د. عبد الرحيم مراشدة: صنعة الرواية.. المتاهات والمزالق

 

  • د. عبد الرحيم مراشدة

سأبدأ بالسؤال: لماذا صنعة الرواية وليس فن الرواية؟ هي فن بالتأكيد، في شجرة الفنون وارفة الظلال .الصنعة في بنيتها تقوم الدراية والتمكن، وفيها الخبرة القائمة على مرجعيات وممكنات لابد من توافرها لإقامة الفن، ليتجلى بأجمل صورة وأبهاها، ونحن هنا بصدد نوع محدد يستند إلى جدار سميك اسمه الفن، وهذا المنحى يأتي للوقوف على شئ محدد من مكونات الفن وعناصره الأساسية البانية له، ولا نقصد بالصنعة فقط الحرفة الميكانيكية للأشياء. إن ما أرمي إليه هنا هو تداخل الصناعة مع التشكيل والتصوير، الذي يقود إلى الخلق والإبداع، وقد استقيت هذا المعنى من المفهوم القرآني، عند قوله تعالى في صورة التغابن: ” خلق السماوات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم وإليه المصير”، وكذلك نجد مثل هذا الفهم لدى نقادنا العرب، حتى القدماء منهم، لمدى وعيهم بعناصر الإبداع، وبالكون والحياة، فهذا الجاحظ في تعريفه للشعر مثلاً يقول، في كتابه: البيان والتبيين: ” فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير” فمدار الفهم هنا وفق ما سبق هو عملية الخلق والتصوير بمعنى التشكل والتشكيل من مجمل عناصر، وليس هذا فقط، وإنما ضمن نسج وحبك قائم على قدرة غير اعتيادية، وهذا ما حملني على القول بالصنعة.

        الوعي بمثل هذه المصطلحات جاء سطحياً، في حين أن ما يخفيه النص أعمق مما هو شائع. فلكل صناعة من الصناعات استحقاقات وشرائط لا بد من توافرها، ولكل فن من الفنون تقنياته الخاصة به، العابرة له، ذلك أن صناعة الفن عند صاحبه ميلاد روحاني جسماني حياتي في الوقت نفسه، ولهذا قال صاحب كتابه (صبح الأعشى في صناعة الإنشاء) شهاب الدين القلقشندي (765هـ عن الكتابة الإبداعية  قبل لوبوك وغيره بمئات السنين، بانها: “صناعة روحانية تظهر بآلة جثمانية دالة على معنى بتوسط النظم” ومثل ذلك بعد مئات السنين ياتي رولان بارت ليقول عن الكتابة ذاتها بأنها ” التقاء بين الُلحمة والعالم” بهذا الفكر علينا أن نعي مكونات النص الإبداعي، والرواية من تجلياته، وما تحيط به من ظروف ومؤثرات.

لنعد إلى موضوعة الرواية، بوصفها الصنعة الفنية، الأكثر انتشاراً وشيوعاً في عصرنا، والتي باتت تتقدم الأجناس الأدبية، في كثير من الأحيان. لقد حدد الناقد الانجليزيبيرسي لوبك ( Percy Lubbok 1879- 1965م) المعايير التي تقوم عليها الرواية، في كتابه الموسوم: ( صنعة الرواية The Craft of Fiction) ولعل الترجمة أحياناً لا تعطي المقصود تماماً، ولم يتجه صاحب الكتاب إلى مفهوم الحرفة بقدر اتجاهه لضوابط الرواية،وقد تُرجم الكتاب عام 1972، على يد المترجم عبدالستار جواد، علماً بأن الكتاب تم تأليفه في مطلع القرن العشرين. وقد لمع هذا الكتاب في ذهني مجدداً عندما عُرض علي المشاركة في محاضرة تختص بفن الرواية، تحت عنوان: ( كيف تكتب الرواية)، فاستوقفني العنوان كثيراً، ثم أعادني الموضوع إلى هذا الكتاب، الذي قرأته من سنوات خلت، ولكن قراءتي للكتاب حملتني على أن أقترح العنوان: (صنعة الرواية المزالق والمتاهات). مع أن لوبوك يثير قضايا مهمة جداً في كتابه عن الرواية، في المرحلة التي تم تأليف الكتاب بها كما سلف،  وقد تم تصنيف هذا الكتاب إلى جانب كتاب إم.فورستر: (أركان الرواية) من أهم الكتب المتعلقة بالرواية.

     ما دام الأمر وفق ما سبق، وكلامنا حول الصنعة لفن الرواية، فلا بأس من استحضار مرتكزاته ومنطلقات هذا الناقد عن موضوع الرواية التي وصفها بعض النقاد عنده بانها تشكل نظرية جيدة للرواية، هذه المرتكزات باختصار تقع ضمن المقولة التالية: ”  إن الرواية تقوم على طرح(وجهة نظر)، ناهيك عن (المشهد البانورامي)(وضمير المتكلم) – الذي تجاوزه النقد الحديث بإضافات أخرى – منها الاسترجاع وتيار الوعي…إلخ، و(نظرية الدراما في الرواية) وما إلى ذلك من آراء تدل على ريادة أصيلة في نقد الرواية”. مثل هذه المرتكزات، جرى عليها تحوير مع انطلاق مدرسة الرواية الجديدة في أوروبا، ومع انطلاق تقنيات السرد الروائي الحداثي، كما نجدها عند (ألن روب غرييه) و(ناتالي ساروت)…إلخ. وكما تكلم عليها كذلك عبدالملك مرتاض في كتابه (نظرية الرواية) و يمنى العيد في كتابها (تقنيات السرد الروائي) وسيزا قاسم في كتابها (أسئلة الرواية). وتبعاً لهذه الرؤية يكون من المفيد والشائق جداً أن يطلع المبدع، وبخاصة كتاب الرواية والقصة، على مثل هذه المعطيات الأساسية ليتسلح بجملة معارف ضرورية تسهم في تمكينه من إنجاز رواية تحظى بالقبول وتمتلك شروط الرواية الناجحة.

    ما دام أن الرواية هي الفن الأكثر رحابة لاستقبال النصوص الوافدة إليها، فيمكن القول: إن هناك إمكانية لهيمنة جنس أدبي معين على ما عداه، في عصر من العصور، وفق تحولات وتطورات نظرية الأجناس والأنواع، وهذا  أمرٌ بدهي، وهنا لا بد من وعي الروائي بهذا الأثر العابر لنص الرواية، وإدراك مدى تأثيره عليه، إذ قد يشكل مزلقاً سلبياً، في حالة عدم إدراك نسبيته.

     لقد عرف تاريخنا الإنسانيوالعربي القديم مثل هذه المسائل، حيث مرّ عصر كانت السيادة فيه للنثر، كما نجد عند الأغريق واليونان، لا سيما المسرح، منذ هوميروس وسوفوكليسوسرفانتس، وقد تضمن كتاب ارسطو الشهير( فن الشعر/ بيوطيقيا الشعر) تأريخاً ونقدا لسيادة المسرح، ونظريته في المحاكاة معروفة، التي لم تتخلص منها أوروبا إلا في عصر النهضة، مع مطلع القرن الخامس عشر، ثم كان للشعر السيادة القصوى، رغم وجود أجناسمحايثة له في العصور العربية القديمة، مثل: الخطابة والحكاية، والقص، والمقامة، والمنامات والرسائل…الخ.

استمرت سيادة الشعر لعصور متأخرة، ربما وصلت حتى عصر النهضة، في العالم العربي، ومع ظهور المناهج النقدية المتعاقبة، في العالم، وظهور القصة، والقصة القصيرة، في أوروبا خاصة، راحت تهتز مكانة الشعر على المستوى السيادي، وتتراجع أمام الرواية والقصة، حتى بلغ بأحد النقاد العرب، الذي تشرب من مرجعيات الثقافة الغربية، وافاد منها في معالجاته لجنس الرواية، أن يطرح كتاباً بعنوان: (عصر الرواية) وهو محسن جاسم الموسوي، من العراق الشقيق. وهذا ما حمل ناقد غربي حديث ( الفرنسي برنار فاليت) ليذكر ضمن كتابه ( الرواية مدخل إلى مناهج التحليل الأدبي وتقنياته) أهمية الرواية وهيمنتها وانتشارها، وقد أسهم النقد المعاصر في هذ المسألة ، حيث أشار إلى كثرة المؤلفات التي تقوم على تحلل الرواية، وتفيد من تقنياتها أو تعالج مضامينها، ويرى أن البعض منها يقدم نظرة تاريخية، أو جغرافية شاملة تندرج في سياق التسلسل اللساني ، أو النسق الثقافي… ونجد من النقاد العرب كذلك ممن أسهم في الترويج للرواية، وأسهم في سيادتها، من أمثال يمنى العيد، في كتاباتها المهمة عن الرواية، وكذلك الناقد عبدالله إبراهيم، ونبيلة إبراهيم وصاحب نظرية الرواية، عبدالملك مرتاض…إلخ.

إن التقدم المعرفي والحضاري أصاب الدرس الأدبي واللغوي، فنجد تقدم الدرس النقدي واللغوي في العالم، وإفادة العرب من هذه الثورة الفكرية والنقدية، لا سيما بعد شيوع عالمية النص، ولا ننسى بالطبع دور المبدعين من الروائيين وكتاب القصة العرب، من أمثال جورجي زيدان، مع تحفظنا على تسميته بالروائي، لاقتراب نصوصه من التأريخ وتضميننصوصياته الأخبار القريبة جداً من الحقائق التاريخية، ومن ثم نجد تحولات المبدعين كتاب القصة والرواية باتجاهات إيجابية مهمة، من أمثال: نجيب محفوظ والغيطاني في مصر، والطيب صالح، من السودان، من الأردن: غالب هلسة وتيسير سبول .. .إلخ، وصولاً لكثير من الروائيين المعاصرين، يطول ذكر أسمائهم،  وهذا الحراك المتنامي للرواية  حمل بعض المبدعين من الشعراء على اجتراح نصوص تجريبية تحت جنس الشعر، فظهر لدينا أنماط شعرية مختلفة ومتنوعة، وأنماط روائية متعددة، تجاوزت الرواية التقليدية، فظهرت رواية الغرائبية والعجائبية، ورواية الأجيال، ورواية الخيال العلمي، وتم اختزال الرواية في حجمها وبنياتها الداخلة فيها والعابرة لها، حتى بلغ الأمر لتنوجد الرواية خارج التجنيس، وفتح المجال للقارئين لتجنيس العمل، تبعاً لمكوناته الداخلة فيه، لعل الروائيين بذلك يقتربون من حركية الرواية والقصة المتسارعة في العالم، وحقيقة لقد تمكنوا من الاقتراب كثيراً في هذا المجال، والتجريب عنصر مشروع في الأعمال الإبداعية، وصولاً لابتكار أنماط مهمة، ويبقى التنافس السيادي مبرراً، وتبعاً لهذه المسألة قد يتقدم الشعر وتتراجع الرواية والعكس،وقد تظهر سيادة لأنماط وأجناس أخرى.

تداخل الأجناس ومزالق الصنعة الروائية:

هنالك نظرية أصبحت شائعة في عالم الرواية الحديثة، وفي عالم النصوص الإبداعية بخاصة،كما لو تشيع حركة حمى التجانس والاقتراب بين الأجناس الأدبية، وذلك منذ العولمة، وفي الأدب يمكن رصد البدايات الأولى لهذه الحركة التي أفاد منها المبدعون، وبخاصة كتاب الرواية والقصة، وقد تحركت هذه الظاهرة بعد كتاب جيرار جنيت الموسوم: ( مدخل لجامع النص، ولهذا يمكن الكلام على مسألتين فيهذا الاتجاه، ونراهما من أساسيات صنعة الرواية.

  • قابلية الرواية للتداخل والامتصاص والتفاعل

لعل ظهور بعض المناهج النقدية العالمية أسهم في حركية وسيادة النص النثري، الحدثي خاصة، وأخص بالذكر هنا نظرية تداخل الجنس والنوع، لهذا كان لانفتاح النصوص على بعضها البعض أهمية قصوى في الخروج من القوالب التقليدية، والأنماط المؤطرة، واختل نظام القالب الصارم، الذي ما زال يتسلط على ذهنية كثير من الجيل التقليدي من كتاب الرواية، ولا بد من إدراك هذه الفجوة بين الوعي بما هو قائم من تقنينيات وما هومتحول ومتغير، ولهذا راحت الرواية تزداد رحابة، وتستجلب من الأجناس الأخرى ما يوسع مكوناتها، حتى بلغ الأمر إلى درجة الخروج من إشكالية البطل النوعي والنموذجي الذي ينتمي إلى الطبقة البروازية والأرستقراطية.. ولم يعد تشكيله بهذه الكيفية من مكونات النص الروائي، كما أفردت الرواية جناحيها لتضم تحتها حركية الأجناس الأخرى، وباتت تحتفي بالميتا نص/ الماورائيات، الغرائبية والعجائبية، وتضم فيها الشعريات المتعددة من الأنماط الأخرى، واستعانت بالمشهد والدراما والتقنيات المسرحية والفضاءات المفتوحة…إلخ، وقد يصدق على الرواية وفق هذه الاتجاهات قول إم.فورستر: “الرواية كما لو مستنقع ترفده روافد عدة” بمعنى يجد فيها القارئون: الشعر والقصة والحكاية والحكمة والمثل …إلخ، كل ذلك أسهم في إنجاز المهيمنات النصية لجنس الرواية.

إنَّ كثيراً من الكتاب والمبدعين، ودور النشر يقومون بإعلان جنس العمل وإشهاره، بتحديد مسبق على العمل،ورؤية موجهة من المؤلف أوالجهة التي قدمت العمل إلى القارئين. إن قالب التجنيس قد يكون محدداً لحركية الإبداع عند البعض، وقد يشير إلى القواعد والمكونات المسبقة على الكتابة، معتقدا أن البعض يجد تبريرا لحراكه باتجاه الانفلات إلى أفق كتابي أرحب، لكن هذا المنحى يدعو للتساؤل والريبة ، في بعض الأحيان. ويشير أحيانا إلى أن التشتت الواسع، الذي يؤدي إلى ضياع فكرة النص واستراتيجياته البانية له، وفي الوقت نفسه، يمكن أن يعطي مجالا كثيفاً لحركيةالإبداع، أو الخلاص من القالبية الصارمة، أو المحددة سلفاًالتي جرت العادة عليها، أحياناً، أو سابقا.

قد يعتقد الكاتب/ المبدع عند الشروع بالكتابة الإبداعية برغبة لكتابة جنس دون غيره، أو يتحول من جنس إلى آخر، متحرراً من الفرضية المسبقة على الكتابة، حيث يجد نفسه في جنس دون غيره، وقد يشعر بقصور ما أثناء الكتابة في الجنس الذي ذهب للكتابة فيه، وعندما لا يحيط بمرجعيات الجنس الذي يكتب عليه وفيه، يشعر بنقص ما ويحاول ضبط الأمور، وإذا لم يتمكن فقد يشعر المتلقي لهذا النص بوجود عيوب في النص يفترض إقامتها لتحديد إجناسيته، ولهذا يمكن القول: إن حركية ونظرية تداخل الاجناس قد حلت هذه المسألة، فبها يصبح الكاتب حراً وأمامه مساحة حرة باتجاه العمل، حيث التنوع يعني تعددا لاحتمالات النظر والرؤية والقراءة، ويشكل حافزاً على التجريب واستمراريته، ذلك أن امتلاء ذاكرة المبدع بجملة من النصوص المتنوعة التي تعينه، و تحمله على التمثل والمقارنة، وبالتالي الانحيازلجنس معين، أو لنمط معين، ويتأثر به سلباً وإيجابا ويكون الأمر حافزاً له على الإبداع والابتكار،

ويمكن الإشارة هنا إلى أن المنتج الإبداعي، يبدو وفق هذه الرؤيا، كما لومنجم قابل لامتصاص العناصر الأخرى والحوار معها، خاصة إذا كان المبدع يتمتع بموسوعة من المعرفة، وله مرجعيات متعددة ومكثفة، بذلك يكون النص المنفتح على أجناس وأنماط أخرى أكثر احتضاناً للطبقات المعنوية، وقابلية للانفتاح على غيره من النصوص.

         تبعاً لما تقدم نرى في هذه المسألة، أن على الكاتب أن يستشعر الأمور قبل الشروع في توليد نص مختلف، أو الانفلات من جنس معين قار، حتى لا يبدو عبثيا، وتصبح الكتابة فوضوية، وتضيع الجدوى والهدف من الكتابة الإبداعية المقترحة

من جانبه.

  • مزلق كثافة تداخل الإجناسيومداه في الرواية:

يصف الناقد إم.فورستر الرواية، في كتابه ذائع الصيت ( أركان الرواية)، بأنها كما لو مستنقع يرفدها روافد عدة، ولها قدرة على الامتصاص، هذا الكلام يعني أن مكونات العمل الروائي غير قار وغير مستقر، وأعني هنا في بيناته الداخلة فيه، وبهذا تكون الرواية نص منفتح باستمرار، لكن الضوابط الحاكمة له، بوصفه جنساً أدبياً، تكمن في حركية المكونات ضمن فضاء التقنيات الروائية المعروفة، من حيث انطوائها على متوالية قصصية، تخدم بمجملها حركية الحبكة التي تقود إلى خطاب النص الروائي، عبر وجهات النظرالمتعــالقة بالنص الروائي، بالمفهوم النقدي الحديث ( Point of view)، في هذا الاتجاه لابد من وعي النص ووعي الذات والعالم، وأن يستشعر الكاتب/الروائي هنا حركية هذه الأشياء في نصه، وهذا يتوقف بالطبع على الأنساق الثقافية، والمرجعيات التي تشربها المبدع، وعلى دربته ودرايته بالأفانين الكتابية، وإلا سيقع في مزالق تؤثر في مسار الرواية وخطابها.

     الآن دعونا نضرب مثالاً على ما ذهبنا إليه من تاريخ الكتابة الروائية، لقد كتب جورجي زيدان كثيراً من الروايات، كما نعلم جميعاً، وذلك في مرحلة البدايات للكتابة الروائية العربية في العصر الحديث، وكان يُعدُّ من الرواد الأوائل للكتابة الروائية العربية، إلى جانب آخرين، لكن مع مرور الزمن، وتحولات النقد العربي خاصة، واستيعابه لحركية الرواية الغربية، ومكوناتها، لم يعد جورجي زيدان روائياً بالمفهوم الدقيق للوصف، وراح يُطلق على كتاباته اسم آخر وهو: ( تاريخيات جورجي زيدان) لماذا؟ السبب يكمن في أن كتاباته التي قام بها، رغم انطوائها على قصص تطول وتقصر، إلا أنها تتجه إلى صياغة التاريخ، وإعادة إنتاجه عبر نص كتابي حافل بالخبر والأحداث والإنشاء، بمعنى أعاد نسج الوقائع التي نعرفها في التاريخ كما لو أمامنا، وعلى كيفيات تقترب كثيراً جداً وتضعنا في الواقع، ظناً منه أنه يكتب رواية يوظف بها التاريخ، أو ما يعرف عند شاخت بالرواية التاريخية، وهذا الفعل يحرف مسار الكتابة عن وجهة النظر المرادة في النص الروائي، فالقارئ لكتابات هذا المؤلف يبدو كما لو أنه يقرأ قصة تؤرخ لأحداث، أو يقرأ فصلا من التاريخ، لم تجر عليه انحرافات وانزياحاتلافتة، تحيل إلى الخلق والإبداع. صحيح أنه يمكن للتاريخ أن يعبر الرواية، ولكن لا يشكل مهيمنة خبرية انشائية، فهذا من وظيفة المؤرخ وليس الروائي، وهذا الفعل يُخرجنا من فضاء الرواية وعوالمها.

      إذا كان هذا المثال من بدايات الرواية العربية، فيمكن التماس العذر، لكن لنضرب أمثلة اخرى من العصر الحديث، ولا أريد أن أضرب أمثلة من الكتابات التي تزعم وتسمى روائية في الأردن، وهي قليلة على كل حال، وتقتضي الكتابة النقدية أن تشير إليها احترازاً، وهي بالحقيقة خارج فضاء الرواية، لما تطوي عليه من أخبار سيرذاتية تماماً، ونقلاً لأحداث بثوب قصصي واقعي كما هو كامن ومتراكم في ذهنية الكتاب الذين لا يمتلكون الخبرة الكافية لكتابة الرواية، مع أنه يمكن أن تجد البعدالسير ذاتي في النص الروائي والقصة، ولكن ضمن انزياحاتسيقاقيةوتخييلية رحبة، لتكون في الواقع وخارج الواقع في آن.

المثال الذي أود أن أضربه الآن، الهدف منه إدراك أثر تداخل جنس من خارج الرواية، وجعله مهيمناً ومتسلطاً سلطة تفوق المتوقع والممكن، وهنا ينقلب العمل الروائي إلى ضده من حيث الهدف واستراتيجيات العمل الروائي.

       غالبية الروائيين، وكثير من النقاد اطلع على روايات أحلام مستغانمي، التي لفتت الانتباه، ولقيت رواجاً كبيراً فيالوسط الثقافي والإبداعي، ولنا أن نسأل لماذا هذا الرواج وما هو السر فيه. الدراسة المتأنية لمدونتها الروائية تخبرنا بالسبب، لقد نجحت لاعتمادها على مسألتين: الأولى وضعت في خلدها الجهة المستهدفة بالقراءة، أو ما يسمى نقدياً (القارئ الضمني)، وهذهالجهة هي شريحة الشباب المعاصر، المتخم بوجع الحياة، الذي بات بحاجة لمسحة رومانسية تلامس قلبه وروحه، ثم  إن المسألة الثانية التي تبنتها أحلام هي مسألة تقنية بامتياز، حيث اعتمدت على تكثيف الجانب البلاغي القائم على المشهدية، والتصوير الحافل بصور فنية وخيالية واضحة، بمعنى أنها اتكأت على مكونات الشعرية، فأدخلت شعرية النص إلى رواياتها، وهذا المنحى يبعث في قلوب القارئين والمتلقين المتعة، وهو عنصر مهم تحتاجه الأجناس الأدبية والإبداعية بعامة، ولكن بنسبية وقدر، وبالتالي تشكل لدينا نقدياً مزلق يطلبه البعض ويرفضه البعض.

       إن وجهة نظري حول هذه المسألة هي سلبية، وقد يوافق البعض ويرفض البعض، ذلك أن تقييم الأعمال بتجرد لابد من النظر إليه وفق معايير منهجية ونقدية واضحة. القارئ لرواية ذاكرة الجسد مثلاً وهي رواية شهيرة لهذه الروائية، سيقع تحت ضغط أحداث تقع للجزائر والمغرب العربي، وتجعل الشخصيتين المهمتين الأنا والآخر، أكثر حضوراً على مدار النص الروائي، وتقيم الشخصية الذكرية خالد وتجعلها مبتورة، ناقصة، مقابل الأنثى الكاملة، وهذا مبرر، يتم تبريره وفق مسار الأحداث حيث الحرب والاستعمار الفرنسي، لكن ضجيج الصوت الأنثوي صارخ هنا ومهيمن، وهذا أيضا له تبريره، وفق مسار الأحداث والرؤى المثارة في النص، لكن، تبقى مسألة تقنية مهمة، وهي حركية الشعرية في النص، بحيث يتابع القارئ التخييلاتوالتصويرات والمشاهد الحافلة بالشعرية، ويتلذذ بها وبالتالي يبتعد عن أحداث القصص المثارة، تحت ضغط لذة النص، بمعنى أنه يتشتت فكرياً خلف الإمتاع، ويبتعد عن الفكرة المهمة التي يود النص تقديمها، أو ما يسمى خطاب النص، وذلك لكثرة وكثافة الشعرية في النص، إذاً  رحابة الرواية التي تستوعب ما عداها يُفترض أن تكون رحابة منضبطة، بحيث لا تُخل ولا تثلب البعد الاستراتيجي للرواية، هذا البعد لا بد وأن تحكمه مسألتان: وجهة النظر الروائي وخطاب النص الروائي، وإلا خرجنا من عوالم الرواية، أحلام مستغانمي أثر كثيراً على أعمالها الاحتفاء بالشعرية أكثر من اللازم، فقد أعطت رواياتها جرعات من جنس الشعر والمسرح بحيث تشكل عائقا ومزلقا للقارئ من حيث لا يدري، للهاثها خلف الجمهور أكثر من الفكرة الأساس في النص الروائي. وليس الجمهور غالباً هو الحكم على النصوص، ولا كثرته تشكل معياراً سليماً، فلا بد من معايير ضابطة للعمل يأخذها بعين الاعتبار الروائيون والمبدعون في هذا المجال.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here