د. فاضل البدراني: الصمت في حرم الجمال جمال: تجربة عراقية مع حفلة موسيقية وبعض لا يحترم الأصول

د. فاضل البدراني

بالأصل لم أكن شديد الحرص على حضور الحفلات الغنائية و السيمفونية منذ بداية مشواري المهني في صاحبة الجلالة، سوى التي أحضرها عندما تقام على هامش انعقاد مؤتمرات وفعاليات فكرية وعلمية وبحثية أو حتى وطنية مع بقية زملاء واصدقاء، ولكن نزولا عند رغبة صديق عزيز ،وافقت على حضور أمسية قبل ايام تحييها الفرقة الغنائية للمايسترو علي خصاف في الذكرى الرابعة لتأسيسها، وكنت ضمن الجالسين في الصف الأول والعيون ترنو الينا سيما انني حضرت بكامل اناقتي ببدلتي السوداء الجديدة جدا، وربطة حمراء هدية من صديق عاد من سفر من البرازيل، وبما ان الأمسية الغنائية في نادي العلوية توقعت انها ستخضع لبروتوكول مميز يشترط في الحضور ارتداء البدلة بنفس ما كانت عليه شروط حضور الحفلات التي كانت تحييها المطربة الراحلة أم كلثوم، وكنت حريص جدا على حضورها آنذاك بكامل اناقتي، كما كان يقول لي صديق سابق، بينما كان غالبية الحضور بملبس ال ” تي شيرت ” وأحدهم ب ” البنطال والشحاطة ” لذلك هاجمني اللوم لأني تحملت حرارة الجو تحت درجة 49.

بالطبع الجميع لا يعرفني بما فيهم الفنانة المعروفة أديبة التي كنت أعرفها ولا تعرفني، المهم وقف المايسترو علي خصاف على المسرح أمام فرقته الانيقة، وانحنى لنا ايذانا ببدء فعاليات الحفل، فارتفع التصفيق، ومع بدا العزف الموسيقي صدحت أصوات أعضاء الفرقة بوصلات غنائية من التراث العراقي الجميل ومن الطرب العراقي من شماله الى جنوبه بما فيها الطور الريفي لداخل حسن والجوبي (الدبكة الغربية )، فضلا عن اغانينا الوطنية المحببة ( منصورة يا بغداد و عبرناها.. عبرناها) وهي اغان وطنية تطرب لها اجسادنا وتأخذ تتمايل مع لحنها او ترتجف وطنية، ولا كأننا الشعب الذي يستفز الف مرة باليوم من ازعاجات انقطاع الوطنية، ليأتينا خط المولد أبو الدخان ب (25 الف دينار) عن كل أمبير.

الاحتفالية التي حضرها بعض سفراء الدول العربية، اشتملت على عزف موسيقي ايضا ،وكانت تلك اللحظات مقدسة عند البعض كونها لغة فلسفية ذوقية عليا ،يستحضر فيها العنصر المخيالي وتتجسد (السيمائية، التي تسمى علم الدلالة أو المقاربة) بينما انا فكنت المستمع المؤدب الناقد بلغة صحافية نثرية ،وليس ادبية أو فنية ،لكني اعترف لم أكن بذات الحالة الوجدانية التي كان فيها الآخرون من عشاق الطرب والموسيقى ، بمعنى كنت نصف ذوق فني، أنما الذي ضايقني وازعجني كما ازعج هواة الفن والموسيقى من الحضور، الثرثرة التي كانت تنطلق من البعض، ومنهم شخص يجلس خلف صديقي الذي دعاني للحفل فقد كان كثير الاتصالات الهاتفية التي يجريها مع آخرين او يتلقاها منهم ،وبثلاث اجهزة موبايل ،وكان يتفاخر لهم بانه يحضر حفلا غنائيا وموسيقيا في نادي العلوية بينما صوته يعلو على صوت المطربة اديبة برغم صرخاتها العالية ،وكلما انهى هاتفه أمطرني بنظرة تعجب للهدوء الذي التزم به ،ويحاول عبثا ان يشركني باللغو الذي يستمتع به ،ورغم ذلك فان فلسفتي أن الصمت أجمل لغة في لحظة الغناء، في رؤية وادراك الاكاديمي الصحافي بأن صاحبة الجلالة تلتقي في كثير من الجوانب الانسانية مع عروس الحياة وسر الجمال (الفن ) أو هي ( علاقة الروح والجسد) ، سوى أن احدهم سرق مني قهقهة بصوت عال عندما تفاخر مع آخر عبر الهاتف بانه يحضر حفلا غنائيا ( يحييه الإستريو الكبير على الخصاب) على أية حال انتهت الامسية، ومع انحناء المايسترو على خصاف للجمهور في اشارة لانتهاء الحفل صفقنا له جميعا، فقال لي احدهم لماذا كل هذا الهدوء طيلة هذا الوقت فكان لزاما عليه ان اجيبه بلغة تليق بالذوق الفني الذي خفف عنا متاعب حكومتنا واحزابها وسياستها الفاشلة التي وصلت في التمادي الى مستوى قطع خدمة شبكة الانترنت، فقلت له بلغة هادئة (الصمت في حرم الجمال جمال ) .

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here