د. كاظم ناصر: أمريكا لن تتورّط في حرب مع إيران من أجل عيون العرب

د. كاظم ناصر

تختلف التكهّنات حول إمكانية اندلاع حرب مدمّرة بين إيران وأمريكا وأتباعها العرب، لكن من المرجّح ألا تقوم الولايات المتحدة بإشعال حرب تهدّد مصادر الطاقة والاقتصاد العالمي، وينتج عنها حمامات دم ودمار وتغييرات جغرافية وديموغرافية هائلة يكون لها أضرارها وآثارها الرهيبة على المنطقة وشعوبها، وخاصة على دول ومواطني مجلس التعاون الخليجي لعقود عديدة قادمة لأسباب متعدّدة من أهمها:

أولا: ان الهجوم الأخير على معملي النفط في “بقيق وخريص ” أثبت فشل الجيش السعودي والقواعد وحاملات الطائرات والرادارات المتطوّرة والأقمار الصناعية الأمريكية في اكتشاف الصواريخ والطائرات المسيرة المهاجمة والتصدي لها، ممّا أثار الذعر في واشنطن والرياض وأبو ظبي وعواصم دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وأرغم إدارة ترامب على التراجع عن رغبتها في ضرب إيران.

ثانيا: ألحق الهجوم ضررا كبيرا بالمنشآت النفطية الهامّة في ” بقيق ” التي تعتبر من أكبر المنشآت النفطية في العالم، و” خريص” وألزم السعودية على تخيض إنتاجها من النفط ما يزيد قليلا عن 50%، وأحدث ضجّة عالمية، وأثار الذعر من تهاوي الاقتصاد العالمي؛ وطرح سؤالا هاما هو ما الذي سيحدث إذا تورطت أمريكا ودول الخليج في حرب واسعة قد ينتج عنها تدمير معظم منشآت النفط والغاز في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر؟

ثالثا: إيران دولة كبيرة وقوية ولها تاريخها في الحروب والثورات، وأثبتت من خلال إسقاطها لأحدث وأغلى طائرة أمريكية بدون طيار، وتطوير قدراتها الصاروخيّة والتقنيّة، واحتجازها لناقلات نفط، ورفضها الرضوخ لإرادة أعدائها أنها أقوى وأكثر تصميما على التحدي والتصدي ممّا تعتقد أمريكا ومن يدعمون نواياها العدوانية، وإذا هوجمت فإنها ستقاتل بشراسة وتحاول أن تقوّض المعبد على رؤوس الجميع.

رابعا: إن حربا مدمرة كهذه ستدخل المنطقة في صراعات طويلة الأمد قد تقود الى ثورات شعبيّة عربيّة تطيح بالأنظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة، وتشكّل تهديدا خطيرا للمصالح الأمريكية في الوطن العربي ولوجود إسرائيل.

خامسا: إدارة ترامب ستستغل الوضع الراهن باستخدام ” الفزاعة ” الإيرانية للاستمرار في ابتزاز دول الخليج والزامها على دفع المزيد من المليارات مقابل حمايتها وثمنا لأسلحة تساهم في إنعاش الاقتصاد الأمريكي.

سادسا: هذه فرصة للولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وهذا ما حدث فعلا فقد طلبت السعودية والإمارات مساعدة الولايات المتحدة، وقررت أمريكا إرسال مئات العناصر من جيشها، وأجهزة دفاعية ضدّ الصواريخ للسعودية والإمارات لحماية مؤسساتهما النفطية، وستدفعان تكليف هذه القوات والمعدات بمليارات الدولارات!

سابعا: الرئيس الأمريكي فقد مصداقيته وفشل في إقناع حلفاء أمريكا التقليديين بدعم سياساته، ويواجه مشاكل في الداخل ومعارضة قويّة من الكونجرس، ولهذا فإنه لا يرغب في إشعال حرب تكون السبب في قتل أمريكيين وتلحق ضررا بالغا بالمصالح الأمريكية، وتؤثر سلبا على فرصه للفوز في الانتخابات الرئاسية العام القادم.

الولايات المتحدة تدرك خطورة الوضع وتحاول استغلال النزاع كوسيلة للمزيد من الابتزاز والهيمنة على دول مجلس التعاون الخليجي؛ ولهذا فإن الرئيس الأمريكي ترامب، ووزير خارجيته بومبيو وغيرهما من المسؤولين الأمريكيين أعلنوا أكثر من مرة أن الولايات المتحدة لا تريد التورط في حرب في المنطقة، وإنها تفضّل حلاّ دبلوماسيا لهذا النزاع؛ طبعا ليس من أجل عيون العرب شعوبا وحكاما، ولكن لأنها تعتقد ان الحرب ستدمّر الاقتصاد الأمريكي، وتعرّض أرواح عشرات آلاف الجنود الأمريكيين المتواجدين في القواعد الأمريكية في المنطقة للخطر، وقد تهدد وجود إسرائيل.

دول الخليج التي اعتمدت في العقود الماضية على الوعود الأمريكية لحمايتها أصيبت بخيبة أمل؛ السعودية والإمارات والبحرين التي تضغط على أمريكا لضرب إيران وجدت نفسها معزولة ومكشوفة وعاجزة عن حماية نفسها، وستكتشف أن وعود الحماية الأمريكية كاذبة، وان أمريكا لن تتورّط في نزاع خطير يهدّد السلام العالمي من أجل عيون العرب شعوبا وحكاما؛ الذي يحمي دول الخليج وينقذها من أزماتها الحاليّة ويوفّر لها الأمن والاستقرار هو شعوبها وإخوانهم العرب، وإنهاء حرب اليمن، ورفض التطبيع مع إسرائيل، وحلّ خلافاتها مع إيران بالطرق السلميّة.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ايران كشفت ورقة التوت
    وين الملايين الشعب العربي وين
    اذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here