د. عبد الحميد فجر سلوم: من هو المجتمع الدولي الذي خاطبهُ الرئيس محمود عباس من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

في كلمته يوم الخميس 26 أيلول 2019 تحدث رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس مخاطبا المجتمع الدولي وقائلا أن : ( إسرائيل لم تحترم أي اتفاقات وعليكم تحمل مسؤولية حماية السلام والقانون الدولي .. لقد آن الأوان لأن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لوضع حد لهذا العدوان وهذه العنجهية الإسرائيلية(.. ..

لا أعرف من هو هذا المجتمع الدولي الذي يناشده السيد محمود عباس، وينتظر منه أن ينهي الاحتلال الإسرائيلي، ويقوم بتنفيذ 86 قرارا لمجلس الأمن تتعلق بفلسطين، و 705 قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة، ويُخلِّص شعب فلسطين من الظلم والقهر، ويمنحه حريته واستقلاله..

المجتمع الدولي الفاعل هو المجتمع الغربي، أي الولايات المتحدة أولا ثم تليها الدول الأوربية الغربية، وأما بقية شعوب العالم فلا أحدا يكترث لصوتها..

هذا المجتمع الغربي يعيش في ظل دول مؤسسات وقوانين وديمقراطية وحرية وعدالة وتكافؤ فرص وبرلمانات منتخبة وتداول على السلطة وحرية تعبير وحرية رأي وحرية صحافة وحقوق إنسان، وكل ذلك، ولكن حينما يتعلق الأمر بشعوب العالم الثالث (في فلسطين وغير فلسطين) فتختلف المسألة مائة وثمانون درجة، وحينها يتنكر هذا الغرب لكل حقوق هذه الشعوب ولا يعيرها أدنى اهتماما إلا بالتصريحات والبيانات والخطابات الفارغة، ويبيع ويشتري فيها بحسب ما تقتضيه مصالح كل دولة، ويتناسى حتى القرارات الأممية التي تم اتخاذها في الجمعية العامة أو في مجلس الأمن، والتي أشار إليها الرئيس عباس بخصوص فلسطين.. وهنا علينا أن نتذكر ماذا قال الشاعر السوري أديب إسحاق منذ أواخر القرن التاسع عشر في قصيدةٍ من أربع أبيات فقط، وجاء فيها:

قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمة لا تُغتَفر .. وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألة فيها نظر .. والحقُ للقوَّة لا يُعطَاهُ إلا من ظفرْ .. ذي حالةُ الدنيا فكُنْ من شرّها على حذرْ ..

قيمهم في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، هي لشعوبهم فقط وليست لشعوب العالم الثالث، لأن شعوبهم هي صاحبة القرار، وهي من تأتي بالحكومات والبرلمانات وهي من تعفيها أو تُسقِطها إذا ما فشِلت في خدمة شعوبها وتلبية مطالب هذه الشعوب وطموحاتها وكانت عند حُسن الظن بها..

ولذا فالنُّخب السياسية في تلك المجتمعات تخشى الشعوب، لأنه هذه هي من ترفعها للأعلى وهي من تهوي بها للأسفل .. في العالم الثالث الصورة مقلوبة، فالشعوب هي من تخشى الحكام والأنظمة الحاكمة وتتملق لها..

ولكن يبقى زعماء الغرب يجيدون النفاق .. مع أن النفاق بهذا الزمن بات مكشوفا.. إنهم يقتلون القتيل ويمشون بجنازته .. هذا أمر نعرفه جيدا.. وزعماء هذا الغرب هم من اجتمعوا في جنازة المناضل نلسون مانديلا في أواخر العام 2013 وهم من كانوا يدعمون قبل ذلك النظام العنصري في جنوب إفريقيا الذي زجّ بمانديلا 28 عاما في السجن ، ثم صحَا وجدانهم فجأة ليتباكوا على الثائر والمناضل من أجل الحرية – مانديلا- وهم من كانوا أوّل عدوٍ لحريته ونضاله..

بعد هجوم شارلي إيبدو الإرهابي في باريس في 7 كانون ثاني 2015 ، احتشد في باريس كافة قادة الغرب ليستنكروا هذا العمل الإرهابي، ولكن لم تؤثر بهم صورة الطفل (محمد الدرّة) وهو يبكي ويرتجف من الخوف ويختبئ خلف أبيه كي لا تصيبه رصاصات الغدر الإسرائيلي، ولكنها أصابتهُ وقتلتهُ، في آخر أيلول 2000، في مشهدٍ أبكى حجارة الصوّان..

ولم يؤثِّر بهم مشهد الطفلة (هدى غالية) التي وقفت منكوشة الشعر وهي تصرخ فوق جثث أبيها وأمها وأخوتها، الذين مزّق أجسادهم صاروخ إسرائيلي عام 2006بينما كانوا يجلسون بأمان الله على شاطئ غزّة، وهي تلعب على بعد أمتار عنهم؟.. لم تؤثر بهم كل المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين على مر الزمن وفي غزّة وفي لبنان.. لماذا؟. لأن الإنسان لدينا رخيصا في عيونهم.. بل في عيون الحكام العرب أنفسهم..

كبار زعامات الغرب قد أشاروا، بطريقة أو بأخرى إلى نفاق الساسة في الغرب.. ولا أدلُّ على ذلك من وصية الجنرال ديغول قبل وفاته:( أن لا يخرج أي سياسي في جنازته).. هذا كان القائد الفرنسي الكبير قبل أن نسمع بالأصغر كما ساركوزي وأولاند  وماكرون.. وحينما كان يسير القائد البريطاني العظيم (تشرشل) في إحدى المقابر، قرأ شاهدة مكتوب عليها : (هنا يرقد السياسي الكبير والصادق والمخلص، رجل المبادئ والمواقف.. الخ..) فقال تشرشل باستهجان واستغراب : كيف يكون سياسيا ويكون صادقا ومخلصا ورجل مبادئ ومواقف ؟.) .. هُم يعرفون أنفسهم منافقون ولكن أليسَ بين العرب من هم أكثر نفاقا!. أليسَ بينهم من خان قضية فلسطين، ومنهم من يتآمر على قضية فلسطين، ومن يتاجر بقضية فلسطين، ومن يتجاهل قضية فلسطين ويُطبِّع مع إسرائيل، وكل دولة عربية شعارها : اللهم أسألك نفسي!..

لقد سُئِل تشرشل مرّة عن رأيهِ بالشعوب، فقال قوله المشهور : إذا ماتَ الانكليز تموت السياسة، وإذا ماتَ الروس يموت السلام، وإذا مات الأمريكان يموت الغِنى، وإذا مات الطليان يموت الإيمان، وإذا ماتَ الفرنسيون يموت الذوق، وإذا ماتَ الألمان تموت القوة، وإذا مات العرب تموتُ الخيانة !..

صحيح أن هذا الغرب، مُمثّلا بنُخبهِ السياسية هو غدار بحق شعوب العالم الثالث، وبحق شعب فلسطين خصوصا، وهذا الغرب هو من خلق كيان إسرائيل فوق أراضي فلسطين وتسبب بتشريد شعب فلسطين، وكان الاتحاد السوفييتي أول دولة تعترف بإسرائيل، واليوم نرى كلٍّ من الرئيس الروسي بوتين والأمريكي ترامب يتسابقان لخدمة إسرائيل والتعبير عن الحرص على أمن إسرائيل (التي لا يهددها أحدا بينما هي تهدد الجميع) ، ولكن رغم ذلك فهل شيمة الغدر في دول العالم الثالث، وخصوصا العالم العربي، هي اقل منها لدى قادة الغرب!.. هُم في الغرب يغدرون بالدول والشعوب الأخرى، ولكنهم لا يغدرون بشعوبهم لأن مصيرهم حينها الزوال والإحالة للمحاكم كي تقتص منهم، بينما في العالم الثالث، وخصوصا العالم العربي فالغدر هو بُنية عقلية وذهنية ونفسية..

ومن هنا فدَمُ المواطن في العالم الثالث رخيص جدا، بينما دمُ الإنسان الغربي أو الإسرائيلي ثمين جدا..

فالغدر والخيانة يبدو أنها من الطبيعة الجينية للإنسان العربي.. فالحكام يغدرون ببعض والأحزاب تغدر ببعض، والسياسيون يغدرون ببعض، والمواطنون العاديون يغدرون ببعض، وحتى داخل الحزب الواحد يغدرون ببعض، والرفاق الكبار والصغار يغدرون ببعض، والمسؤول في قلب مؤسسته يغدر بالكوادر، والكوادر تغدر ببعض، والملك أو الأمير أو الشيخ يغدر بأبيه ويحلَّ مكانه، أو يغدر بأخيه ويضع ابنه مكانه .. وهكذا الشيمة الأساسية للجميع هي الغدر.. وهذه الشيمة تعود إلى بنية العقل العربي الاستبدادي الأناني عموما، الذي يلغي الآخر ويرفض كل رأي آخر وعاجز عن قبول الاختلاف بالرأي، ويتعصب بشدة لِما يؤمن به كل فرد حتى لو كان خاطئا وخطيرا.. وكل هذا دليل قاطع على مدى التخلف في بنية هذا العقل العربي.. ولذا نرى حتى شعوب أفريقيا باتت أكثر وعيا وانفتاحا من العقل العربي لِجهة قبول الرأي الآخر، والاحتكام لصناديق الاقتراع..

العقل الحضاري المتنور لا يُقاس بالبذلة الغربية الحديثة ولا بإتباع الموضة، ولا بالقصور الفخمة والسيارات الفاخرة، وإنما يُقاس بمدى قبول الرأي الآخر ، وقبول النقد، وحرية التعبير وكل هذه المعاني..

ونعود لِخطاب الرئيس محمود عباس لنتساءل: في ظل هذه الظروف الفلسطينية والعربية والدولية، ماذا بإمكان الرئيس عباس أن يقول إلا ما قالهُ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومناشدة الضمير العالمي الغائب!.. محاولة إيقاظ هذا الضمير ضرورية، ولكن تبقى المهمة الأولى والأساسية تقع على عاتق شعب فلسطين، فليس له بدَّا من المقاومة السلمية وغير السلمية، ومن الثبات والصبر والتصالح بين كافة قواه الفلسطينية من غزة إلى الضفة، وحتى خارج فلسطين.. الجميع يجب أن يتوحد ويفكر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا أولا وقبل كل شيء، وليس بالمصالح الضيقة.. وهذا يشكل قوة للقيادة الفلسطينية تستند عليها لدى مخاطبة المجتمع الدولي.. فضلا عن القوة التي تشكلها الديمقراطية والاحتكام دوما إلى صناديق الاقتراع بين أبناء هذا الشعب العظيم والجبّار ..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here