د. فاضل البدراني: الأرملة السوداء في العراق

fadel-badrani.jpg888

د. فاضل البدراني

شغلت العراقيين منذ أسابيع مخاوف انتشار “حشرة الأرملة السوداء ” وهي حشرة عنكبوت سامة أخذت تغزو أرض العراق و تعد ب “الحرب البايولوجية”، نظرا لخطورتها وتاثيراتها السمية القاتلة، وذكر عنها البعض من المختصين بان لدغتها اخطر من لدغة الافاعي بحيث تجفف المكان الذي تلدغه وفي حالات عدة أدت لحصول وفيات.وصحيح ان بعض الناس اعتبر ان تسليط الضوء عليها وتهويل الامر من قبل الجهات الصحية المختصة لا يعدوا  كونه مسرحية حكومية من نسج خيال الاجهزة المخابراتية لتحويل الانظار عن قضايا انعدام الخدمات وحقوق الانسان وزيادة ملفات الازمات ، ولكني أخالف هذا الرأي، فالحشرة فعلا انتشرت في مناطق مختلفة من البيئة العراقية وتركت آثارا سلبية مخيفة .

وفي حين تعددت آراء أخرى لمتابعين لموضوع واسباب انتشار الحشرة السوداء،و اصبح  لكل واحد تفسيره الخاص، فمنهم من رأى بأنها ناجمة عن مخلفات الحروب والاقتتال الجاري في العراق منذ عقود و افرزت هذه الحشرة الشرسة، و منهم من اعتبرها واحدة من نتاجات طبيعية للبيئة مع تطور الزمن،و أما المنطق الفعلي فانه يشير الى التلوث البيئي في العراق الناجم عن تعدد طوابير واكوام النفايات المتراكمة بشوارع المدن العراقية ومنها العاصمة بغداد، التي تطرح رائحة بيئية  مزعجة تزكم الأنوف، و كأننا أمام لغة مشتركة تقولها طوابير النفايات “شكرا يا بلدية نحن في خدمتك”و لن نتعب ملاكاتك العاملة.. ومن وجهة نظر منصفة فانه يجب استبدال تسمية ” الأرملة السوداء” بحشرة ” البلدية السوداء “. لأن الحروب زادت من نسبة الأرامل في العراق بشكل مخيف يتجاوز حاليا ثلاثة ملايين ونصف المليون أرملة وحوالي ستة ملايين يتيم، وتشكل الحروب والغزو الاميركي مطلع 2003واعمال العنف نسبة 90 بالمئة من اسباب هذه الاحصائية المخيفة .

وما يصيب البيئة العراقية من تلوث وانعدام وتردي الواقع الصحي انما هو دليل غياب الدور الحكومي بحيث اصبحت البيئة تحوي انواعا من البعوض والافاعي والحيوانات والحشرات الغريبة التي لم تالفها البيئة العراقية سابقا،ومنها مثلا افعى سيد دخيل التي ازهقت ارواح الكثير من المواطنين منذ اربع سنوات ،والحكومات العراقية المتعاقبة لم يتحرك ساكنا ،ولهذا فان غضب المواطن العراقي وانتقاده لغياب الاداء الحكومي جاء بسبب ما يتعرض له من اذى وفقر وجوع وتلوث ، في الوقت الذي يتنعم فيه زعاماته ومسؤوليه بحياة ملؤها الرفاهية التي لا يمكن ان توصف من رخاء في بلد جمع المتناقضات الثلاث “الأغنى في العالم بامتلاكه الثروات المتعددة،والاكثر رفاهية عالميا لحياة قادته،والأفقر لسكانه جراء سياسة النهب والسلب والفساد.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here