د. كاظم ناصر: نحن أمّة حائرة بين مدّ الحداثة وجزر التراث

د. كاظم ناصر

 نحن أمّة فاشلة ممزّقة وحائرة بين المعاصرة والماضوية؛ فبعد كل هذه الهزائم والقتل والدمار الذي تعرّضت له، تعالت الأصوات الداعية الى إحياء الماضويّة، والعودة بقيمنا ونمط حياتنا وتفكيرنا إلى ما كانت عليه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وإلى إعادة بناء دولة الخلافة التي ستقودنا إلى إقامة إمبراطورية إسلامية لا تغيب عنها الشمس كالتي سادت خلال العصر الإسلامي الذهبي في أيام العباسيين.

 الإسلام صالح لكل زمان ومكان وما أنزله الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ثابت لا يتغيّر؛ لكن تفسير بعض الآيات وبعض الأحاديث النبوية قد يتغيّر ليلائم مستجدات واستحقاقات الزمان والمكان العلميّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الدائمة التغيّر، ممّا يعني أن تفسير أسلافنا لبعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية قد يختلف بشكل أو بآخر عن تفسيرنا لها الآن لنتمكّن كمسلمين من توظيفها في التعامل مع متطلبات حياتنا في هذا القرن.

الاسلام ليس ضدّ التحديث والتطوير، بل إنه يحثّ أتباعه ويشجّعهم على ذلك؛ لكن التفكير بإعادة عقارب الساعة ومكوّنات الحياة إلى ما كانت عليه أيام الخلفاء ودولهم، ليس إلا أضغاث أحلام لأن التاريخ قد يجدّد نفسه بشكل أو بآخر، ولكنّه لا يعيد نفسه بنفس مكوّناته ومواصفاته ومفاهيمه السابقة أبدا.

الحضارات البابليّة، والرومانيّة، واليونانيّة، والفارسيّة، والصينيّة، والفينيقيّة، والاسلاميّة وحديثا البريطانيّة، والسوفيتيّة كانت في زمانها قوى عظمى لعبت دورا هامّا في توجيه سياسات العالم والتحكم بثرواته والتأثير على ثقافاته؛ لكن ذلك كله انتهى بانهيارها وأصبحت سنين مجدها ونفوذها جزأ من تاريخ شعوبها الذي مضى وانقضى.

عالمنا المعاصر بعلومه، وفنونه، واحتياجاته، وأنماط حياته يختلف اختلافا جذريا عمّا كان عليه قبل أقل من قرن؛ ولهذا فإن معظم دول العالم الحديثة الأكثر تطوّرا واستقرارا تعلمت من ماضيها وحفظته كجزء تعتز به من تاريخها، وانشغلت بتطوير قوانينها ونظمها السياسية والاجتماعية وبناء مستقبلها إلا نحن العرب. إننا ما زلنا نغرّد خارج سرب العالم ولا نعرف ماذا نريد، ونحلم بإعادة التاريخ كما كان، ولن ننجح في تحقيق ذلك، لأن ما نفكّر به ليس إلا أضغاث أحلام وشعارات ترفعها منظمات وأحزاب دينيّة، وتستغلّها كوسيلة للكسب السياسي وخداع الشعوب.

أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم عاشوا قبل ما يزيد عن 1400 سنة، وكانوا قادة أفذاذا، والأمويون والعباسيون بنوا دولة إسلامية كانت الأكثر تقدما بين دول العالم وساهمت مساهمة فعّالة في بناء وتفدم الحضارة العالمية؛ نحن نعتز بخلفائنا الراشدين وبقادة امتنا الآخرين الذين أقاموا تلك الدولة، ونتعلّم من تجاربهم، ولكن يجب علينا ألا ننسى أنهم كانوا يعيشون في عالم مختلف بتكوينه السياسي وتفكيره وعلومه  ومتطلبات حياته، وكان عدد سكّانه في ذلك الوقت لا يزيد عن 300 مليون، وعدد سكان الجزيرة العربية يقدر بعشرات الآلاف، ونحن الآن بليون وسبعمائة مليون مسلم في عالم بلغ عدد سكاّنه ما يقارب الثمانية بلايين.

المسلمون الآن يعيشون في 57 دولة عربيّة وإسلاميّة مستقلّة يجمعها دين واحد وتختلف في كل شيء آخر. وللدلالة على هذا فإن السعودية، واندونيسيا، ونيجيريا، والبانيا، وماليزيا، والبوسنه والهرسك، وبنغلادش دول إسلامية، لكنها تختلف في لغاتها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها وقيمها الاجتماعية وتفسيرها وفهمها للدين.

إضافة إلى ما سبق ذكره إن تجاربنا الحديثة لإقامة دولة إسلاميّة فشلت في باكستان التي أقيمت على أساس ديني قم انقسمت إلى دولتين هما باكستان وبنغلادش، وساهمت في تقسيم السودان، وأنجبت طالبان، وداعش، والنصرة، والقاعدة، والشباب، وبكو حرام التي قتلت وشردت ملايين المسلمين، وشوّهت ديننا الحنيف، وعزلتنا عن العالم، وأثارت الاحقاد الدينيّة والمذهبيّة بيننا! فكيف يمكننا أن نقيم دولة الخلافة من جديد بدول وشعوب وثقافات مختلفة ومنظمات إسلامية كهذه؟

نحن العرب نعاني من انهيارات سياسية واجتماعية خطيرة تحتاج إلى جهود وطاقات جبّارة لحلّها؛ إننا بحاجة إلى قراءة جديدة لتاريخنا، وإلى فهم مستنير لديننا وواقعنا وعالمنا يمكّننا من التعامل بمهنية وإيجابية مع مشاكلنا، ويساعدنا في إيجاد حلول ملائمة لها، ويبعدنا عن الأفكار المستحيلة التحقيق!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here