د. كاظم ناصر: “هيروشيما بيروت”.. المسؤولية والتداعيات!

د. كاظم ناصر

أدى الانفجار الهائل الذي وقع في ميناء العاصمة اللبنانية بيروت يوم الثلاثاء 4/ 8/ 2020 إلى استشهاد 154 شخصا ومئات المفقودين، وجرح 5000، وتشريد ما لا يقل عن 250 ألف من بيوتهم، وأحدث تدميرا هائلا بالميناء، والممتلكات العامة، والمنشآت الخاصة، والمباني السكنية، وتشعبت وتعددت التساؤلات والسيناريوهات المتعلقة بحدوثه؛ فمن هي الجهة التي استوردت هذه المواد؟ ولماذا تم استيرادها؟ ولماذا تم تخزينها في الميناء؟ ولماذا لم تعاد إلى المصدر بعد أن رفضت السلطات تسليمها للجهة المستوردة؟ وهل انفجرت بسبب الإهمال أم بفعل فاعل؟ ليس من السهل الإجابة على هذه التساؤلات وتحديد المسؤولين بسبب وجود أطراف في داخل لبنان وخارجه لا يريدون له الخير، ويتآمرون عليه ويعملون لزعزعة استقراره.

الدولة اللبنانية اعترفت أن تخزين 2750 طن من مادة نترات الأمونيوم المتفجرة بطريقة غير أمنة في مستودع في الميناء لمدة ست سنوات كان خطأ جسيما؛ والرئيس ميشيل عون قال إن الإهمال قد يكون أحد مسببات الانفجار، لكنه أضاف ” قد يكون هناك تدخل خارجي عبر صاروخ أو قنبلة أو أي عمل آخر”، وأمر بإجراء تحيق عاجل ومحاسبة المسؤولين، وطلب من المواطنين انتظار نتائجه لمعرفة الحقيقة.

 وأصابع الاتهام وجهت إلى إسرائيل التي سارعت إلى نفي أي علاقة لها به، وعرضت تقديم مساعدات للبنان! إسرائيل حشدت أعدادا كبيرة من قواتها على الحدود اللبنانية استعدادا لنزاع مسلح محتمل مع حزب الله، وطائراتها المقاتلة والمسيرة تجوب الأجواء السورية واللبنانية، ولهذا فإن هناك .. أرضية قوية .. لقيامها بتفجير هذه المخازن من الجو، أو عن طريق عملائها في لبنان بهدف زعزعة استقراره، وتوجيه ضربة قوية لحزب الله، والضغط عليه لنزع سلاحه، وإخراج المقاومة من لبنان .. دون ان تتورط .. في مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج قد تكبدها خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والعتاد!

أما وسائل الاعلام الإسرائيلية وبعض قنوات التلفزة العربية واللبنانية التابعة لدول النفط والطوائف المعادية للمقاومة فقد حاولت اتهام حزب الله بالمسؤولية، وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بالسعودية بنشر نظريات مؤامرة وحملة تضليل لربط حزب الله بالتفجير، متناسية أنه لم يسمح للحزب باستيراد أي شيء عن طريق ميناء بيروت منذ عام 2005، وإن جميع السفن التي تقترب من الميناء يتم تفتيشها في عرض البحر قبل السماح لها بالرسو وتفريغ حمولتها. حسن نصر الله نفى ” نفيا قاطعا حازما ” وجود أي علاقة للحزب بالمواد المتفجرة والتفجير، ونحن نصدقه لأن حزب الله ليس غبيا ليرتكب هكذا حماقة!

 وانتقلت معركة البحث عن المسؤولين عن الانفجار لزعماء الطوائف، فمن ناحية اعلنوا عن شكوك خطيرة تحيط بالانفجار والمسؤولين عنه وتوقيته والمواد التي تسببت فيه، وطالب سعد الحريري ووليد جنبلاط  وسمير جعجع بمشاركة دولية في التحقيق مبررين ذلك بالقول إن القضاء اللبناني غير مستقل وإن الكثير من القضايا الهامة التي بت فيها طمست؛ أي ان زعماء أحزاب الطوائف يفضلون تحويل القضية إلى المحكمة الدولية، والانتظار حتى تهدأ الأمور ليظلوا متربعين على عروش طوائفهم؛ ومن ناحية أخرى أعلن الرئيس عون والمعارضون للأحزاب الطائفية رفضهم لتدويل التحقيق لاعتقادهم أنه يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويستغرق سنوات للوصول إلى نتيجة كما حدث في التحقيق في اغتيال رفيق الحريري الذي استمر 15 سنة، مضيفين ان الشعب اللبناني ليس مستعدا للانتظار سنوات لمعرفة المسؤولين عن هذه الكارثة.

الأزمة في لبنان متشعبة وأكبر بكثير من الانفجار والخلاف حول التحقيق؛ المشكلة تتمثل في نظام الطوائف وزعمائها؛ لبنان تحكمه 18 طائفة يتقاسم زعماؤها المناصب والمكاسب ونهب ثرواته؛ ولهذا عانى البلد من الديون المتراكمة، واستشراء الفساد، وانهيار المؤسسات، والفقر، ومن نزاعات وحروب طاحنة أدمته ودمرته كالحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما، واحتلال إسرائيل واعتداءاتها عليه وتدميرها لبنيته التحتية، والحرب في سوريا التي ساهمت في تدمير اقتصاده؛ ولهذا فإن المواطن اللبناني فقد ثقته بالطوائف ونظامها وزعمائها، ويريد تغييرا يؤسس لديموقراطية حقيقية تلغي المحاصصة الطائفية وتنهي نفوذ وهيمنة زعمائها على سياسة البلد ومقدراته؛ والرئيس عون اعترف بضرورة إصلاح النظام بقوله” يجب إعادة النظر بالنظام القائم على التراخي بعدما أثبت أنه مشلول ويعيق تحقيق إصلاحات”، فهل سيكون لبنان ما بعد انفجار مرفأ بيروت مختلفا عما كان قبله؟

 الشعب اللبناني المثقف المبدع المكافح لا يستسلم لليأس أبدا؛ فبالرغم من الحروب والنزاعات والكوارث التي حلت به وببلده منذ اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، إلا انه تمكن من إخراج وطنه من كل هذه المحن، ووقف على قدميه شامخا مساهما في قضايا أمته العربية؛ هذا الشعب العربي الذي أظهر تعاضضه مع بعضه البعض في هذه المحنة، وفتح أبناؤه في الشمال والجنوب منازلهم للمنكوبين، سيتعافى وينهض من تحت أنقاض مرفأ بيروت كما نهض سابقا من تحت أنقاض حروب ونزاعات أكثر خطورة، ونأمل ان تكون هذه الكارثة معبرا للإصلاح، أو معبرا للثورة على النظام الطائفي وتغييره.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here