د. فريد العمري: توحش الإدارة الأمريكية.. الداخل الأمريكي

د. فريد العمري

من المتفق عليه في السياسات الدولية أنه ينبغي اتخاذ القرارات وفق استراتيجية محددة تتمخض عنها دائما نتائج حقيقية لمصلحة الدولة المعنية باتخاذ القرار، سواء بحق الدول الأخرى، أم بحق الشعب، وعادة ما تتبع الدول خططا وبرامج طويلة الأجل في سبيل تحقيق مصالحها سواء على المستوى الوطني (المحلي)، أو (الدولي) الخارجي، طبعا باستثناء الأزمات الطارئة: الكوارث الطبيعية، أو الأوبئة، وغيرها، أو الأزمات التي تنشأ بسب الحروب، والاعتداءات غير المحسوبة، والمواقف السياسية المتجددة لأسباب غير متوقعة!!!

ما نشاهده في السياسة الأمريكية على الصعيدين الداخلي والخارجي يخرج عن المألوف في علاقة دولة عظمى مع بقية الدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وكذلك في الإجراءات المتخذة فيما يعصف بها من أزمات داخلية، ولعل المتتبع لما تقوم به الإدارة الأمريكية محليا ودوليا، يلاحظ أن المبادرات الأمريكية والإجراءات التي تقوم بها إنما تنبني على مبدأ الفزعات التي لا تفيد صاحبها، بل ربما تأتي عليه بنتائج عكسية؛ فإذا بادر أحد أعضاء الإدارة بإطلاق موقف سرعان ما يسارع الآخرون في الإدارة لتبنيه من دون النظر في مشروعية الموقف، وموافقته للمصالح الأمريكية العليا، وقدرته على التنفيذ، وغير ذلك من مسوغات، المهم أنه يتماشى مع الموقف الحالي، وليس الرؤية المستقبلية، وديمومة المصداقية الأمريكية، ولعل في بعض المواقف المتخذة يمكن تأكيد، أو تلخيص ما يمكن أن نطلق عليه التغوُّل، أو التوحُّش الأمريكي على مستوى العالم، ويتمثل ذلك في محورين: الداخلي، والخارجي، ولعلنا نسلط الضوء في هذه المرحلة على البعد الداخلي، حيث يتمثل في النقاط الآتية:

جدار الفصل العنصري

وما زال العمل جاريا على إقامة الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة وجاراتها الدول الجنوبية ولم يعد أحد يتحدث عن هذا الموضوع إلا عندما يطرأ استحقاق مالي فيما يخص زيادة الصرف على هذا المشروع الذي لم يلاق أي قبول عند عامة الناس وكذلك المسؤولين، وقد تعطلت الحياة العملية في الدوائر الحكومية الأمريكية لمدة هي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الخلاف على بناء هذا الجدا، وتمويله؛ حيث بين كثير من كبار الساسة الأمريكيين أن الجدار لن يمنع طالبي اللجوء، والهاربين من النزاعات المحلية بسبب الأنظمة المستبدة في دول الجوار، فهؤلاء سيقدمون أنفسهم على المعابر الحكومية من غير خشية من سلطات الهجرة، وبينوا أيضا أن المخالفين لأنظمة الهجرة هم من الذين دخلوا البلاد بصورة شرعية، وتخلفوا عن المغادرة بعد إمضاء مدة إقامتهم الشرعية كل بحسب أسبابه الخاصة، حيث لا يرغبون بالعودة إلى بلاد الفقر، والظلم، والاستبداد، ويفضلون البقاء في أمريكا على أنها بلاد الديموقراطية والحرية، والاقتصاد المزدهر، والعمل، والرفاهية.

ثم إن التحجج بتهريب المخدرات وغيرها لم تكن أسبابا مقنعة لكثير من رافضي بناء الجدار؛ ذلك أن نسبة الذين يتم إلقاء القبض عليهم بسبب هذا النوع من التهريب ليست كبيرة إلى الحد الذي يستدعي هذا الحشد الكبير من الموانع؛ فالتهريب يتم، وما زال يجري عبر المنافذ الحدودية الدولية عبر البضائع، والمستوردات المختلفة،

قوانين الهجرة، والمهاجرين

باتت كل شعوب العالم تعرف تلك القوانين الجائرة التي بادرت إلى اقتراحها الإدارة الأمريكية الحالية، ثم تطبيقها، حيث خالفت هذه الرئاسة كل الرئاسات السابقة، وأقدمت على تطبيق قوانين للهجرة، ومنح الإقامة، والجنسية لم يفكر بها السابقون من الرؤساء والإدارات الحكومية، ولا حتى المشرعون مما سبب أزمة كبيرة على المستوى المحلي لملايين المقيمين على أرض الولايات المتحدة، حيث تقطعت بهم السبل، ولم يعودوا قادرين على الشعور بالأمان والاستقرار بسبب الملاحقات القانونية، والإجراءات التي تحول بينهم وبين أسرهم، وأعمالهم، وأهليهم، وبلدانهم!!!

ولم تعد الإدارة الحالية تراعي وجود عائلات منقسمة ما بين الولايات المتحدة وبلادهم الأم التي هاجروا منها، ويرغبون في لمّ شملهم، فتصعّب الإجراءات التي كانت سهلة في العادة في مثل هذه الحالات الإنسانية في عهد الإدارات السابقة، طبعا بحسب القوانين المتبعة!!!

حتى وصل الأمر إلى أن تهدد الإدارة الحالية بإصدار قرار تدرج فيه اسم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في القائمة السوداء التي يُمْنَع المدرجة أسماؤهم فيها من دخول الولايات المتحدة، وستفرض قيودا على تأشيرات الدخول ضد أفراد بعينهم، ويتم هذا ضمن حدود السياسة الداخلية الأمريكية لأن هذا لا يعجب صانع القرار، الذي لا يعجبه أن تحقق في الجرائم التي من المحتمل قام بها جنود أمريكيون في أفغانستان، أو إسرائيليون في فلسطين المحتلة!!!

جائحة كورونا

ولا يختلف ترامب في موقفه من كورونا عن بقية مواقفه في القضايا الأخرى، فقد تعامل معها بكل استهتار، وكأن شيئا لا يحدث، حتى إنه انتقد الدكتورة ديبورا بيركس، منسقة فريق العمل المختص بمكافحة المرض بالبيت الأبيض عندما حذرت من أن هذا الوباء منتشر بشكل غير عادي في الولايات المتحدة!!!

والحديث يطول في هذا الموضوع من رفضه لبس الكمامة إلى استخفافه بمنافسه على كرسي الرئاسة حول الإجراءات المناسبة لاتباعها في مكافحة المرض، مرورا بتعويله على الشركات الأجنبية لتوفير لقاح لهذا المرض، وشرائه من تلك الشركات، وتركيزه على اتهام الصين بأنها مصنّعة هذا الفيروس، وغيرها الكثير من المواقف التي تعبر عن عدم اكتراث بما يجري في الساحة الأمريكية، وعدم مراعاة معاناة عموم الشعب مما ألمّ به بسبب هذه الجائحة!!!

الصراع الطبقي، أو العنصري: ولعل المشاهد التي رأيناها أخيرا في الساحة الأمريكية بعد حادث قتل المواطن (جورج فلويد) تدل على ضعف التعاطي مع هذا الحدث المريع، فلم تكن استجابة الإدارة متناسبة لا طرديا ولا عكسيا، رجل يقتل بدم بارد ومن دون أي ذنب على مرأى من العالم الديموقراطي الحر على الرغم من موجة الاحتجاجات العارمة ولا مجيب من الإدارة ليس لشيء فقط لأنه أسود البشرة من أصول إفريقية، ثم تهديد المدن الفوضوية بقطع التمويل الحكومي عنها، وهذا يمثل الحلّ في السياسة الداخلية للإدارة الأميركية الحالية؛ فبدل أن يستدعي الرئيس الأمريكي كبار ساسته لوضع خطط واستراتيجيات لحماية المواطنين ذوي الأصول الإفريقية، وحتى ذوي الأصول غير الغربية ممن صاروا مواطنين أمريكيين وفق قوانين الهجرة إلى أمريكا؛ وبدل أن يستدعي المشرعين لدراسة القوانين والأنظمة التي ما زالت تشوب بعض القوانين، وتشوه طبيعة العلاقة بين المواطنين من مختلف الأصول والمنابت؛ بدلا من ذلك نراه يهدد مرة بإرسال الجيش الوطني إلى تلكم الولايات التي خرج سكانها للاحتجاج على نهج الشرطة في التعامل مع هذه الفئات من المواطنين، ومرة يصفهم بالإرهابيين، ويتعامل معهم على أنهم خارجون على القانون، ومرة يهدد بقطع التمويل الوطني الذي هو من حقهم وفق الدستور الأمريكي عن سكان تلك المدن التي يعدها فوضوية، وهكذا يتعامل مع هذه القضية بروح استبدادية، لا ندري هل اكتسبها من تعاطيه مع استبداد الرؤساء العرب، أم هي العنصرية المقيتة التي ألحَّ الدستور الأمريكي بمعظم فقراته على محاربتها، والعمل على تحقيق المساواة بين جميع أفراد المجتمع الأمريكي، وعمل على ذلك كل الرؤساء الأمريكيين!!!

غير أن الداخل الأمريكي بدأ في عهد هذه الإدارة بشكل محموم، وغير مسبوق الميل إلى اتخاذ العنصرية ضد هذه الفئات طابعا سلوكيا ربما انتقل بفعل الشعور المتنامي لدى المواطنين ذوي البشرة البيضاء من أصول أوروبية إلى السلوك العام، وتبين ذلك من خلال أداء الشرطة في قيامها بواجباتها، إذ تمارس العنف الواضح في أكثر من مرّة، وفي مختلف الولايات على حد سواء، فقد كان كل الأموات بسبب الشرطة هم من السود، وغير ذوي الأصول الأوروبية من العرب، والمسلمين، والآسيويين!!!

وقد اعتبرت وزارة الأمن القومي الأمريكية أن المتشددين لتفوق الجنس الأبيض سيشكلون التهديد الأخطر على مستقبل الولايات المتحدة في السنوات القادمة، حيث استفاد هؤلاء من الأحداث الاجتماعية والسياسية الأخيرة، نظرا  لأن ترامب غالبا ما يستخدم القضية العرقية في مسعاه لإعادة انتخابه مرة خرى، وكثيرا ما قلل من أهمية تهديد ما يسمى التفوق الأبيض!!!

هذا غيض من فيض، مما قامت به هذه الإدارة في المشهد الأمريكي، فضلا عن التعاملات الخارجية – سنخصص لها موضوعا خاصا – التي تنتهك من خلالها كل السياسات التي ارتكزت عليها الإدارات السابقة مما يعد من الثوابت الوطنية الأمريكية!!!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here