د. علي الباشا: هل الانسحاب الأمريكي من سوريا بادرة حسن نية؟

د. علي الباشا

يعلم الجميع أن تنظيم داعش الذي ظهر في سورية و العراق بتداخل تركيبته هو لعبة دولية معقدة البنية و التجانس مثله مثل أي تنظيم متشدد يظهر في ظروف مماثلة. غير أن اللافت في الأمر أنه اعتمد في قوامته على مقاتلين “عرب” سوريين وعراقيين واجتذب مقاتلين مستوردين من أعراق متعددة. وحين قامت أمريكا بدعم الفصائل الكردية لمحاربته في مناطق شمال سوريا وشرقها فهي تعلم حق العلم التوجه العاطفي للأكراد في تطلعهم القومي وهو عاملٌ ساعدها على استخدامهم في دحره . وحين جاء إعلان الرئيس الأمريكي في 19/12/2018 بسحب كامل قواته من شمال وشرق سورية التي كان هدفها الرئيسي هزيمة داعش حسب قوله وليس لأمر آخر بتأكيد متحدث باسم إدارته ” ليس لتحويل سورية إلى ديمقراطية مثالية ” ، هو كلام حمل في مضمونه عدم الرغبة بالمحافظة على التنظيم الكردي وعدم الإيغال في المستنقع السوري. هذا القياس التقاربي يعني أن دولة عظمى مثل أمريكا تحكم كوكب الأرض ليس في وسعها التعامل حتى النهاية مع تنظيم ميليشيوي تتجاوز من أجله دول ذات نفوذ عالمي مثل روسيا التي أرسلت طائراتها الاستراتيجية التي بمقدورها حمل رؤوس نووية إلى فنزويلا حيث الحدود الأمريكية وعلى نحو مماثل عضو الناتو دولة تركيا التي ضاقت ذرعاً من التصرفات الأمريكية و باتت قاب قوسين من التمازج التام مع روسيا و على نحو ما مع إيران.

أمريكا تعلم جيداً أن التنظيم الكردي الذي حارب داعش لم يكن هدفه هذه الحرب قط إنما استحقاقات ما بعدها ، وهي تعلم أيضاً أنه ينتمي إلى أقلية عرقية تقع في نحو 2.3 %  مقارنة مع العرب التي تتجاوز نسبتهم الـ 84% من سكان سوريا. وهو أمرٌ لا يخوله مهما غلبت الحيلة اقتطاع جزء من الأراضي السورية لإقامة كيان مستقل أو شبه مستقل. لو افترضنا أن الولايات المتحدة لم تنسحب من سوريا، فإن ذلك التنظيم سيشكل عبء ثقيل عليها في المستقبل القريب خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تدهور العلاقات الأمريكية التركية بسببه ويماثله العلاقات الروسية الأمريكية. أما على صعيد الجغرافيا فهذا الكيان المتشكل – جدلاً- يقع بين مجموعة دول تعاني من اشكالياته التاريخية على مدار عقود، ووجوده سيخلق مشاكل إضافية للولايات المتحدة وهي التي لمست بتكثيف تواجدها خطر الوجود الإيراني في سوريا، وهذا ما جعل من “وثيقة بتروشيف” التي حملها إلى إسرائيل نافذة رغم رفض نتنياهو، ليأتي هذا الانسحاب في شكله بادرة حسن نية من الجانب الأمريكي يضع روسيا أمام تعهداتها تلك التي جاءت في مضمون الوثيقة التي نصت إحدى نقاطها على ” إخراج القوات الإيرانية والموالية لها من سوريا “، وبالتالي ضمان أمن وسلامة إسرائيل.

 إعلان  الرئيس ترامب الإنسحاب من سوريا جاءً منسجماً مع ما قطعه من وعود انتخابية ومتماشياً مع الرؤية العميقة للسياسة الأمريكية التي تعتبر سوريا خارج نطاق مصالحها الاستراتيجية منذ ما ينوف على المائة عام .. وهو ما يبدو أن الرئيس ترامب قد استند إليها في محاججته وتغافل عنها وزير دفاعه جيمس ماتيس لكنه أشار إليها ربما بغير قصد في رسالة استقالته : إن للرئيس الحق في تعيين شخص ما “تكون رؤاه أكثر اتساقا مع رؤاكم”.

***

نود أن نذكّر من يتغنى بالتعايش المشترك أنه أبان الحكم العثماني للمنطقة وتحديداً بين عامي 1831- 1846 أباد الكرد قرى السريان بين سوريا و تركيا بمقتلة راح ضحيتها نصف مليون سرياني حينما أعلنوا عليهم الجهاد المقدس بحجة أنهم كفرة ، وشاركوا عام 1914م في مقتلة المليون أرمني حينما استخدمهم العثمانيون لذلك والمفارقة اليوم أنهم يكنون شديد العداء للدولة التركية. ومن ذاكرة الحاضر أنهم ارتكبوا نفس الخطأ التاريخي مع للعرب بحجة أنهم ينتمون للمتطرفين الدواعش، فلا غرابة إن سمعنا أن عناصر داعش المتحدرين من العشائر العربية في سوريا يبادروا بالانتقام ليس لمنظومة داعش بل لتنكيلهم – أي الأكراد- بأهلهم وذويهم  من العرب ، فلو أقنع الأكراد العالم كله أنهم قاتلوا داعش، تبقى مشكلتهم قائمة مع أبناء المناطق العربية في منبج والرقة و الحسكة ودير الزور هؤلاء الذين يمثلون ملايين العرب السوريين.

ولا غرابة أيضاً أن تظهر الإدارة الكردية في باريس في 21/12/2018 لاستجداء الدولة الفرنسية لحمايتهم ، خاصة أن للاحتلال الفرنسي تاريخ أسود في سوريا فإلى جانب أفعاله الإجرامية الأخرى فقد تغاضى عن الكرد عام 1937 م في مذبحة عامودا السورية التي نفذوها ضد السريان.

عقلاء الكرد الذين سكتوا عن هذه الممارسات وخاصة زعماء العشائر الكردية في الجزيرة السورية المشهود لهم بالحكمة و الفطنة و بعد النظر، ارتكبوا خطأ مركباً بانجرارهم وراء الدعاية القومية التي روجتها الأحزاب التنظيرية باستغلالها الأزمة السورية المترامية في المكان و الزمان. لكن هذا لا يمنع من تصحيح المسار باعتبار الكرد جزءاً من الفسيفساء السوري..!

دمتم بخير ،،

* كاتب وأكاديمي سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here