د. كاظم ناصر: كل إنجاز عظيم كان في الأصل مجرّد فكرة 

د. كاظم ناصر

العقل البشري مصنع فكري بالغ التعقيد، دائم التجدّد والتجديد، ولا حدود لقوّته الادراكيّة والابداعيّة؛ ولهذا فإن الإنسان قادر على صنع المعجزات إذا ولد وترعرع في بيئة اجتماعيّة علميّة منفتحة تحرّر عقله من الخوف والخرافات، وتسمح له أن ينمو ويتعلّم ويتخيّل ويفكّر ويعمل بلا قيود.

والمعرفة الانسانيّة عامّة تتكون من مزيج من الأفكار البنّاءة الخيّرة العظيمة التي أنتجت علما وثقافة وتقدما وفنا، وكانت الأساس في بناء الانسان الذي غير العالم للأفضل؛ ومن الأفكار الضارة المدمرة التي أنتجت حروبا وقتلا ودمارا وظلما وكراهية وفقرا وتخلّفا، ولهذا رفضتها طبيعة الإنسان السوية لأنها تلحق الضرر والأذى بالناس جميعا.

والتاريخ شاهد على ان العقل الانساني الحر مرّ بمرحلة تطوّر تصارعت خلالها الأفكار الإنسانية المختلفة المتناقضة، والمتشابهة المتجاذبة وشكّلت القواعد الأساسية التي غيّرت سمات ومعطيات الوجود، وخلقت عالما متطوّرا جميلا ملائما لحياة كريمة تليق بصانعها الانسان، وتتوافق مع الأوامر المقدّسة والتفكير والعمل الدؤوب لإعمار الأرض وبناء عالم إنساني يطيع ويجل إرادة الخير الإلهية، ويحترم قدرات الناس، وتتجلّى فيه عظمة الخالق وإبداع مخلوقاته.

لو أن الانسان فشل في ابتداع أفكار جديدة طوّرت قدراته الإدراكيّة، ومكّنته من اكتشاف مصادر رزقة، وساعدته في تطوير عالمه ومقوّمات حياته، ولو أنه لم يستخدم عقله، وتكاسل واستسلم للطبيعة وقسوتها وتقلباتها؛ فكيف ستكون حالته وحالة كرته الأرضية الآن؟ ستكون طبق الأصل عما كانت عليه قبل ملايين السنين: ضياع وجهل وتخلف ووحشية في كوكب لا تختلف مكوّناته وسماته وناسه وطرق حياته عن حالته التي كان عليها عندما هبط عليه آدم وحواء من السماء!

الأفكار الجديدة ” المقدّسة ” التي بشّر بها ونشرها الأنبياء والمرسلين، والافكار الخلاقة التي ابتدعها الرواد من المفكرين والعلماء، والجهود المضنية التي بذلها الإنسان هي التي أنارت كرتنا الأرضية بالعلم والمعرفة، وبنت كل زاوية من زواياها. كل شي جميل مفيد وخلاق في عالمنا هذا بدأ بفكرة كانت في عقل إنسان إختلف الناس من حوله في تقييمه ووصفه؛ فمنهم من قال عنه أنه مفكر وعلى حق وأعجبوا به، ومنهم من اتهمه بالجنون أو الحماقة أو الزندقة.

ومن الذين اتهموا بالجنون أو الزندقة أو كلاهما ابراهام لينكولن ألرئيس الأمريكي الذي ألغى العبودية، فينسنت فان غوغ الكاتب والرسام الهولندي، تينسي وليامز المسرحي الأمريكي، لودفيغ فان بيتهوفن الموسيقار النمساوي، إدغار ألن بو الكاتب الامريكي، عبقري الرياضيات جون ناش، إرنست همينغواي الكاتب الامريكي، وإسحق نيوتن البريطاني مكتشف الجاذبية. ومن العلماء والفكرين المسلمين الذين وقف الناس ضدهم واتهموهم بالالحاد والزندقة، وسجن وعذب وقتل بعضهم: عالم الطب الرازي، والفيزيائي ابن الهيثم، والفيلسوف الكبير الكندي، وابن سينا مؤلف كتاب ” القانون ” أعظم كتاب في الطب، ومؤسس الفلسفة الحديثة ابن رشد. لقد كان هولاء المتمردين عقليا ملح الأرض، ومشكلتهم كانت ببساطه أنهم عاشوا في عصر غير عصرهم، وعالم غير عالمهم، ولهذا لم يفهمهم الناس في زمنهم، وكالوا لهم التهم لأن الهوة العقلية بين المتهمون والمتهمين كانت شاسعة جدا.

لكن العالم العربي ما زال بطيء التغير ربما لأن المجتمعات العربية التسلطية الدكتاتورية مجتمعات ماضوية طاردة للعقل والثقافة والنجاح، وجاذبة للجهل والفشل. إنها مجتمعات تمجّد وتحمي التصحر المعرفي وترتاح له لأنه لا يهدد قناعاتها العقلية والعقائدية، وتزدري الابداع العقلي وتعتبره عدوها اللدود وتحاربه بقسوة لأنه يكشف جهلها وجمودها وعيوبها وفشلها.

 لقد سبقنا العالم في كل شيء ونحن وعلى الرغم ما امكانياتنا الهائلة، ما زلنا نعاني من التخلف ومشغولون بقضايا فرعية تافهة ينطبق عليها قول المستشارأحمد ماهر ” العالم وصل المريخ والعرب يناقشون جواز أكل البطيخ.” إننا عاجزون عن فهم التناقض المنطقي في ماهية الأشياء وادراكها سلبا وايجابا، لأننا نعاني من مشاكل معرفية لا تمكّننا من تشخيص آفاتنا وأمراضنا وعاهاتنا الاجتماعية المتعددة، ومن ثم معالجتها.

إن أي فكرة علمية أو أدبية، أو تربوية، أو فنية الخ. جديدة تترجم إلى إنتاج فكري أو مادي تساهم في تغيير عالمنا وتفيدنا جميعا. فلماذا لا نحترم ونشجع الأفكار الجديدة؟ ولماذا لا ندرك أن كل ما صنع وما طبع وما بني، وكل نظرية علمية رائدة ومعزوفة موسيقية وأغنية جميلة الخ. كانت فكرة بسيطة في رأس إنسان مثلنا فكر واجتهد، وأصر أن يجعل منها شيئا محسوسا او ملموسا وكافح حتى نجح؟  فيكتور هوغو الكاتب الفرنسي الذي ألف رواية ” أحدب نوتردام ” العظيمة يقول إن ” الشيء الوحيد الذي يمكن إعتباره أقوى من كل جيوش العالم هو فكرة تاتي في وقتها المناسب.” هذا صحيح والتاريخ يشهد أن أفكارا معينة أشعلت ثورات، وأنقذت أمما، وأقامت صناعات، وبنت إمبراطوريات، ورفعت أقواما وسحقت أقواما أخرى.

ألبرت أينشتاين الذي قدم النظرية النسبية التي ساهمت في تغيير العالم يعتقد أن الكثير من الأفكار التي تطرح للمرة الأولى تبدو سخيفة وساذجة ” إذا لم تكن الفكرة سخيفة ومرفوضة عند طرحها، فانه لن يكون لها أمل في النجاح “؛ إنه يعني بقوله هذا أن الأفكار العظيمة في الغالب لا تفهم عندما تطرح للبحث والتداول، وقد تعتبر سخيفة لا تستحق الاهتمام أو مدمرة لتعارضها مع ما هو موجود. إنه يتكلم عن تجربته الشخصية، لانه عندما طرح نظريته ” النسبية” في بداية القرن العشرين إعتبره بعض علماء الفيزياء في ذلك الوقت أحمقا يدافع عن فكرة سخيفة لا قيمة لها ولهذا رفضوها.

التقدم الذي حدث في العالم وغير كل شيء فيه منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا، كان أساسه الأفكار التي ابتدعها العلماء والمفكرون. ولهذا فان الدول المتطورة والصناعية تولي أهمية قصوى للأفكار الجديدة التي يمكن تحويلها إلى علم وصناعة وزراعة ومعرفة وفن؛ في هذه الدول إنهم يفهمون أهمية الابداع والتغيير المستمر للفكر والمجتمع، ولهذا فانهم لا يتوقفون عن البحث عن الأفكار الخلاقة، ويجلون ويشجعون العلم والعلماء والمفكرين، ويقدمون لهم التسهيلات والحوافر المادية والمعنوية لينجحوا ويبدعوا ويخدموا الناس والبلد ويساهموا في تقدم الحضارة الانسانية. أما في عالمنا العربي، فإننا غالبا ما نحارب الفكر التجديدي، ونتصدى لاي فكرة يقدمها لنا عالم أو مثقف بالزعيق والنعيق، وندعمه بتمنياتنا ونوايانا المخلصة والصادقة له ولأفكاره بالفشل المدوي المحيق، لا بالتوفيق!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here