د. لزهر وناسي: ما بعد كورونا… فواصل و مفاصل واتجاهات

 

د. لزهر وناسي

عندما تنجلي عاصفة كورونا ، هذه الجائحة التي أجبرت  أكثر من ثلث من يدبون فوق الكرة الأرضية على إلتزام بيوتهم وإغلاقها على أنفسهم ، وألقت ظلالا من الهلع و الفزع و الخوف في قلوب سكان القارات كلها، واستنفرت أصفرها و أحمرها، وأبيضها و أسودها ،و أذنت فيهم أن لا فرق بين غنيكم وفقيركم و متطوركم و متخلفكم ..!!  بعد انجلائها، لا محالة ،  ستنبري الأقلام لتحبير المقالات، وتسويد الصفحات،  لمحاولة فهم ماذا حدث وما الذي سيحدث، متسائلين ومحللين ومستشرفين، للمآلات الكبرى و الصغرى، التي أحدثها وسيحدثها زلزال كورونا في عالم السياسة و الإقتصاد و الاجتماع ،والعلاقات الاتصالية كلها للمجتمع العالمي دولا و شعوبا.!

ومما لاشك فيه، أن ما بعد كورونا ليس كما قبلها، لجهة الدروس المستفادة و التغيرات المحدثة، شأنها  في ذلك، شأن كل الأحداث التاريخية، التي عدت فواصل أساسية ،و انعطافات مفصلية، في مسار التاريخ البشري ،غابره و عابره،  دابره وحاضره. وأجبرت دولا وحكومات على إحداث مراجعات ،و تغيير سياسات و ابتداع استراتيجيات و تحويل تهديدات إلى فرص، لتجاوز الاختلالات و الانكسارات التي طبعتها تلكم الأحداث  على صفحات القطاعات والميادين كلها.

فبلغة المستقبليات ،كيف سيغدو عالم مابعد كورونا؟ وماهي المفاصل الأساسية له التي سيعتريها التغيير العميق؟. أم أن كل ما في أمر كورونا أنها جائحة عابرة كغيرها، ستبقي ندوبا صغيرة ليست ذات بال، وبعدها ستستمر القافلة في المسير ،في عالمنا كماهي دون تغييرات وتحويلات تعترض طريقها؟!.

وما يمكن قوله في شأن ذلك

1- أن هذه الجائحة التي زادها قوة التدفق الإعلامي العالمي ،وكثافة التغطية الإخبارية زخما وقوة ، تشي أن ثمة تغييرات حاسمة في انتظار عالم العولمة النيوليبرالي الذي نعيش فيه منذ أربعة عقود.

فالتساؤولات حول جدوى الانفتاح الاقتصادي و الاتصالي و التواصلي العالمي،قد إشرأبت برأسها ، ملقية لوما كافيا على الأداء الهش في مكافحة الوباء، و وقف انتشاره على الدول النيوليبرالية المتطورة ، التي عرت كورونا هشاشة  سياساتها  للرعاية الصحية ، وبناها التحتية التي بدت عاجزة عن كبح انتشار الجائحة، وأبانت عن ضعف سياسات التنسيق بين دول تتقاسم منهجيات الاعتماد المتبادل،  والانفاق المتعاظم ،وأعلت من  القيم الفردانية على حساب قيمة الجماعة،  و من قيم السوق على حساب قيم الدولة ، الأمر الذي سيعيد مفهوم الدولة المتدخلة إلى حلبة النقاشات السياسية بوصفها الأقدر على فرض الضبط الاجتماعي و الاقتصادي، والسياسي، والامني ، على افردها . وهذا كله مقدمات إرتداد عن النيوليبرالية التي بشرت بنهاية الدولة  و موتها.

2- كذلك ؛ من التغييرات التي ستحدثها كورونا على المستوى الدولي، إعادة الاعتبار لقطاع الصحة العامة وسياستها، كقطاع استراتيجي يتجاوز في أهميته و أولوياته قطاعات أخرى عديدة ، وبالتالي زيادة تخصيص ميزانيات واعتمادات مالية هائلة لإعادة بنائه،  توقيا للقادم من الجوائح و الأوبئة،  بالاعتناء بقطاعات البحث العلمي الأساسية ذات الصلة بالصحة ودعمها . فالجائحة أعادت تصويب الرادار إلى أهمية البحوث العلمية في مضمار السباق العالمي لامتلاك القوة والنفوذ، الأمر الذي سيفتح سبا علميا محكوما بين الدول التي تعلي من قيمة العلم والبحث العلمي ، ويعيد ذلك ترتيب هرم القيم الاجتماعية بارتقاء العلماء والباحثين و المبدعين لقمته ، بعدما استحوذ عليها الفنانون واللاعبون و الممثلون و أصحاب الأموال الكبيرة في ظل ثقافة الاستهلاك العالمية السائدة.

3- سيتم إعادة النظر في مقولات عالم بلا حدود ، لجهة إعادة الضبط الحدودي بين الدول، و تقليص سياسات الانفتاح بلا ضوابط، والعودة إلى  مفاهيم الحدود القومية، و الامن الحدودي،  و التعاون الحدودي الثنائي والجماعي ، لما يمكن اعتباره انكفاءا حدوديا ذو صلة بمفهوم الأمن القومي الذي تكون الدولة مركز الثقل فيه . وتبلغ فيه شمس الدولة القومية الحارسة والمتدخلة مرة أخرى أكثر قوة و أعلى شأنا من كل الفواعل الأخرى التي زاحمتها على كل وظائفها الحيوية طيلة أربعة عقود من هيمنة النيوليبرالية و قوانين السوق الحرة.

4- ستدفع كورونا بالمنتظم الدولي إلى اعلاء قيم التعاون الدولي المشترك،  والدفع بإصلاح المنظمات والهيئات الدولية، ما سيعمق من مفهوم المصير المشترك للإنسانية ، بعيدا عن التجاذبات المصلحية المتضاربة للدول.فد كشفت جائحة كورونا عن كثير من قيم التضامن الإنسانية التي تنادت لها مختلف الفعاليات المجتمعية في القارات الخمسة  في سبيل مواجهة الفيروس القاتل بعيدا عن الاختلافات السياسية والدينية والثقافية حتى بدأ العالم رحما واحدة  موصولة.

5- على مستوى التنافس والصراع الدولي ، ستستمر حالة  عدم اليقين بشأن مستقبل علاقات القوة بين أعضاء الجماعة الدولية، والثابت أن الصراع الدائرة رحاه اليوم في العالم بين الولايات المتحدة الأمريكية و مجموعة الدول المناوئة لها سيستمر ، وستستمر الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة لعبة إضعاف الخصوم لعقدين قادمين على الأقل، بالنظر إلى تعافي الاقتصاد القومي الأمريكي في فترة ترامب ،وتسجيله معدلات نمو حقيقية في الانتاج الحقيقي غير مسبوقة منذ عهد بيل كلينتون ، فضلا عن نجاح سياسة العقوبات والضغوطات  في كبح جماح الخصوم الاقتصاديين، لاسيما الاقتصادي الصيني الذي تأثر فعليا بحرب ترامب التجارية على العالم .

 أما مسألة تأثير  الركود الاقتصادي العالمي على نمو الاقتصاد العالمي ، فيبدو أن ذلك سيكون  مبعث اغتباط لقادة البيت الأبيض ويتمنون حدوثه بشكل عاجل،  لانه سيغرق اقتصاديات قوية استفادت كثيرا من فرص العولمة النيوليبرالية والأسواق الحرة في أوتون الركود ويكبح جماحها في اعتلاء سدة الاقتصاد العالمي. وفقا المقولة عليا و على أعدائي ، ومقولة بيدي لا بيد عمرو..!!

5- جيو سياسيا ، لا جديد تحت شمس العلاقات الدولية ، فلعبة التنافس الدولي  ستستمر قائمة على أصولها وتحالفاتها الحالية ، مع إمكانية  بروز بعض الاصطفافات و التحالفات الصغرى ضمن الدوائر الكبرى تعزيزا لهذه،وتلك من التحالفات القائمة. والمتفائلون بأفول شمس النظام الدولي الحالي،  عليهم انتظار جائحة حرب عالمية شاملة يكون السلاح النووي  هو الفيروس الذي يكتب فصول نهايته.

6- بالنسبة للدول ، حققت الصين بعض المزايا النسبية من وراء جائحة كورونا عبر قوتها الناعمة ومسؤولياتها نحو المنتظم الدولي عبر

تقديم مساعداتها للدول المصابة لفيروس كورونا  كرقم فاعل وأساسي في تحول علاقات القوة العالمية، لكن بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبيطو بالنظر إلى دائها الهزيل والهش أما هذه الجائحة وتخبط سياسات اعضائه في مواجهة الخطر المشترك ، فإن أسئلة مدى جدوى استمرار هياكل الاتحاد بعث حقا من قمقمها ،و الايام القادمة كفيلة بأية جواب يحسم ذلك. لجهة تداعي أركان الاتحاد ومن ثم تفككه، أم استمراره ومراجعة استراتيجيات الاندماج والتكامل ؟.

7- عربي بينت كورونا أن دار لقمان حالها، فلا سياسات عمل عربي مشترك ، ولا دور لجامعة الدول العربية  في تنسيق سياسات أعضائها لمواجهة الجائحة العالمية التي أصابت كل الدول العربية تقريبا، كما كشفت عن تردي قطاع الصحة و ضعف خدماته  في كثير من الدول العربية، التي تصرف أموال قارون على شراء الأسلحة وتكديسها بدلا من توجيهها إلى قطاع البحث العلمي وتطوير التعليم العالي الذي يشكل رهانات حقيقيا للبقاء في عالم القرن الواحد والعشرين.

رفع الله عن الإنسانية هذا  البلاء ، ودفع عنها هذا الوبا. اللهم آمين.

جامعة باتنة 1 الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here