د. علي الباشا: لعبة الصفقات: الجولان مقابل القرم

د. علي الباشا

في الفترة الأخيرة تصاعدت أصوات كثيرة حول الدور الذي يلعبه الحليف الروسي  في سورية، خاصة بعد إعلان أمريكا تسييد إسرائيل على هضبة الجولان السوري المحتل و استئناف إسرائيل غاراتها على سورية و آخرها الغارة العدوانية على مصياف والتي أسفرت عن استشهاد عدد كبير من المدنيين.

لعلّ برقية جورج كينان عام 1946م ، تجيب عن التساؤل ، إذ أشار فيها إلى أن روسيا لديها شعور غريزي بعدم “الأمان” وهو ما يجعل النظر إلى استراتيجيتها في التعامل مع القضايا العالمية مرهوناً بتوفير ذلك الأمان على المدى المنظور. من هذا القبيل لا يستبعد أن  تكون روسيا ، قد دخلت لعبة الصفقات الشاملة سعياً لتبريد علاقاتها المتشنجة مع أمريكا و الجوار الأوروبي. وقد يتأتى ذلك من بوابات مختلفة والجولان السوري رغم عدم الاعتراف العالمي بسيادة إسرائيل عليه باستثناء أمريكا، ليس استثناءاً ، بل يبقى واحداً من الدهاليز المظلمة في أروقة السياسة العالمية ، خاصة إذا ما قورن بسيناريو سيادة روسيا على جزيرة القرم مع اختلاف النموذجين.

روسيا التي دفعت بمستشاريها العسكريين إلى سوريا عام 2015م و أسست قاعدة لها في طرطوس قد حققت أهدافاً ، اعتبرتها ، استراتيجية ، وهي في النهاية ، لا بد أن تقرّ، في مرحلة ما ، بعد تحقق مصالحها على ضوء المكتسبات التي جنتها عالمياً من هذا التدخل أنّ تعاطيها مع الأزمة السورية له نهاية . وهو ما لمسناه علانية في التحالف السوري العراقي الإيراني للوقوف في وجه الغطرسة الأمريكية ، ذلك لأنّ روسيا في النهاية لن تواجه أمريكا على الأرض السورية مواجهة علنية أو تنخرط في احتكاك مباشر ينسف منجزاتها، مهما بلغت العلاقات السورية الروسية من مبلغ. فهي ، أيْ روسيا ، تسعى إلى تأمين التوازنات مع أمريكا على حساب إشكاليات عالمية في اوكرانيا و فنزويلا و سوريا أيضاً. هذه المصالح المترابطة تتبلورعلى نحو غير متوقع بين الكرملين و البيت الأبيض ، رغم انعدام الثقة ، لكن حزمة السلوكيات بينهما تبقى غير مريحة. في موضوع الجولان مثلاً ، سكت الحليف الروسي على القرارالأمريكي بإعلان سيادة إسرائيل عليه رغم عدم الاعتراف العالمي ، بالمقابل سكتت أمريكا ، سابقاً، على ضم روسيا شبه جزيرة القرم  رغم عدم قدرة الأخيرة انتزاع الاعتراف العالمي.

وفي تمخّض جديد ، ظهرت فنزويلا في أزمة استثمرتها أمريكا على الفور بتأييد المعارضة و على نحو موازٍ استثمرتها روسيا بإرسال بعثة استشارية عسكرية. ففنزويلا الغنية بالنفط ليست كسورية ، التي قال عنها ترامب ، ليس فيها سوى الرمال و الموت.  في النهاية ، أمريكا يهمها أمر فنزويلا أكثر من أمر أوكرانيا مثلاً و هنا ستلعب روسيا لعبة المقايضة ” فنزويلا المحاذية لأمريكا مقابل أوكرانيا المحاذية لها”.

أما بخصوص سورية ، وحتى لا تظل نقطة إنطلاق في صنع الصفقات فقد لمسنا تشكل محور سوري إيراني عراقي ، يميزه عدم التدخل الروسي فيه وهو خطوة على الطريق في مسيرة التحرر الشامل من الإرهاب  وهذا يترجم جملة تصرفات موسكو المريحة من اجتماعها بالجانب التركي الذي ركزت فيه على العلاقات الاقتصادية والتجارية إلى تصاعد علاقتها المطردة مع إسرائيل ” المفتاح السري” للرئيس الأمريكي و مبادراتها الملحوظة في تسليم جثث القتلى الإسرائيليين في سورية ولم تنتهي عند عدم تفعيل صواريخ اس 300 ما يعني أن هناك توجهاً من نوع مختلف.

هذا التوجه جعل الأولوية السورية هو تحرير أراضيها في الشمال و الشرق السوري من برائن الأعداء و العملاء، ووقف لعبة الصفقات بين الحلفاء و الأعداء على حساب أزمتها وإلا لم يكن لروسيا ذاك النفوذ العالمي بهذا الزخم قبل الأزمة السورية.

* كاتب وأكاديمي سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اعتقد ان دكتورنا الفاضل لم يأخذ بالحسبان المنطلقات الفكرية والسياسية العالمية لروسيا المستندة إلى التمسك الصارم بالقانون الدولي ورفضها الدائم لأي خرق لذلك القانون سواء من الكيان الصهيوني او امريكا
    كما أنه لم يأخذ بالحسبان مستوى العلاقات الغير مسبوقة بين روسيا والجمهورية العربية السورية
    فروسيا التي تركت أقرب حليف اوربي سياسيا وعرقيا ينهار أمام الضربات الاوروامريكية
    قد حشدت كل قواتها واساطيلها للدفاع سورية امام العدوان العالمي للتحالف الملتبس بين الخوارج والصهاينة والمسيحيين الجدد
    وامتزج الدم الروسي الغالي مع الدم السوري الطاهر
    فشكرا للاتحاد الروسي الذي لم يعهدالعالم منه سوى الصدق و الوفاء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here