د. علي الباشا: النظام العالمي الاستبدادي وحرق محاصيل القمح في شمال سوريّة

د. علي الباشا

إن صعود التفوق غير الغربي ونعني الصين بصفتها القطب الجديد للتغييرات العالمية على الصعد العسكرية و التقنية والسياسية فيما أظهرته من دعم ومساندة لدول عدة ومنها أوروبية أثناء جائحة كورونا ، يجعل الغرب وعلى رأسهم أمريكا مجبرون بالاعتراف بتحولها القطبي. لكن النخبة العالمية الاستبدادية التي تتحكم بمصائر دول وشعوب الأرض تأبى لهذا التحول أن يكون لصالح الصين. كيف لا وهي التي وضعت على الدولار الأمريكي الذي لا رصيد له عبارة ” ترتيب جديد للعصور”. وصارت كل حرب تقوم بها أمريكا بمثابة ترتيب جديد لنظام الهيمنة وظهر ذلك في العبارة “عصر جديد” التي استخدمها جورج بوش إبّان غزوه للعراق ، ويكررها الرئيس الحالي دونالد ترامب ” أمريكا أولاً” في ترتيب جديد يضع الفكرة الاقتصادية قبل الفكرة العسكرية مطبقاً عقوبات خانقة على إيران و الصين و روسيا و سورية و فنزويلا و كوريا الشمالية.

ولأن النظام العالمي المهيمن يحتاج إلى أشكال مختلفة من السيطرة لا تقتصر على الحروب فقط، فقد صمم مبادرات مختلفة وُضعت لتسهيل هذه النظرية ؛ وصفقة القرن من آكالها. لكن التفوق الروسي و الصيني دفع أمريكا إلى التفكير بأسلحة أكثر فتكاً من الحديد و النار وغزو الفضاء والسايبر . هي أسلحة بسيطة وهالكة، تستهدف الاقتصاد والثقافة التي هدد بها ترامب إيران.

***

وحين بدأت الولايات المتحدة تشعر بتضاؤل نفوذها ، رأى نظام الهيمنة العالمي إعادة العالم إلى حضيرته بطريقة مختلفة، كان ذلك قبل إطلاق جائحة كورونا، وتبدى ذلك في العمل على مشاريع بعيدة المدى منها على سبيل المثال تقويض منظومة الأسرة للتحكم في الأفراد و تشجيع المثلية الجنسية ونشرها كفكر حر يساعد مع الأيام على إدارة المجتمعات العالمية. والمشروع الآخر هو التحكم الاقتصادي المُؤني بالأفراد التي لا تخضع للنظرية السابقة.

لو تبحرنا أكثر في الكيفية لوجدنا أن المخططون الرئيسيون للصهيونية العالمية قد ابتكروا استراتيجية الدمج الكبير بين الأمم حسب مفهوم غاري ألين في كتابه ملف روكفلر ، وحتى لا تكون الولايات المتحدة جزء من هذا الاندماج التي يجعلها متساوية مع الأمم الأخرى فقد سخّروا قدراتها لإضعاف بعض الدول بشكل انتقائي وإفقارها مثالها الشرق الأوسط .. واستخدام الدراية مع الدول الأخرى ، وخاصة أوروبا، على مستوى تعويم الأسرة المستندة في كيانها وترابطها على مفهوم روحاني وهي استراتيجية ملتوية و مدمرة.

من لابد ، تسعى الصهيونية العالمية من خلال استغلال القدرات الأمريكية إلى إعادة الإِحكام و السيطرة بخلق الأزمات الاقتصادية التي تخدم هذه الغاية واحدة تلو الأخرى . في حين أن خنق دول العالم الثالث أو ما يسمونه “بالعالم المتخلف” والذي سيعاني سكانه  من الفقر و المجاعة سيساعدهم في الأرجح إلى خفض عدد السكان والاستيلاء على ثروات تلك الدول مثالها العراق و سورية و ليبيا ، كل ذلك لتضمن أمريكا قطبيتها على العالم لمائة عام قادمة.

من هذا المنطلق، قامت بتشجيع الشذوذ الجنسي عالمياً وأطلقت مبادرة المثلية بهدف تقويض الروح المعنوية والأخلاقية للجنس البشري ، و تسعى بكل ما لها من تأثير إلى جعلها طبيعية كما كانت لدى قوم لوط . يُذكر أنّ إدارة الرئيس أوباما قد خصصت مبلغ 700 مليون دولار للترويج لأجندة الشذوذ الجنسي في الخارج وهي أجندة ماسونية تسمى بالإمبريالية الثقافية. ولعل المتتبع يجد أعلام هذه الفرقة الدونية ترفرف في الدول الأوروبية ، وآخر ما رأيناه في العراق، لفرض منظور جديد يقلب العالم إلى الجادة التي يمكن للإمبريالية السيطرة عليه من خلال منح الغريزة والميل الجنسي مكانة أرفع تُبطل مرحلة التفكير وتسهل الانقياد و الانجرار. هذا ما يُعتقد بعد انخفاض جدوى مبادرة تدفق الانحلال الجنسي ” البورنو” عبر شبكة الانترنت التي تستهدف المجتمعات المحافظة.

***

في المرحلة الحالية ظهر سلاح وباء كورونا الذي لم يشهد له العالم مثيل، ولكن الحقيقة تقول أن هناك سلاح استراتيجي أكثر إقناعاً وهو ليس بالجديد ويعمل ببطء لكنه فعال وآثاره مصيرية على المدى البعيد. هذا السلاح من رموز الماسونية الأساسية ”القمح والزيت و الخمر” وتقابل ” الرخاء والسلام والسعادة”. ويُذكر أن جورج واشنطن عندما وضع حجر أساس مبنى الكابيتول كان حاملاً تلك الرموز الثلاثة.

وهنا نركز على (القمح) وما جرى في الشمال السوري من حرق لمحاصيل الحنطة في شهر أيار/مايو-2020 و قد سبق أن تم حرقها في العام الماضي 2019 ، وكان ذلك بأوامر مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقوات احتلاله التي رمت بالونات حرارية على حقول القمح بحوامة أباتشي وهو ما أورده تقرير مفصّل منشور في انترناشونال بزنس تايمز الإخباري بنسخته الصادرة في سنغافورة. فهل يمكن لرئيس دولة عظمى أن يصدر مثل هذا الأمر لولا أنّ وراء الأكمة ما ورائها ! نعم ، تسعى الماسونية العالمية إلى السيطرة على القمح لحكم العالم وخاصة الأصناف ذات الجودة العالية والتي من بينها على الإطلاق “القمح السوري”، فكل بلد كان فيه الرومان ترى الماسونية أن تستولي على قمحه وتنثر عليه الملح وهو ما تفعله مع سوريّة التي  وُجد فيها أقدم آثار القمح المزروع في العالم في تل أبي هريرة في الجزيرة السورية و يعود إلى العصر الأول في العام (11500 قبل الميلاد) أي قبل 13 ألف و520 سنة . ويُذكر أنّ منظمة الفاو العالمية اعتبرت سورية “مخزن القمح في الشرق الأوسط” نظراً لمكانة هذه البذرة فيها.

ولأن المحاصيل الأمريكية تعاني من تراجع ملحوظ في مقاومتها مع تغيّر المناخ ، فقد اكتشفوا أنّ بذور القمح السوري المسماة ” الدوسر” هي الوحيدة التي لم تصبها الآفات والحشرات من بين 20 ألف نوع آخر، والسبب هو أنّ هذه البذرة لديها القدرة على مقاومة الآفات بنفسها والتكيف مع الظروف ، وإن أمريكا استطاعت الاستيلاء على تلك البذرة في احتلالها الحالي للشمال السوري وانعاش انتاجها من القمح. ومن المعروف أن النظام العالمي الذي يستغل القدرات الأمريكية يفكر منذ أمد بعيد الاستيلاء على موارد القمح وإطعام العالم رغيف الخبز على طريقته وهو ما يفعله مع مصر التي تعتبر أكبر مستورد في العالم وكل الحكومات المصرية تؤكد على عدم زراعة القمح ، وإن السعودية بمجرد ما فكرت بزراعته اعتبرته أمريكا تحدياً.

ويُذكر أيضاً أنهم قد عدلوا تلك البذرة وراثياً بحيث يمكن للبذرة أن تنمو بعد زراعتها لإنتاج ٍ واحد فقط ولا يمكن إعادة بذرها مرة ثانية ، وهنا نتحدث عن بذور القمح التي تصدرها أمريكا للعالم والتي تعمد في كل مرة إلى إغراق الفائض منها في البحر كي لا تستفيد منها الدول المحتاجة.

ختاماً- البذرة السورية العريقة التي يمكن إعادة زراعة المنتوج منها إلى ما لانهاية ؛ تسعى أمريكا التي حرقت المحاصيل في الجزيرة السورية لعامين متتاليين (2019 و2020) ومن ورائها النظام العالمي الخفي إلى إفنائها من سوريّة واستحواذها لها لتقايضنا بها (الغذاء مقابل الولاء)، وهو ما لا يمكن أن يكون!

كاتب وأكاديمي سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. هل لك دكتورنا الفاضل بان تخصص مقالا منفردا يتعلق بنجاح الاقتصاد السوري والاعتماد على الذات وكيف كان ذلك من الاسباب الرئيسية التي ادت الى مؤامرة الغرب على سوريا وشكرا

  2. تشكر على هذه الاصابة العميقة للتفاصيل والتحليل المنطقي المتقن ….

  3. جزاك الله خير يا دكتور علي مقال رائع فيه دقة في المصادر والوثائق بالتوفيق الدئم إنشالله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here