوسطة):

حيث تقوم الطبقة الاقتصادية العليا في هذا المستوى بسد عجز الموازنة الحكومية لمدة 3-5 سنوات، على شكل قروض ميسرة جدا، وطويلة الأجل، يبدأ استيفاؤها بعد نهاية فترة الدعم.

المستوى الثالث: (الحد الأعلى: أزمة اقتصادية عميقة):

حيث تقوم الطبقة الاقتصادية العليا، بالإضافة للمستويين الأول والثاني، بتولي مهمتين إضافيتين هما:

1-إعفاء القطاع الحكومي من تسديد أقساط وفوائد الدين الداخلي لمدة (ثلاث إلى خمس سنوات: مدة الدعم)، مع إعادة جدولة هذه الديون إلى ما بعد فترة الدعم، بحيث تكون طويلة الأجل من ناحية، ومنخفضة الفائدة من ناحية ثانية.

2- تسديد أقساط وفوائد الدين الخارجي لمدة 3-5 سنوات، على شكل قروض ميسرة جدا وطويلة الأجل، يبدأ استيفاؤها من الحكومة بعد فترة الدعم، بحيث تكون-أيضا- طويلة الأجل من ناحية، ومنخفضة الفائدة من ناحية ثانية.

ثانيا: مسار الحكومة:

حيث هناك استحقاقات على الحكومة النهوض بها خلال هذه الفترة لتوفير البيئة الإيجابية المناسبة لمبادرات الطبقة الاقتصادية العليا حتى تؤتي أكلها وهي:

1-وقف الاقتراض الخارجي وقفا تاما، تمهيدا لإلغائه وفق الخطة الاستراتيجية الوطنية الإبداعية التي يتم بناؤها أثناء فترة الدعم.

2-تفعيل مبدأ الشفافية لسد كل فجوات الفساد كبيرها وصغيرها، ومعالجة مواطن الترهل والهدر.

3-صون حرية الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام ليكونوا جميعا سلطة رقابة مجتمعية فاعلة وكفؤة ضد منافذ الفساد والترهل والهدر.

4-ضبط الإنفاق الحكومي ضبطا صارما.

5-تفعيل دور ديوان المحاسبة ومنحه الحصانة اللازمة والصلاحيات الكاملة لتكون له اليد العليا في ضبط الإنفاق الحكومي وتحويل قضايا الفساد والهدر للقضاء بشكل مباشر.

إذا تم ذلك، فإن الأردن سيبدأ بالصعود كدولة ذكية يمكنها الاستمرار بدفع ذاتي دون الحاجة لأي دعم خارجي، حيث ستكون أزمة وباء فيروس كورنا بداية عهد جديد من الرفاه التي تلخصها عبارة(رُبَّ ضارةٍ نافعة).

أما إذا استمرت إدارة البلد كما كانت عليه دون أي تغيير حقيقي، بحيث تتحمل طبقة الفقراء تكاليف الأزمة كما هي العادة، فإن ذلك يعني أننا مقبلون على سيناريوهات مظلمة للغاية لا سمح الله تعالى.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. لا اعتقد ان الطبقه العليا ستضحي بمدخراتها لإخراج الدوله من الازمه خصوصا ان القسم الأكبر منهم استغني من عمليات تكسب بتغطيه من القطاع العامًوتحت مسميات مختلفه هناك جزء كبير من الأموال بايد أشخاص فوق القانون ولا اعتقد ان الأمر سيعنيهمً و اغلب مدخراتهم خارج البلاد وما يكلفهم اكثر من تذكره سفر

  2. Excellent and timely article: Wish the Gov of Jordan takes this article and the plan it proposes very seriously

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here