د. كاظم ناصر: هل نحن في بداية صحوة عربية قوميّة وحدويّة؟

د. كاظم ناصر

في الزمن العربي الجميل، أي زمن ما قبل دول القبائل والعسكر، كان المواطن العربي لا يعرف الحواجز والحدود بين أقطاره، ويعتقد بان وطنه يمتد من المحيط إلى الخليج، ويركب الحافلة من إحدى المدن الرئيسية في القطر الذي يعيش فيه ويذهب إلى القاهرة والقدس وبيروت وتونس وبغداد ومكة والمدينة وكل مدينة أو قرية عربية بدون جواز سفر أو هوية، وبدون أختام وتصاريح إقامة وعمل، ويعيش ويعمل في المدينة أو القرية التي نزل فيها كأي مواطن آخر، ويحلم بتحقيق وحدة عربية تكاملية تنهي الحواجز الهشة التي أوجدها الاستعمار بين أقطاره.

وبعد ما يزيد على السبعين عاما من الدكتاتوريات الوراثية ودول حكم العسكر، استشرت عاهات التجزئة التي أوجدتها وعمقتها هذه الكيانات الوراثية والعسكرية المتحجرة في أرجاء وطننا وانتجت مصالح طبقية وسياسية ودينية وقبلية معطّلة للتغيير والديموقراطية؛ وكانت وما زالت هذه الكيانات من أبرز العوامل التي ساعدت على فشل الحركة القومية العربية وتجارب ومحاولات الوحدة، وزادت العزلة والانكفاء داخل حدود القطر وعمقت الشعور الانفصالي بيننا كشعب واحد، وفتحت الباب على مصراعيه للتدخلات الأجنبية لحمايتها ومشاركتها في نهب ثرواتنا الوطنية وإفقارنا وإذلالنا، وقادتنا الى مزيد من الهزائم والانقسامات الدينية والقبلية والطائفية.

لا شك ان دولا معادية لأمتنا وطامحة في السيطرة على ثرواتها وفي مقدمتها بريطانيا وأمريكا وفرنسا والحركة الصهيونية تآمرت علينا وساهمت في خلق واقعنا المرير، لكن ذلك ما كان ليحدث لولا ارتباط حكام الدول العربية بتلك الدول ورضوخهم لإرادتها وإملاءاتها. ولهذا لا يمكننا أن نضع كل اللوم على القوى الأجنبية؛ اللوم في الدرجة الأولى يقع على الحكام الذين خضعوا لإرادة أعداء أمتهم وعلى شعبنا العربي الذي لم يتصدى لحكامه الفاسدين المتآمرين الخانعين.

وبعد أن وصلنا إلى هذه الأوضاع الكارثية فان الكثير من الأسئلة تطرح نفسها ومن بينها: هل الشعب العربي ما زال منخدعا بأكاذيب أنظمته السياسية ويؤيد سياساتها الانفصالية؟ وهل تخلى عن أمله بتحقيق الوحدة؟ وهل استسلم للطغيان والمؤامرات العربية والأجنبية؟ الإجابة المختصرة على هذه الأسئلة هي لا.

الشعب العربي ازداد علما وثقافة وتغير كثيرا خلال العقود الماضية ويدرك جيدا أن الأنظمة العربية الحالية هي المسؤولة عما حل به؛ وأن الوحدة العربية هي الحل الصحيح لمشاكله، وهي الهدف الذي يسعى اليه والحلم الذي يتوق لتحقيقه. والدليل على هذا هو انه، ما زال يعتبر قضية فلسطين قضيته الأولى، ويرفض الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها حتي في الدول التي اعترفت بها وأقامت معها سلاما رسميا وعلاقات دبلوماسية واقتصادية، ويؤمن بالمقاومة المسلحة ويدعمها ولا يخفي تأييده لمحور المقاومة  ورفضه للأفكار الطائفية والمذهبية الانقسامية التي يثيرها شيوخ السلاطين، وممارسات القمع والإرهاب والقتل التي تمارسها الأنظمة، وخرج الى الشوارع في ثورات عارمة في السودان والجزائر، وتظاهر في معظم العواصم العربية تعبيرا عن رفضه لصفقة القرن وورشة البحرين، ودعمه لإخوانه الفلسطينيين، ولا يخفي تعاطفه مع إيران ودعمه لها في تصديها للهجمة الأمريكية الصهيونية العربية.

ولهذا فإن بشائر صحوة شعبية قومية وحدوية عربية بدأت تظهر بين صفوفه من خلال موقفه مما يحدث في المنطقة، وبعد أن شرب من كؤوس الآلام والذل حتى ارتوى؛ فالأنظمة تتآمر عليه “على المكشوف “، وهو يزداد معاناتا ويأسا وفقرا، والهوة بينه وبين أنظمته الفاسدة تزداد سعة وعمقا كل يوم؛ ولهذا فإن الرهان عليه وعلى صحوته القومية الوحدوية هو الرهان الأصح الذي نأمل أن يتحقق في السنوات القليلة القادمة!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لافض فوك املنا بالله وبشبابنا العربي كبير لنهضة الامة من كبوتها وحالة الفتن وسفك الدماء التي سعرها اعداء الامة الداخليين والخارجيين وليوديء الشباب المثقف والقوى العاملة العربية دور قيادة الجماهير كما قام به آباءهم وأجدادهم في القرن الماضي وبالذات في الأربعينات والخمسينات والستينات منه ونحو جيل عروبي متنور ثائر على الواقع العربي الفاسد المتخلف وتدخلات واجرام اعداء الامة بحق امتنا العربية المجيدة،،،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here