د. فاضل البدراني: بغداد وأنقرة خارج الدبلوماسية

fadel-badrani.jpg888

 د. فاضل البدراني

كلمات وجمل من نوع آخر خارجة عن سياق البروتوكول الدولي الذي يفترض ان يكون حاضرا في ضبط ايقاع العلاقات الدولية وتهذيب لغة الزعماء والحكام الدوليين، لكن ان نستمع عبر وسائل الاعلام الى لغة التنابز بالالقاب مثلما جاء بالجمل الاتية المتنافرة ” الزم حدك “واخرى سنحرر بقواتنا وليس بالسكايب” فهذه باعتقادنا بقدر ما هي صادرة عن قادة دوليين فأنها لغة في قمة الهبوط بالسلوك القيادي والتراجع في مستوى اللغة العليا التي يفترض ان يستمع لها المواطن وجمهور الاعلام والسياسة من هذه النخب السياسية العليا. فالجملة الاولى “الزم حدك” رددها الرئيس اردوغان والثانية “ليس بالسكايب” رددها الرئيس العبادي ..طيب ماذا بقى للمواطن العادي غير المتعلم أن يقول عندما ينظر للتدخل التركي في العراق وماذا يقول للمواطن الذي يقف بجانب التدخل التركي في العراق؟ وعليه فنحن ننظر ونستمع الى صوت طواحين الهواء.

ان مثل هكذا اتهامات وتصريحات نارية متبادلة بين رئيس الوزراء العراقي والرئيس التركي يفترض ان لا تكون في هكذا ظروف معقدة وخطيرة تمر به هاتين الدولتين وتتكالب عليهما تحديات دولية أقل ما يقال عنها أستراتيجية غربية لتقسيم بلدان المنطقة وتغيير خطوط وعلامات جغرافية لاتفاقية سايكس بيكو 1916، وبدل ان يلجأ الزعماء لهذا الصوت العالي الخارج عن سياق المسؤولية القيادية كان المفروض اللجوء لسلاح الدبلوماسية الفعال في اخماد الازمات عبر قنواتها الهادئة بالخطابات المحنكة وتبادل الزيارات واجراء الحوارات الدافئة داخل القصور الرئاسية بعيدا عن الضجيج الاعلامي والسياسي وبأتكيت دولي يفرض على المسؤول في الادارة السياسية والدبلوماسية التحلي بالحوار الهاديء البناء الذي يراعي المصالح الدولية ويضيق من فضاء الازمات كثيرا وصولا لحلول منطقية تحقن الدماء وتخدم مسار حركة التبادل التجاري .

وقضية تحرير نينوى التي اصبحت قضية دولية كشفت بما لا يقبل الشك عن دور خطير تمارسه الولايات المتحدة الاميركية بأفتعال الازمات باستغلال هذه الأشكالية الخطيرة واللعب بالنار وتأزيم صراع المصالح بين دول اقليمية مثل تركيا وايران حيث أعطت واشنطن الضوء الاخضر لتركيا بأن تتدخل في الموصل لأجل المشاركة مع التحالف الدولي وتحريرها من الارهاب كما منحتها الضوء الاخضر للتواجد والاشراف على الرقة بسوريا ومدن اخرى هناك، والواقع يشير الى ان معركة الموصل لن تكون فيها اية قوة وشراسة لداعش تذكر في مواجهة القوات الدولية والعراقية، بل ستكون معركة من نوع اخر لا نستبعد ان تحاول الولايات المتحدة الاميركية اشعال الصراع بين الجيش التركي وقوات الحشد الشعبي في العراق التي تصر قياداتها على المشاركة بالمعركة ،وسيكون ذلك كله تحت مرمى الصورايخ الاميركية العشوائية بالعلن والذكية بالخفاء.

وبنظرة تحليلية لطبيعة الخطاب العراقي بالوقت الحالي بشقيه الحكومي والبرلماني يبدو ان الدرس لم يكن مستوعبا لدى الغالبية من المسؤولين وان تداخل الاجندات الدولية والخطط المرسومة ضد العراقيين والمبيت في أستغلال موضوع تحرير نينوى بعيد عن اذهانهم، ثم ان لغة التهديد والوعيد عمرها ما جلبت نفعا لمطلقيها،والسؤال الى متى سيبقى القادة في العراق يمارسون لغة الكبرياء في التعامل بعلاقاتهم الدولية وينسون ان مصلحة بلادهم ينبغي ان تكون هي الاصل الذي يدفعهم الى التمسك بخطاب الدبلوماسية الناعمة ويعزز هذا سلوك دبلوماسي أخر يتوج بزيارة لرئيس الحكومة او وزير الخارجية ويتخطى لغة التنابز بالالقاب والانفعالية والتشنج،وعندها فانه من المؤكد ستستبدل كلمات ” التحرير بالسكايب”  الى ” لغة المصالح المشتركة “ولغة ” الزم حدك ” الى ” سنحافظ على علاقات حسن الجوار”.

أزمة تحرير الموصل من داعش التي ستتحقق بهروب قادة هذا التنظيم دون قتال قريبا ستجعلنا نتحدث عن واقع جديد لعراق ما بعد تحرير الموصل، كما دأب على ترديده الاعلام الغربي في اذهاننا دون ان نعي خطورته “عراق ما قبل احتلال الموصل “.ومن هنا ينبغي أن يكون حاضرا في ذهنية صانع القرار السياسي العراقي من المشرع والمنفذ .

كاتب وأكاديمي عراقي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here