د. عبد المهدي القطامين: قراءة في كتاب البناء في رحم الازمات والعقد العاصف.. لمؤلفه جعفر حسان

 

د. عبد المهدي القطامين

يوثق وزير الشؤون الاقتصادية نائب رئيس الوزراء الأسبق الأردني جعفر حسان في كتابه الذي صدر قبل أيام مناورات الاقتصاد السياسي الأردني عبر تاريخ المملكة الطويل لكنه بشكل اكثر تفصيلا يركز على العشرية الأخيرة 2010_ 2020 وهي الفترة التي شهد فيها الاقتصاد الاردني المزيد من النكسات جراء ارتفاع الديون الى مستويات خطيرة وارتفاع فوائد تلك القروض بنسبة 67 % ما بين عامي 2010 و2018 فيما ارتفعت نسبة خدمة القروض قياسا بالناتج المحلي الإجمالي لتصل الى 190 % للأعوام 2008 _ 2018 ويشير حسان الى بديهة واضحة ان استمرار الزيادة في خدمة الدين سيؤدي بالضرورة الى تآكل ما تبقى من الموازنة للإنفاق الرأسمالي الذي يعد المحرك الحقيقي للاقتصادات الوطنية إضافة الى الاستثمار المباشر الخارجي .

أدى انخفاض المساعدات والمنح والاستثمار المباشر من الدول الشقيقة المجاورة والانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر الى انكشاف الاقتصاد الأردني فبرزت الدعوات الى سياسة الاعتماد على الذات في مواجهة الازمة الاقتصادية وهذا كان يعني امرا واحدا هو إيقاف الاقتراض وتحسين الأداء الضريبي المبيعات والدخل واعتبار التهرب الضريبي جريمة اقتصادية مشددة العقوبة وهو ما فعلته حكومة د. هاني الملقي ويؤكد حسان في الكتاب باب العقد العاصف ما يلي وانقله حرفيا ” التقى الملقي بعد تكليفه برئاسة الحكومة بكل من وزير المالية عمر ملحس ومحافظ البنك المركزي زياد فريز ليسمع منهما عن فحوى ( برنامج التسهيل الائتماني الذي اقرته حكومة عبدالله النسور مع صندوق النقد الدولي عام 2016 وينتظر التوقيع من الحكومة الجديدة ) وبحث الملقي إمكانية وضرورة التريث في التوقيع ليتسنى للحكومة مراجعته فكان رأيهما ان ” تغيير كلمة واحدة في البرنامج سيعرض الدينار للخطر وسيعني انهاء البرنامج ” .

كان واضحا ” والكلام هنا للمؤلف حسان ” حجم القلق من انخفاض احتياطات البنك المركزي وانخفاض تقييم الأردن في مؤشرات التصنيف المالي العالمية وكانت المؤشرات الاقتصادية السلبية التي واجهت حكومة الملقي تتمثل انخفاض نسبة المنح الخارجية والاستثمار المباشر مجتمعة من 11 % من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في عام 2011 الى اقل من النصف ولم يتجاوز معدل المساعدات الخارجية لدعم الموازنة خلال العقد الأخير 10 % من اجمالي النفقات الحكومية وهي من اقل النسب تاريخيا إضافة الى هبوط معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي الى اقل من معدل النمو السكاني خلال الفترة 2009 _ 2018 حيث بلغ النمو السكاني خلال تلك الفترة 5 % سنويا ليصل الى 7.7 % خلال الأعوام 2012 _ 2015 بسبب اللجوء السوري .

صيف عام 2016 بدأت حكومة الملقي برنامج الإصلاح الاقتصادي بإصلاحات جذرية وصعبة للحفاظ على الاستقرار المالي والحيلولة دون استمرار تفاقم المديونية كما ستهدف البرنامج مواجهة تراكم الديون خلال السنوات الأخيرة من خلال إعادة هيكلة السياسات الضريبية لزيادة الإيرادات المحلية وإزالة التشوهات بوصف ذلك خيارا لا بديل عنه بالرغم من التوقيت الصعب لهذه الخطوة ” .

ويسرد الوزير الأسبق حسان في كتابه بناء في رحم الازمات ” وامام الصورة السوداوية التي وجدت حكومة الملقي نفسها بمواجهتها ان الحكومة اتجهت الى معالجة أوجه الخلل في سياسات الدعم لتوجيه الدعم للمستحقين بدلا من توجيهه للسلعة وكان قرار رفع دعم الطحين ” الخبز ” وخصص مبلغ 165 مليون دينار دعما نقديا لقاء تحرير سعر الخبز ونتيجة هذا القرار تم اخراج اكثر من 2,5 مليون اجنبي مقيمين في الأردن من فاتورة الدعم الحكومي المباشر .

سجلت الإيرادات العامة ارتفاعا بنسبة 5% عام 2017 وانخفض العجز سنويا وبشكل متتابع من 3,5 % عام 2015 وصولا الى 2,4 % عام 2018 وتمكنت الحكومة من ضبط النمو في المديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بالرغم من زيادة اجمالي مديونية شركة الكهرباء الوطنية بحوالي 500 مليون دينار في نهاية عام 2017 مع تراكم الفوائد وانخفاض مستويات المنح بشكل مطلق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي فيما شهد قطاعا السياحة والصادرات بالإضافة الى الاستثمار الأجنبي تحسنا متباينا عن المستويات السابقة خاصة بعد دخول شريك رئيس جديد من الهند في شركة الفوسفات وشريك استراتيجي صيني في شركة البوتاس بدلا من الشريك الكندي فيما الغت حكومة الملقي السهم الذهبي من الشريكين الجديدين كما شهد الأردن تقدما بواقع 15 نقطة على صعيد تنافسية بيئة الاعمال نتيجة عدة تشريعات تم إقرارها تعلق ببيئة الاعمال .

يقول الوزير ونائب رئيس الوزراء الأسبق جعفر حسان ان مشروع قانون ضريبة الدخل لعام 2018 هدف الى توسعة قاعدة الملتزمين بضريبة الدخل مع التناسب الطري مع مستويات الدخل وكان من شأن هذا القانون منع الاجتهاد في حساب الضريبة على المكلفين مما يجنبهم التقدير الجزافي والغرامات وأيضا لمعالجة مشكلة التحصيل الضريبي التي لم تجد لها الحكومات حلا جذريا مثلما أعاد المشروع النظر في عقوبات التهرب الضريبي وغلظها بما يناسب المخالفات .

ويشير حسان الى ان رفع الضرائب على السلع بوتيرة متسارعة أدى الى حالة من الاحتقان الشعبي في وجه الحكومة خلال شهر رمضان صيف عام 2018 ولعل من الأسباب المباشرة لرحيل تلك الحكومة رفض رئيسها تأجيل التعديل الشهري لأسعار المحروقات بعد ارتفاع الأسعار عالميا وتزامن ذلك مع ارسال مشروع قانون الضريبة الجديد الى البرلمان والتصعيد ضده من أصحاب المصالح المتعارضة معه .

ويصل حسان الى ما اسماه اللقاء الأخير او الاجتماع الأخير في مكتب رئيس الحكومة الملقي قبل اتخاذ قرار التسعير الى ان الرئيس الملقي قال ” انه لا يمكن ان يتراجع عن الية معتمدة منذ سنوات لظرف سياسي آني لان ذلك يؤثر في قدرة الحكومة على الاستمرار في سياتها المالية وسيقود الى سلسلة من التراجعات المتلاحقة التي ستؤدي الى انهيار برنامج الإصلاح المالي ولن تكون في مصلحة البلاد فضلا عن ان القانون اصبح في عهدة مجلس النواب ولا يمكن ان تسحبه الحكومة لإعادة صياغته مع ممثلي المصالح الخاصة من نقابات وبنوك وان شراء الوقت بهدف مساعدة الحكومة للبقاء مدة أطول سيكون ثمنه تعميق الازمة وزيادة الكلفة النهائية على الأردن … وختم الملقي اللقاء الأخير بقوله “لست انا من يفعل ذلك ” رغم علمه بالمخاطر السياسية التي قد تواجه الحكومة نتيجة موقفه فقدم استقالته الى الملك بعد ذلك بأيام .

كتاب الوزير الأسبق ونائب رئيس الوزراء “بناء في رحم الازمات ” كتاب يصف المشهد تماما وبدون مواربة وبحيادية ومن موقع متخصص مطلع على كافة التفاصيل وهو يضع حدا فاصلا بين الحقيقة وبين الخيال والاشاعة الذي اعتاد المواطن الاردني ان يراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاحكام المسبقة التي تعج بها تلك الوسائل بعيدا عن الواقع وعن الحقيقة وعن مواجهة الازمات التي تعصف بالاقتصاد الوطني وفق حسابات الأرقام وليس وفق حسابات التمني .

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here