د. عبد الحميد فجر سلوم: ماذا يعني اغتيال جنرال بحجم قاسم سليماني؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

إلى حد اللحظة التي اغتالت فيها الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني، قائد لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني، بعيد منصف ليلة 3/1/2020، كان هناك اعتقادا عامّا سائدا لدى المحللين، وحتى لدى بعض العاملين بالحقل السياسي، وبينهم مسؤولين مُهمين، أن عمليةٍ كما هذه لا يمكن أن تحصل لأنها تجاوزا للخطوط الحُمر وانقلابا كاملا على مبادئ وأصول اللعبة وقواعد الاشتباك في المنطقة، التي رسمتها كل من الولايات المتحدة وإيران، بشكل غير مباشر، في الصراع بينهما..

اغتيال الجنرال سليماني غيّر كل قواعد اللعبة.. كان الاشتباك إلى ما قبل اغتيال سليماني هو نوع من عض الأصابع، بهدف ليْ الذراع..

إيران أرادت لَيْ ذراع الولايات المتحدة عبر ضغوط متعددة، منها في مضيق هرمز الاستراتيجي وتأثيرها على خطوط الملاحة الدولية، ومنها من خلال نفوذها في اليمن والعراق وسورية ولبنان، بهدف إعادة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات وإعادة التزامها بالاتفاق النووي المُوقّع في زمن الرئيس أوباما في نيسان 2015، ورفعِ العقوبات القاسية..

والولايات المتحدة أرادت لَيْ ذراع إيران وإعادتها إلى طاولة المفاوضات بشروطها الـ 12  التي أعلنها وزير الخارجية مايك بومبيو في أيار 2018.. ومن بينها: وقف إنتاج الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، وسحب القوات الإيرانية من كافة دول المنطقة، ومن سورية، ووقفْ نشاطات فيلق القدس خارج الأراضي الإيرانية، ووقفِ دعم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، ووقف تهديد حلفاء الولايات المتحدة وعلى رأسهم إسرائيل والسعودية والإمارات( بِحسب ما جاء في الشروط) .. الخ..

لا يَخفى أن شروط مايك بومبيو الـ 12 هي شروط إسرائيلية وسعودية قبل أن تكون أمريكية، وتعجيزية أيضا.. ولذا ليس من المُستغرَب أن تضع الولايات المتحدة كلٍّ من إسرائيل والسعودية والإمارات في خانة واحدة، وهي خانة الحلفاء.. حلفاء ضد منْ؟. طبعا حلفاء ضد إيران.. ولذا ليس من الغريب أن تُعادي السعودية والإمارات كل أصدقاء وحلفاء إيران، على قاعدة صديق عدوي عدوّي.. وما مُغازلة الإمارات لِدمشق وإعادة فتح سفارتها سوى نوعا من التمويه للتخفيف من حجم الاتهامات الشعبية العربية لها نتيجة علاقاتها مع إسرائيل وتحالفها معها.. وهذا ينطبق على مملكة البحرين.. وحتى لو كانت الحجّة أنهم أرادوا التصدِّي لنفوذ تركيا فالغاية الأساسية هي التمويه على تحالفهم مع إسرائيل ضد إيران، وعلاقاتهم بسورية قد تُموِّه على هذا التحالف..

حينما كنتُ وزيرا مفوضا في سفارة بلادي في أبو ظبي، كان يتردد قولا بين الدبلوماسيين مفادهُ أن التخطيط للمشاريع ” التآمرية” في المنطقة يحصل في مَسقِط والتنفيذ يحصل في أبو ظبي ..

اغتيال الجنرال قاسم سليماني، نقلَ الصراع من مرحلة عض الأصابع، وسياسات ليْ الذراع، إلى مرحلة جديدة وخطيرة وهي المواجهة المباشرة.. هذه المواجهة تبلورت مؤخرا من خلال مصرع متعاقد أمريكي وإصابة آخرين، في قاعدة أمريكية في مدينة كركوك بشمال العراق في 27 كانون أول 2019 ، وقامت الولايات المتحدة حالا بإلقاء المسؤولية على تنظيمات موالية لإيران..

وبما أن المسألة ليست مسألة رمّانة وإنما مسألة قلوب مليانة، كما يقول المثل الشعبي، فقد سارعت الولايات المتحدة بعد يومين من ذلك، بردٍّ عنيف، لا يتناسب مع حجم الحدَث، وقصفت خمس قواعد ومخازن لِحزب الله العراقي (وهو أحد فصائل الحشد الشعبي المدعوم من إيران) على طرفي الحدود العراقية والسورية، ونجم عن ذلك خسارة 25 مقاتلا، عدا عن الجرحى..

القصف الأمريكي تسبّب بموجة غضب عارمة في العراق لدى أنصار الحشد الشعبي، فقاموا بالهجوم على السفارة الأمريكية ببغداد وحرق بوابة السفارة.. الأمر الذي أثار حفيظة واشنطن، واعتبرته مساسا غير مقبول بهيبة الولايات المتحدة، وحمّلت المسؤولية لإيران، وخصوصا للجنرال قاسم سليماني الذي اتهمته واشنطن بأنه هو من يقف خلف أوامر اقتحام مبنى السفارة الأمريكية في بغداد.. وأنه يخطط (حزب مزاعم واشنطن) للقيام بأعمال هجومية ضد أهداف ومصالح أمريكية، وأن اغتياله بهذا التوقيت هو عملية استباقية..

اغتيال قاسم سليماني يشير إلى مدى وخطورة النشاط التجسسي الأمريكي، وكذلك مدى النشاط التجسسي الإسرائيلي، وحجم العملاء للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وإلا كيف عرفت الولايات المتحدة بتفاصيل تحركات سليماني حتى تمكنت منه؟.

وكيف كانت إسرائيل تعرف اية حركة لإيران في سورية، وتقوم بالقصف حالا؟!.. وكيف عرفت بالمبنى والشقّة التي يقيم فيها القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أكرم العجوري في قلب حي المزة الغربية في دمشق، لِتقوم بقصف المنزل في 12 تشرين ثاني 2019 ؟!.

وكيف عرفت بوجود سمير القنطار بتلك الليلة في الشقة التي استهدفتها في 19/ 12/ 2015 ، في بلدة جرَمانا قرب دمشق وأودت بحياته!..كيف لإسرائيل كل ذلك لولا حجم العملاء والجواسيس الذين تُشغِّلهم في العراق ولبنان وسورية!.

طبعا لا تحتاج إسرائيل إلى عملاء في دول الخليج، أو غيرها من الدول العربية، ولا حتى لدى السُلطة الفلسطينية، حيث أن مخابرات تلك الدول تُنسِّق باستمرار مع المخابرات الإسرائيلية والأمريكية، ويعقدون الاجتماعات الدورية ويتبادلون المعلومات ويضعون الخطط، في عمّان وغيرها من بعض العواصم..

اغتيال قاسم سليماني كان بقرار مباشر من الرئيس ترامب، وقد أشاد وزير دفاعه بعملية الاغتيال، وهدّد بالمزيد إن قامت إيران بالتصعيد.. كما أشاد به العديد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، ورحّبت إسرائيل بذلك، وترحيب دول الخليج هو تحصيل حاصل، حتى لو تظاهرت بعكس ذلك، أو التزمتْ الصمت.. فنفاق حُكام هذه الدول وغدرِهم لم يعد ينطلي حتى على الأطفال..

في إيران كانت ردود الفعل عاصفة، وجاء التهديد على لسان المرشد الأعلى السيد علي الخامئني بنفسه، حيث توعّد قائلا: ” إن المجرمين الذين تلطخت أيديهم بدم الشهيد سليماني ودماء بقية الشهداء في اعتداء ليلة أمس سيواجهون انتقاما قاسيا.. ” ..

روسيا اعتبرت اغتيال سليماني تصعيدا للتوترات، بينما دعت الصين إلى ضبط النفس، وخاصة من الولايات المتحدة..

السيد حسن نصر الله توعّد بالقصاص العادل..

دول أوروبا الغربية دعت للهدوء، ولكنها مع المبررات التي ساقتها الولايات المتحدة لاغتيال سليماني..

هناك إجماع أن الاغتيال يشكل تصعيدا خطيرا لكل الأوضاع.. فماذا ينتظر المنطقة؟.. المشهد ضبابي جدا وخطير جدا، وهناك سيناريوهات عديدة يمكن التكهُّن بها..

1ــ ردْ إيراني يتناسب مع عملية اغتيال سليماني، ويودي بحياة ضباط أمريكان.. وهذا سيجعل الولايات المتحدة كما الثور الهائج، وتردُّ بشكلٍ عنيف وقد تستهدف الداخل الإيراني.. وقد يتطور الأمر إلى حرب شاملة ( لا تريدها واشنطن ولا طهران حسب تصريحات الطرفين) ولكن لا شيئا مضمونا إن تفاقمت الأمور كثيرا، فالأحقاد عميقة ودفينة.. وإن نشبت حربا شاملة فالاصطفاف سيكون بين طرفين: الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل والسعودية والإمارات من طرف.. وإيران ومحور المقاومة من طرف آخر.. لن تشارك روسيا ولا الصين في هذه الحرب إلى جانب إيران.. ولا أحدا يمكنه أن يضمن عدم استخدام السلاح النووي لحسم الحرب بسرعة.. وخاصة إن تعرضت إسرائيل إلى خطر وجودي (مع تمنياتنا أن نرى إسرائيل وقد أزيلت من الوجود لأنها أساسا رأس الأفعى والمصائب في كل المنطقة) .. وهذا رأيي الشخصي ولا تتحمل صحيفة ” رأي اليوم” المسؤولية عنه..

2ــ انسحاب الطرفين، أو أحدهما، من المشهد كله في المنطقة.. وهذا مُستبعَدا، فالولايات المتحدة تعتبر وجودها بالمنطقة حتميا حفاظا على مصالحها القومية ومصالح حلفائها، رغم قناعتها أن هذا ينطوي على المخاطر.. وكذلك تعتبر إيران وجودها بالمنطقة حتميا حماية لأمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية..

3 ــ تطويق الأزمة، ووقف التصعيد.. وهذا يحتاج إلى جهود دولية جبّارة..

4 ــ استمرار حالة لا حرب ولا سلم.. كما كان الحال، واستمرار سياسة الفعل ورد الفعل، كما جرت العادة على مدى الزمن الماضي، دون تفاقُم الأمور إلى الحرب، وذلك إلى مدى غير منظور.. أو بانتظار ما سوف تُفضي إليه الانتخابات الأمريكية القادمة..

المنطقة، ومن خلال قراءتنا للوضع الراهن، ينتظرها مزيدا من عدم الاستقرار والتوتر والصراعات والحروب.. وإسرائيل تُعدُّ العدة لذلك.. وقد نقلت ” مؤسسة الدراسات الفلسطينية” عن صحيفة “معاريف” الإسرائيلية يوم 2 كانون ثاني 2020 ، أن (الجيش الإسرائيلي بدأ بالتجنيد لوحدةٍ جديدة من النُخبَة متعددة الأبعاد، وتشمل فُرقا من أسلحة المشاة والاستخبارات والهندسة وطواقم جوية، وستتميز بقدراتها المتنوعة والوسائل القتالية المتطورة التي ستُزوّدُ بها، وستُحدَّد مهمتها الرئيسية في اكتشاف قوات العدو وتدميرها، وستساهم في مهمات قوات الجيش في ساحات القتال البرية وفي العمق خلف خطوط قوات العدو، حيث ستقوم باستهداف مواقع ومنشآت إستراتيجية.. وستزوَّد بطائرات صغيرة من دون طيار، وسينضم إليها مقاتلون من لواء المظليين ومن سلاحي الهندسة والمدرعات ووحدة الكلاب المدربة)..

كما نقلت “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” عن صحيفة ” يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية يوم 1/1/ 2020 ، تصريحا لقائد سلاح الجو الإسرائيلي ” عميكام نوركين” قال فيه :(أن التفوق الجوي للجيش الإسرائيلي هو سمة أساسية لإستراتيجية الأمن القومي لإسرائيل، وخاصة في الوضع الحالي الذي يطلقون عليه ” الحرب بين الحروب”..  وأضاف: أنه كثّف عمله مع الجيش الروسي الذي يعمل داخل سورية من أجل الحفاظ على حرية إسرائيل في العمل هناك ضد أهداف مرتبطة بإيران.. وقال: إن العقد المقبل ــ عقد 2020ــ  سيكون عقد بناء القوة.. وأن سلاح الجو سيكون بحاجة إلى استبدال أسطول طائرات التزود بالوقود، وإلى شراء طائرات مقاتلة إضافية وتطوير ذخيرة جديدة، وذلك من أجل الحفاظ على تفوق إسرائيل الجوي خلال هذا العقد( ….

إذا هذا ما تخطط له إسرائيل للعقد الحالي، فماذا يخطط الطرف الآخر من العرب؟. هل سوى التآمر والتطبيع مع إسرائيل والتحالف معها ضد المصالح العربية والفلسطينية، وقمع شعوبهم ونهب ثرواتها وإفقارها وإذلالها حتى لا تقوم لها قائمة ضد إسرائيل؟.

في إيران حِدادا لمدة ثلاثة أيام على روح الجنرال قاسم سليماني.. فهل سنرى حدادا في الولايات المتحدة على أرواح بعض الضباط والجنود الأمريكان انتقاما لاغتيال سليماني؟. ما يزال في أذهاننا تدمير مقر قوات المارينز الأمريكان في بيروت عام 1982 .. فهل يمكن أن يتكرر في مكان آخرٍ، أم أن الزمن اختلف كثيرا؟؟.

أعان الله هذه المنطقة وشعوبها على أعدائها من الخارج وعلى أعدائها من الداخل..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. تحليلك رائع يا دكتور وتساؤلاتك عميقة وعرضك استراتيجي للسيناريوهات المطروحة أمام صانع القرار السياسي… هذا المقال يجب أن يدرس في المعهد الديبلوماسي كنموذج عن التقارير السياسية التي تحلل الوقائع بعمق استراتيجي وتطرح التساؤلات التحليلية وتضع السيناريوهات الميدانية والعسكرية والسياسية وتستشرف مآلاتها وتقترح الحلول بشكل رصين وعميق وبلغة عربية قوية.. بارك الله بك وبأشباهك يا دكتور من الوزراء المفوضين الذين تفخر الدبلوماسية العربية بهم

  2. تحليل رائع يا دكتور٠٠٠ هذا المقال يجب أن يدرس في المعهد الديبلوماسي كنموذج عن التقارير التي تتناول المستجدات الاستراتيجية في المنطقة بعمق تحليلي وبتحليل عميق وتستشرف السيناريوهات المقبلة المطروحة على صاحب القرار السياسي برصانة وبلغة عربية متينة… تحية لك يا دكتور وبارك الله بالديبلوماسيين أمثالك

  3. كيف لإسرائيل كل ذلك لولا حجم العملاء والجواسيس الذين تُشغِّلهم في العراق ولبنان وسورية!. السؤال الاهم لماذا لا تقوم الدول العربية بتجنيد العملاء الاسرائيليين على الرغم من فساد اليهود و لماذا لا تقوم باستغلال الخلافات الاسرائيلية الاسرائيلية العلنية بل لماذا لا تقوم باستغلال وجود العنصر العربي هناك؟؟ اعتقد ان الامر متعلق بطبيعة هذه الانظمة و اولوياتها. بل ان اهم عمالة لاسرائيل تقع في اعلى الهرم في بعض البلاد العربية كما رأينا في سوريا و مصر و لبنان و تونس و المغرب و الاردن في عدة مناسبات..
    اما ماذا يعني اغتيال سليماني فهو يعني اولا التفوق الهائل الامريكي الاسرائيلي على ايران و على الحشد الشعبي. و ان الكلام و الصراخ لا يعني شيئا . و يعني تعزيز السيطرة الامريكية على الشرق باظهار ان اي متمرد في الشرق سيلقى وبالا.
    المخرج الحقيقي هو بناء انظمة تمثل شعوبها و تحميها و تلتزم بعدم الاستعانة بالاجنبي ضد الجار و ضد الاخ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here