د. كاظم ناصر: طائرة المساعدات الإماراتية والجدل الدائر حولها

د. كاظم ناصر

لأول مرة منذ اغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية، حطت طائرة شحن تابعة لشركة طيران ” الاتحاد ” الإماراتية قادمة من أبو ظبي مساء يوم الثلاثاء 19/ 5/ 2020، في مطار ” بن غوريون ” شرقي تل أبيب، وعلى متنها 14 طنا من المعدات الطبية المخصصة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتم ترتيب الرحلة بين السلطات في الإمارات وإسرائيل بدون علم السلطة الوطنية الفلسطينية؛ ولهذا رفض الفلسطينيون استلامها وبرروا ذلك، وهم محقون، إلى كون الإمارات لم تنسق مع الحكومة الفلسطينية التي ترفض أن تكون تلك المساعدات جسرا للتطبيع بين الإمارات وإسرائيل، وقالت وزيرة الصحة مي كيلة ” لم ينسّق معنا بشأن المساعدات الطبية الإماراتية، ونرفض استقبالها دون التنسيق، نحن دولة ذات سيادة يجب أن ينسق معنا.”

نحن نتساءل لماذا لم ترسل الإمارات هذه المساعدات إلى القاهرة وعمان وتنقل من هناك برا إلى الضفة الغربية وغزة؟ وهل إرسالها إلى تل أبيب على طائرة إماراتية في الوقت الذي يعلن فيه الصهاينة عن نيتهم لضم المستوطنات والأغوار للسيادة الإسرائيلية كان عفويا أم مقصودا؟ وهل لهذا التصرف الإماراتي علاقة بتنفيذ بنود صفقة القرن؟

 هذه الحادثة تدل دلالة واضحة على تعدد وتنوع وتغير أساليب بعض الأنظمة العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية بطرق وتكتيكات ملتوية وخادعة وخبيثة؛ وبما أنه من الواضح أن معظم الأنظمة العربية، وخاصة الخليجية منها، باستثناء الكويت، تتآمر وتنسق مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتمرير ” صفقة القرن”، وتصفية القضية الفلسطينية رغم معارضة الفلسطينيين والأغلبية الساحقة من أبناء الشعب العربي، فلا غرابة إذا في أن الامارات تجاهلت السلطة الوطنية الفلسطينية حيال كيفية تسليم هذه المساعدات، وفضلت أن تستغل الأوضاع الحالية التي يشهدها العالم، ويعاني منها الفلسطينيون بشدة بسبب جانحة كورونا للقيام بخطوة رسمية وعلنية كهذه لتحقيق اختراق في عملية التطبيع مع الصهاينة وكسب ودهم، وإرضاء إدارة الرئيس الأمريكي المتصهين دونالد ترامب، لإتمام عملية التصفية!

الهرولة الإماراتية لتل أبيب ليست جديده! فقد بدأ التطبيع العلني بين الإمارات والكيان الصهيوني يخرج من خلف الأبواب المغلقة في شهر يناير عام 2010 عندما حضر وزير البيئة الإسرائيلي عوزي لانداو مؤتمرا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة في أبو ظبي، وفتحت إسرائيل في عام 2015 بعثة دبلوماسية رسمية في دبي لتمثلها لدى تلك الوكالة التي تتخذ من أبو ظبي مقرا رئيسيا لها، وزارت وفود سياسية ورياضية ودينية وإعلامية إسرائيلية عديدة الإمارات منذ ذلك التاريخ.

وهذه ليست المرة الأولى التي تهبط فيها طائرات إماراتية في تل أبيب؛ فقد ذكرت قناة 12 الإسرائيلية قبل أيام أن الخطوط الجوية الإماراتية نقلت عددا من الإسرائيليين العالقين في المغرب إلى تل أبيب بطلب من الجانب الإسرائيلي؛ وذكرت صحيفة ” ذي ماركر” الإسرائيلية في شهر سبتمبر من العام الماضي أن طائرة مدنية إماراتية قادمة من دبي هبطت ثلاث مرات في مطار بن غوريون، وذكرت صحيفة ” وول ستريت جورنال ” الأمريكية ان أبو ظبي وتل أبيب أقامتا علاقات عميقة خلال السنوات الماضية، وإن مسؤولين إسرائيليين وإماراتيين يتحدثون عن توثيق وتطبيع العلاقات.

الفلسطينيون يدركون أن التصريحات العلنية الكاذبة التي يدلي بها الحكام العرب، ويعلنون فيها عن دعمهم لفلسطين وتمسكهم بالثوابت ومن أهمها دحر الاحتلال وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، لا قيمة لها، وموجهة لخداع وتضليل الرأي العام في الأقطار العربية؛ فمعظم ” أولياء الأمر ” أذعنوا للإملاءات الأمريكية الصهيونية، وتخلوا عن القدس وفلسطين، والجولان، ومزارع شبعا، وعن السيادة على سيناء وغيرها من الأراضي العربية المحتلة، ورفعوا راية الاستسلام لكل غاز معتد يهدد وطننا، فلا غرابة إذا أن تحط طائرة إماراتية في تل أبيب.

 ولا غرابة أيضا في رفض الشعب الفلسطيني استلام شحنة الأدوية الإماراتية من مطار بن غوريون، واعتبارها تطبيعا خبيثا وإهانة له ولسلطته الوطنية! الشعب الفلسطيني يكن الاحترام لإخوانه أبناء الشعب العربي، ويقدر مساعداتهم له، ووقوفهم إلى جانبه في خندق نضالي واحد برفضهم للتطبيع والتنازل عن فلسطين وقدس الأقداس. هذا الشعب العظيم الذي مضى عليه ما يزيد عن 90 سنة وهو يكافح ويضحي من أجل وطنه، ودفاعا عن الوطن العربي، وصمد في أرضه وبنى وعمر وأبدع على الرغم من المؤامرات العربية ووسائل البطش والقتل والتدمير والتهجير التي مارسها الصهاينة ضده، لا يقبل الظلم والإهانة، ولا يحتاج للحصول على أدوية الإمارات من مطار بن غوريون، وسيتمكن من إفشال مؤامرات ” أولياء الأمر “، وسينتصر حتما بإمكانياته ودعم أبناء الشعب العربي رغم أنف الصهاينة وحكام الانبطاح والخذلان العرب!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here