د. علي الباشا: معركة شرق الفرات في سورية: حرب الوجود أو اللاوجود

 

د. علي الباشا

تحاول الإدارة الأمريكية استخدام وقائع الوعي الزائف والعقائد المنافسة منذ بداية احتلالها للأراضي السورية ، وترمي بذلك إلى تحديد مفهوم الصراع على أساس التنافر بين طبيعتين متضادتين ، وهو ما استثمرته ديناميكياً. علينا أن نعي أنّ سعيها للهيمنة على شرق سوريا والمنطقة ككل من بوابة محاربة الإرهاب بنيّة خبيثة ، هو مشروع ماسوني ، بالدرجة الأولى ، يندرج تحت منظور المؤامرة الفائقة.

ووفقاً لهذا المنظور، فإن سورية – في تركيبة دول الشرق الأوسط – تشكل عقدة تاريخية لها منذ الخمسينيات من القرن المنصرم وحتى قبل ظهور حزب البعث ، ووجدت في الصراع الدائر فيها منذ 2011م ، فرصة مواتية لوضع حد للسياسة السورية . على ذلك ، دأبت في استخدام عناصر مختلفة من المعارضة المسلحة ، والعناصر التكفيرية مثل داعش و النصرة و القاعدة ، ثم وجدت العنصر الكردي من جانب أنه أكثر راديكالية من العناصر المتأسلمة ، فحاربت به داعش وتريد الإحتفاظ به لمعارك أخرى . ولأنّ لا شيء يحدث بالصدفة فإنها تسعى الآن ، وبعد الإنتهاء من تنظيم داعش (22/3/2019)، لجعل سورية بؤرة توتر مزمنة في المنطقة بطريقة تُنافس فيها روسيا ، وتظهر قوة نفوذ على تركيا، وتضمن أمن إسرائيل وكل هذا يستدعيها خلق حرب جديدة ضد أكبر الدول المعادية لسياستها وهي إيران، ذلك لأن إيران فاعل كبير في محور المقاومة، تدعم حزب الله اللبناني و حركة الحوثي اليمنية وحركة حماس الفلسطينية و شاركت في الدفاع عن سورية ، فضلاً عن أنها تنافس تركيا و دول الخليج و تعلن عدائها المباشر لإسرائيل. وحيث رأت أمريكا (بالعين الإسرائلية) الوجود الإيراني في سورية مستفز ، فستبدأ المعركة عليها من شرق سوريا.

***

 وبالرغم من أوجه الإختلاف اللافت في موازين القوى ، فإن العقيدة الوجودية لكل من سورية وإيران و العراق و محور لبنان هي العقيدة الغالبة في كل الحروب . وقد ذاقت أمريكا مرارتها في لبنان عام 1983 وفي العراق عام 2004 رغم اختلاف الظروف ، ويبدو أنها ستذوق الهزيمة على الطريقة السورية في معركة شرق الفرات التي باتت وشيكة. ولأن كل شيء مرتبط ببعضه تبعاً لعالِم السياسة مايكل باركون ، فإن زيارة الرئيس بشار الأسد إلى إيران (فبراير/2019)، جاءت لتؤكد ، مهما علت المخاطر، أن استمرار الإحتلال الأمريكي لمنطقة شرق الفرات بلغ حداً لا يمكن السكوت عليه. وجاء اجتماع كبار عسكريي الدول الثلاث سورية و العراق و إيران ، تحديداً، في دمشق  ليؤكد على وحدة المصير والمـآل . فالدول الخانعة في المحور المقابل تسعى جاهدة لتفكيك هذه اللُحمة ، بدءاً من مشاركتها التخريبية في سورية وقبلها في العراق وعدائها المطلق لإيران وليس انتهاءاً بمشاركتها في مؤتمر وارسو الذي أعلنت فيه أمريكا الحرب على إيران. هكذا دول لا يمكن إئتمانها ، خاصةً بعد أن رأينا بيعها للقضية الفلسطينية والهرولة للتطبيع العلني مع المحتل الإسرائيلي . ولا نستغرب ظهور كُتّاب وساسة من تلك الدول ، يباركون للعدو الإسرائيلي الإعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، رغم أنه لم ولن يحصل.

ظهور التيارات القومية عالمياً  بدلاً من الديمقراطية المزعومة هو نتاج طبيعي للزيف الأمريكي والغربي في التعامل مع القضايا العالمية وخاصة قضايا الشرق الأوسط . فأمريكا الترامبية أظهرت من جديد بروز سيادة القوة البيضاء على سكان الأرض ومجزرة نيوزيلاندا ضد المسلمين (مارس/2019) تصب في هذا السياق.

***

المنطقة متجهة إلى حرب شاملة ، حرب الوجود أو اللاوجود ، تنطلق من شرق الفرات في سورية ومن المحتمل أن تكون في الأشهر القادمة ، طبقاً لتفسير السلوكيات العدائية . فأمريكا ، مثلاً، قررت البدء بسيناريوهات مختلفة ، أقلها شأناً ، منع السفارة الأمريكية التجار الأردنيين من المتاجرة مع سوريا(22/3/2019) وأعلاها شأناً ، فتح مسار تهويد هضبة الجولان ، بزعمها ، إرباك البدائل السورية وحلفائها. وبين هذا وذاك ، تجري تحضيرات المواجهة التقليدية كتجهيز جيوش من منطقة الخليج تحديداً ، وتزويد الميليشيا الكردية بالعتاد والصواريخ و الأسلحة الفعالة ومواجهة غير تقليدية باستخدام الآلاف من مقاتلي داعش الذين تم نقلهم بالمروحيات الأمريكية إلى إقليم كردستان العراق وإلى الشمال السوري ليَظهروا من جديد باسم (الرايات البيض) بدعم أمريكي وحاضن كردي ، وتكفي الإشارة إلى الاحتفاظ بحوالي 4000 مقاتل داعشي في منبج حسب مصادر غير رسمية.

الإعتماد على فتح مسارين مختلفين في آن واحد وتعظيم الأبعاد (كملف الجولان و ملف الشمال السوري على سبيل المثال)  باختيار أدوات وآليات مناسبة هي سياسة أمريكية متبعة مع دول المنطقة ، تُحقق من خلالها تقايض مقنع نجح إلى حد بعيد مع النظام السعودي و القطري وإلى حد مختلف مع تركيا ، وهو ما يعني باعتقادها كسب واحداً منها سيحقق نصر استراتيجي في سورية . لكن لا شيء يكون كما تريد ، فاستشعار الجانب السوري و الإيراني كان مبكراً ، ولمسناه بعد حين ، بزيارة الرئيس السوري إلى إيران باعتبارها حددت وسائل التنفيذ ، ولاحقاً في لقاء القادة العسكريين للدول الثلاث  الذين بيّنوا – بقراءة ما بين السطور-  أن المواجهة كانت في نطاق التوقع المحدود وستدخل ، بعد هذه المرحلة ، لحظة الإصطدام العنيف. ورغم البراغماتية التركية لا نستغرب انحيازها إلى هذا المحور بسبب الصدمات الأمريكية المتكررة لها .

على ضوء ما سبق ، يمكن القول أن إخفاق أمريكا في “صفقة القرن” يجعل مع التيقّن ، وهي التي أخفقت طيلة سنوات الحرب الثمانية في سورية ، شحن الصراع بمزيد من التوتر في منطقة شرق الفرات ، وبصرف النظر عن الأسلوب ، هو السمة الأبرز في مواصلة احتلالها.

ختاماً وبشكل يعكس حجم الثقة نقول لأمريكا وأدواتها ” المنايا على الحوايا ” ، وهو مثل يُضرب لمن يسعى إلى هلاكه بنفسه!

دمتم بخير ،،

* كاتب وأكاديمي سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. عندما تصدق النوايا تشتد العزيمه ويمكن كسر العدو مهما كان قويا.
    لذلك لابد مما ليس منه بد وهو الدخول بمواجهه مباشره مع امريكا في الشمال لان في جعبة الامريكان مايمكنهم من زعزعة الاستقرار في سوريا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here