د. فاضل البدراني: المفكر أدونيس: حرروا العقول

د. فاضل البدراني

قصير القامة،، شفاف وأنيق، متطلع ويقظ لما حوله، يتميز بامتلاكه الحاسة السادسة في مواقف عدة ، كثير الحركة بتوزيع نظره يمينا ويسارا، يشعرك أنك أمام شخص بدماغين متوقد الذكاء ،وبعيون أربعة، يتسم بنظرات ثاقبة، وفضلا عن هذا وذاك ، أنه فصيح اللسان ،فيلسوف في صياغة الجملة، عبقري في انتاج المفردة ، بداية حياته جاءت نقية ، تهذب لسانه بنطق الحرف العربي، وترطب قلبه بحفظ القرآن الكريم قبل ان يبلغ 13 من العمر، بمواظبة ورعاية والده له ،ومتابعته لمواصلة تعليمه عند الكتاتيب والحفظة الاسلاميين في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا.

البداية لكل عبقري، يفجرها موقف كبير ،احتفال مؤثر في النفس ، أو لقاء زعيم كبير، أو موقف حزن ، أو عاطفة تهز وجدانه، وكانت بداية بروز العبقرية الشعرية للشاب الصغير علي أحمد سعيد إسبر المولود في العام 1930 عندما زار الرئيس السوري شكري القوتلي حينذاك قرية قصابين في جبلة عام 1944،والقى قصيدة نالت أعجاب الجميع، فأرسلته الدولة إلى المدرسة العلمانية الفرنسية في طرطوس، فقطع مراحل الدراسة قفزاً، وتخرج من جامعة دمشق متخصصاً في الفلسفة سنة 1954.والتحق بالخدمة العسكرية عام 1954، وقضى منها سنة في السجن بلا محاكمة بسبب انتمائه -وقتذاك- إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تركه تنظيميا عام 1960. غادر سوريا إلى لبنان عام 1956, حيث التقى الشاعر يوسف الخال, وأصدرا معاً مجلة ” شعر”  في مطلع عام 1957. ثم أصدر مجلة مواقف بين عامي 1969 و1994.

وصف بالشاعر العالمي بسبب ترجمة مؤلفاته العديدة في الشعر والفلسفة والنقد والأدب الى 13 لغة عالمية، خرج أحمد علي أسبر، على تقاليد التسمية العربية منذ العام 1948 عندما أطلق على نفسه اسما مستعارا ب ” أدونيس” تيمنا ب(أسطورة أدونيس الفينيقية) وهي رغبة جامحة ولدت عنده في وقت مبكر لولوج العالمية التي نالها لاحقا، شغل ادونيس النقاد العالميين بطريقة تناوله للشعر وبلاغته في صياغة الجمل بطرح فلسفي عميق جدا، اذ استطاع بلورة منهج جديد في الشعر العربي يقوم على توظيف اللغة على نحو فيه قدر كبير من الإبداع والتجريب تسمو على الاستخدامات التقليدية دون أن يخرج أبداً عن اللغة العربية الفصحى ومقاييسها النحوية وهذه احدى ميزات هذا الناقد العالمي.

 ادونيس قصة بشرية مليئة بالتطور الفكري ، انسان بدماغين بخلاف الآخرين، وللمزايا التي يتمتع بها فقد صدرت بعض الدراسات النقدية عن إنتاجه الأدبي، ومنها كتاب بعنوان أدونيس بين النقاد قدمه المفكر العربي العالمي إدوارد سعيد قال فيه بأنه الشاعر العربي العالمي الأول. كما تناولته كتب كثيرة بالنقد والتجريح، وكتب كثيرة وصفته محاوراً. لكن يبقى هذا الناقد والشاعر والمفكر العربي الكبير الذي يعيش في باريس منذ 30 عاما، سفيرا للثقافة العربية في المنتديات العالمية ،ورئيس جمهورية الأدب العربي في الملتقيات الاجنبية، اذ تمكن من نقل الشعر العربي إلى العالمية. ومنذ مدةٍ طويلة، يرشحه النقاد لنيل جائزة نوبل للآداب. كما أنه، بالإضافة لمنجزه الشعري، يُعدّ واحداً من أكثر الكتاب العرب إسهاما في المجالات الفكرية والنقدية بالإضافة لإتقانه الرسم وخاصة بالكولاج.

من يلتقي أدونيس يشعر أنه أمام أيقونة فكرية وعبقرية انسانية قل نظيرها ،لا خيار أمامه سوى أن يلوذ بالصمت المطبق والإصغاء لتلقي ما ينهل به عقل هذا المبدع، وهو يطوع حروف العربية بلهجة عربية فصحى عذبة ،بلسان تتزاحم عليه لغات اجنبية لا سيما الفرنسية ، لكن ذلك منحه ابداعا اكثر وفكرا عالميا أوسع كله يصب في لغة الضاد التي انطلق للعالمية منها ،وسكنت هي في روحه وفكره ووجدانه.

أدونيس الذي التقيته في ملتقى الاعلام العالمي الخامس بالفجيرة في وقت سابق، اعتذر عن القاء قصيدة في حفل الافتتاح  ،وأخذ يقرأ كلمة مكتوبة على ورق، توقعت قبل يبدأ بالقراءة لحظتها إني سأعاني وطأة الملل باعتبارها طريقة تقليدية يمارسها الكثيرون في الملتقيات والمنتديات الادبية والبحثية، لكنه في أول سطر من كلمته فرض على الكل أن يلوذ بالصمت لقوة بلاغة ما يتحدث به، اسلوبه الممتع جعله يعمد الى اجراء مقاربة ومنافسة حادة بين الكلمة والجملة أيهما أقوى في إثبات الوجود والتأثير في المتلقي، فكنا بين متعة التلقي وخيارات التفضيل في بلاغة اللغة التي يتحدث بها ادونيس. ومن ضمن الذي قاله مخاطبا الكثير من المفكرين والباحثين ” عندما ننظر للعرب كمؤسسات وحكومات ، نجدهم في مؤخرة القائمة عالميا، وعندما ننظر لهم كأفراد فأنهم في مقدمة القائمة عالميا ” هو يشخص بأن ديكتاتورية النظام العربي، والرجعية التي تتحكم ببوصلة المؤسسات العربية ،هي النتاج التراجعي للعرب، لغياب العدالة، وتغييب لحرية الرأي والتعبير. وقبل أن نفترق قال لي ” للحفاظ على العراق من الخطر، ينبغي اعادة بناء مؤسساتكم التعليمية والتربوية بطرق علمية سليمة للحفاظ على الأجيال، وكنس المخلفات من عقول الناس، وتحريرها من شعور الكراهية “.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الى الاخ حسن
    بعد التحيه
    لا يا سيد حسن السيد أدونيس يريد تبديل الارض في الجنه مستعجل جدا و هذه مستحيل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here