د. عبد الحميد فجر سلوم: هل ستقع الحرب الثالثة في الخليج أم لا؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

هذا هو السؤال الأبرز في هذه الأيام لدى شعوب المنطقة ولدى الدوائر السياسية والإعلامية في كافة دول المنطقة، بل والعالم، ولا أحدا يمكنه إعطاء جوابٍ قطعي، وإنما تحليلات فقط، منها من يعتقد أن الحرب ستندلع ومنها من يعتقد أن هذا لن يحصل، والمسالة هي تخويف وضغوط على إيران لا أكثر، كي تستجِب للشروط الأمريكية التي سبق وأعلنها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو.

علَّمنا التاريخ أنه حينما تخطط الولايات المتحدة لشنِّ حربِ ما فإنها أول ما تفعلهُ هو تهيئة الرأي العام الأمريكي والعالمي..وهذا يقتضي خلْق الذرائع والحجج كي تبرر الولايات المتحدة القيام بالحرب..

تهيئة الرأي العام الأمريكي والعالمي تعمل عليه إدارة ترامب منذ زمن.. وتبريراتها للحرب بات يعرفها العالم كله، وهي أن إيران دولة ( إرهابية وتدعم الإرهاب وتزعزع أمن المنطقة والعالم، وتتدخل في شؤون دول المنطقة، وتدعم تنظيمات مسلحة في عدة بلدان، وتهدد إسرائيل بالزوال … الخ) ..

هذه هي الأسباب البعيدة.. أما الأسباب القريبة والمباشرة لشنِّ الحرب فتتجلَّى باتهام إيران بالاستفزاز والقيام بأعمال عدائية وتوتير الأوضاع، وعدم استجابتها لكل النداءات، وتحدِّيها للجميع ( وهذه تمّت تهيئتها عن طريق اتهام إيران بأنها تقف خلف تخريب السفن مقابل ساحل إمارة الفُجيرة، وإطلاق صواريخ الحوثي على محطات خطوط النفط السعودية، وإطلاق صاروخ كاتيوشا على محيط السفارة الأمريكية في بغداد.. ) كل هذه الأفعال اتّهموا فيها إيران، ولا نعرف ما هي الاتهامات القادمة، مع أنها قد تكون من صُنْع الموساد أو السي آي إيه.. والمشكلة أن تصريحات البعض في الحرس الثوري الإيراني وعقلية التحدِّي والمكابرة تخدم الأهداف الأمريكية من دون أن يقصدون .. فكان المطلوب من قيادة الحرس الثوري إنكار وإدانة كل الأفعال التي سبقَ ذكرها، حتى لا يعطون من أنفسهم لإيران ذرائع شن الحرب..

لقد عشتُ أربع سنوات في الإمارات، حيث كنتُ وزيرا مفوضا في سفارة بلادي، وأحبُّ هذه البلد الجميلة كما أُحِبُّ بلادي ، وأحبُّ أهلها الطيبين العروبيين، ولكن لا يجوز لِحكامها أن يقودونها إلى التهلكة، وأن يتناغموا مع عتاة الصهيونية العالمية كما جون بولتون وبنيامين نتنياهو..

في حال اندلعت الحرب ( لا سمحَ الله) فسوف يكون مسرحها إيران ودول الخليج،  والعراق أيضا .. وللأسف فقد وافقت دول الخليج أخيرا خلال اجتماع في البحرين على نشر قوات أمريكية فوق أراضيها وفي مياهها الإقليمية، وهذا يعني أنها باتت شريكة في أي عدوان أمريكي وطرَفا في أية حربٍ أمريكية، وبالتالي باتت بُلدانها هدفا للطرف الآخر..

يُخطئ حُكام الخليج ( لاسيما في السعودية والإمارات) إن اعتقدوا أن هناك أهدافا ستكون مشروعة للقصف وأخرى غير مشروعة، في حال اندلاع الحرب..

حتى الأهداف المدنية ستكون مشروعة حينما لا يكون أمام إيران سوى ( الاستسلام أو الموت) حينها سيكون خيار شمشون.. فالقِط إن حشرتهُ بالزاوية فسوف يقاتل .. والنتيجة قد تكون عودة بعض دول الخليج خمسون سنة للوراء..

يكفي صاروخ واحد على “برج خليفة” في دبي وهو أعلى ناطحة سحاب بالعالم اليوم، وكلّف مليار ونصف المليار دولار، واستغرق بناءه ست سنوات ، لتحويله إلى ركام بغضون ست ثوانٍ ..

يكفي صاروخ واحد على “بُرج العرب” الذي هو مَعلَم دبي الأساسي لإنزاله حطاما تحت مياه الخليج…

يكفي صاروخ واحد على “قصر الإمارت” في أبو ظبي، الذي يُعتبَر مفخرة الإمارات أمام العالم والضيوف الأجانب الذين ينزلون في غُرفهِ وأجنحتهِ، كي يتحول إلى رُكام.. وذات الأمر ينطبق على أكبر مولات دولة الإمارات التي هي عنوان حضارة الدولة أمام الزوار والأجانب والعالم..

إن تدمّرت محطات الكهرباء وانعدمَ التكييف، فسوف تموت الآلاف من شدة الحر والرطوبة لوحدها.. وإن تدمّرت محطات تحلية  المياه فسوف يموت الزرع والضَّرع..

بل إن الحرب ستدفع كل الوافدين إلى دول الخليج للهروب إلى بلدانهم، وهكذا تتعطّل كل أشكال الحياة.. وسوف تتوقف كل أشكال الاستيراد، ولن تتوفّر حتى مياه الشرب التي تُستَورد كلها من الخارج بالعبوات البلاستيكية..عدا عن الخضار والفواكه والقمح والطحين والأجبان والألبان  وووو الخ.. فكل هذا يُستورَد من الخارج..

المطلوب من طرفي دول الخليج العربي، أي إيران والدول الخليجية، إعمال العقل والتفكير مليَّا وبهدوء واتخاذ قرار صارم بعدم اللجوء أو الانجرار نحو الحرب لأنها ستكون مُدمِّرة لإيران ولهم.. فلن يكون هناك رابحا، الجميع سيكون خاسرا، وشعوبهم ستكون الضحية.. وستعود بلدانهم عشرات السنين للوراء..

الحروب بالنسبة للولايات المتحدة ( وهذه هي دوما طبيعة النظام الإمبريالي) هي نوعٌ من الاستثمار السياسي والاقتصادي والمالي والرُبحي.. فهم يدمرون دولة ما، أو يتسببون بدمارها، ثم تأتي الشركات الأمريكية لتبرم عقود إعادة الإعمار، وهكذا يكسبون مئات المليارات.. أو يستولون على كل ثروات البلد التي يحاربونها (كما فعلوا في أفغانستان والعراق) أو حتى تلك التي يدافعون عنها (كما دول الخليج).. فالعقل الإمبريالي التجاري الرُبحي الذي يقوم على الربح والكسبْ المادي (الذي يجسده ترامب بأبشع صوره) لا يُعطي الخمسة إلا ويضمن بأنه سوف يأكل العشرة.. هذا عدا عن أن التروستات العملاقة المتمثلة بمصانع الأسلحة الضخمة من طائرات وصواريخ وغيرها، تبقى شغَّالة جدا في ظل الحروب وتبيع بمئات المليارات.. فإن ساد السلام في العالم وتوقفت الحروب فلماذا شراء الأسلحة؟. سوف تكسد صناعاتهم الحربية ولن يجدوا من يشتريها.. ولذا لا بدَّ من الحروب فهي دمار على شعوب العالم ولكنها زيادة الثراء للأنظمة الإمبريالية ..

بالمقابل، المطلوب من قيادات الحرس الثوري الإيراني، التوقف عن التصريحات الاستفزازية ، وعن العنتريات والمكابرات ( فهم ليسوا في موقع هزيمة الولايات المتحدة، ولن تسمح الولايات المتحدة لنفسها بالهزيمة أمام إيران حتى لو أدّى الأمر إلى استخدام السلاح النووي للمرة الثانية بالتاريخ بعد الحرب العالمية الثانية.. وإن استخدموا السلاح النووي ضد إيران فقد تعودُ قَرنا إلى الوراء) .. وعلينا هنا أن نشير إلى تغريدة ترامب مؤخرا والتي هدد فيها بنهاية إيران..

المطلوب من قادة الحرس الثوري الإيراني، التوقف عن تخويف دول الخليج العربي، وطمأنة الجميع أنهم لا يسعون إلى تحقيق أي مشروع إيراني خاص يشكل تهديدا لدول المنطقة، وأن يسحبوا كلامهم وتصريحاتهم الاستفزازية التي أطلقوها كثيرا بالماضي، من أنهم باتوا يسيطرون على أربع عواصم عربية، وأن حربهم اليوم هنا وهناك هي ثأرا لدماء الحسين وهي استمرارا لحرب كربلاء وصِفّين، وغير ذلك من التصريحات غير المسؤولة..

يجب التركيز على خطاب واحد فقط، وهو أن كل مصائب المنطقة، وكل ما يحصل فيها من حروب وصراعات ونزاعات وانقسامات، إنما خلفها إسرائيل، وتهدف إلى تحقيق المشروع الصهيوني الموضوع منذ أمدٍ طويل بتقسيم المنطقة إلى دويلات عرقية وقومية ودينية هزيلة وضعيفة ومُتصارِعة، وإزكاء نار الصراعات وعدم الاستقرار على الدوام، كي يستتب لإسرائيل الأمن والاستقرار وتكون يدها هي العليا في كل المنطقة وعلى الدوام.. وكي لا يتوحد العرب في حياتهم ضد إسرائيل على غرار ما حصل في حرب تشرين عام 1973 .. وهذه هي نظرية هنري كيسنجر المعروف بصهيونيته..

يجب على قيادات الحرس الثوري الإيراني التوقف عن النظر إلى دول الخليج بِفوقية، ومن منطق القوة، وعلى أنها بلدانا ضعيفة، فهُم بذلك يدفعونها أكثر وأكثر للارتماء بالحضن الأمريكي، وهذا ما يريده دونالد ترامب ..

عليهم أن يتعاملوا مع دول الخليج بعقليةِ وثقافةِ النِدِّية، فالمطلوب هو تطمينها وليس تخويفها.. والسعي لإزالة كافة العوامل والأسباب التي جعلت دول الخليج تتخوف من إيران وتخشاها ولا تثق بها.. هذا أمرٌ ضروري، وإيران تعرف ما هي تلك الأسباب بالتفصيل..

لا نريد أي حربٍ جديدة في المنطقة لأنها ستجرُّ الكوارث على كل شعوب المنطقة.. والجميع سوف يتضرر منها.. لدى سورية لوحدها عشرات آلاف، وأحيانا مئات آلاف السوريين يعملون في كل دولة خليجية، ويُحوِّلون كل عام مئات ملايين الدولارات لأهاليهم في سورية، كي يعيشوا.. كل هؤلاء سوف يتضررون في حالة اندلاع الحرب.. وذات الأمر ينسحب على المصريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين، وغيرهم ممن يعملون في بلدان الخليج..

المشاعر العروبية والقومية تدفعنا للتعاطف مع أبناء عروبتنا في دول الخليج، ولكن ارتمائهم في الحضن الأمريكي يجعلنا بالمقابل غاضبين وعاتبين.. لسنا مع إيران ضد دول الخليج العربي، ولكن لسنا مع دول الخليج العربي في الارتماء بالحضن الأمريكي بهذا الشكل ضد إيران..

نلتقي مع إيران في العداء لإسرائيل الغاصبة المُحتلة لأراضي الغير.. ونلتقي مع إيران في الوقوف ضد الهيمنة الأمريكية والانحياز السافر لإسرائيل.. ونلتقي مع إيران في مكافحة الإرهاب.. ولكن لسنا مع إيران ضد دول الخليج العربي، ولسنا مع دول الخليج العربي في تحالفها مع أمريكا ضد إيران ..

دول الخليج ليست مُجرّد العائلات الحاكمة المرتبطة بالولايات المتحدة، وإنما هناك شعوبا عربية وعروبية خبِرتُ مدى تمسكها بحبل العروبة حينما كنتُ في دولة الإمارات.. لا أنسى كمْ من الإماراتيين كانوا يأتون للسفارة ليهدوا لنا قصائد مكتوبة بالشِعر النبطي، وباللهجة البدوية، يتغزلون بها بحبِّهم لسورية ومواقفها العروبية..

أعتقد أن البيان الصادر عن الخارجية السورية (والذي صاغهُ كما أظنُّ نائب الوزير الدكتور فيصل المقداد، صائغ بيانات الوزارة، حسب تحليلي الشخصي لِما يمتلكه من حِس سياسي ومقدرة وخبرة في هذا المجال) هو عين العقل..فقد دعا جميع الأطراف إلى ضبط النفس لأن تصاعد التوتر في الخليج لا يصبُّ في مصلحة دول المنطقة، وشدّد على الحوار بعيدا عن التدخلات الخارجية لأن هذا سيؤدي إلى خفض التوتر وضمان الأمن والسلم والاستقرار،  وعبّر عن رفض دمشق أي أعمال من شأنها إعاقة حركة الملاحة في الخليج العربي والتي تنعكس سلبا في المقدمة على جميع دول المنطقة.. نأمل أن ينظر الجميع لهذا البيان بجدية واهتمام..

في ضوء هذه التطورات، تدعو السعودية التي ستستضيف في أواخر أيار 2019 قمة دول منظمة التعاون الإسلامي، تدعو بهذه المناسبة إلى عقْد قمة طارئة خليجية وأخرى عربية أيضا (طالما كافة الزعماء حاضرون) للبحث في التطورات الأخيرة بالمنطقة، سواء حادث السفن مقابل الفجيرة أم حادث محطات النفط السعودية ..

 الأمر يبدو مثيرا للضحك، فقبل أن تطلب السعودية عقد هكذا قمم طارئة فعليها أن ترمم علاقاتها الخليجية والعربية.. وأن تلعب دورا إيجابيا في نشرِ الأمن والأمان والاستقرار في كافة البلدان العربية، وليس العكس.. السعودية تدعونا للشفقة عليها إن كانت لا تُدرِك الحالة الخليجية والعربية المزرية في يومنا هذا.. فماذا تتأمل من دول الخليج ومن الدول العربية في ظل هكذا أوضاع مَرَضية مُزمنة يعيشها الجميع؟.

 قبل أن نطلب من المريض المكسورة رِجله أن يقف ويتحرك، فعلينا أن نعالج لهُ مرضهُ أولا ، وإلا كيف سيتحرك.. الدول العربية كلها أرجُلا مكسورة، بل مصابة بالأمراض الخطيرة وهي أعجز من أن تقدم شيئا للسعودية من دون تنقية الأجواء العربية بالكامل وانعقاد قمة عربية شاملة، بلا استثناء لأحد، لهذا الغرض، والاتفاق للعودة إلى شعارات الماضي بالتضامن العربي والتقارب العربي والتواصُل العربي، وعودة العلاقات العربية السياسية والدبلوماسية والتجارية والثقافية والاقتصادية الطبيعية والعادية والشاملة في كافة المناحي .. أما أن تنعقد القمم فقط لخدمة مآرب السعودية، ومن خلالها لخدمة مآرب الولايات المتحدة، فهذه لن تفضي إلى نتيجة .. وهذا لعِب أولاد.. والزمن الذي كانت تتسيّد فيه السعودية العالم الإسلامي انتهى وعليهم أن يفهموا ذلك، والولايات المتحدة أعجز من أن تُعيد للسعودية ذاك الدور القديم..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. تنويه: في السطر 17 ورد : فكان المطلوب من قيادة الحرس الثوري إنكار وإدانة كل الأفعال التي سبقَ ذكرها، (حتى لا يعطون من أنفسهم لإيران ذرائع شن الحرب..) .. والصحيح حتى لا يعطون لأمريكا .. واقتضى التنويه مع الشكر للجميع ..

  2. مقالة قيمة وتفهم بعمق وأشارك الكاتب المحترم واضم صوتي الى صوته فيما يخص دولة الإمارات العربية الجميلة واهلها العروبيين
    الإكارم ولقد عرفت هذا القطر من وطننا العربي الكبير خلال خدمتي الأكاديمية فيه. وأتمنى وأرجو ان يعم السلام في المنطقة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here