د. عبد الحميد فجر سلوم: ماذا قال الرئيس المرحوم حافظ الأسد لِفاروق الشرع عن فساد القيادة؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

صدرَت في كانون ثاني 2015 ، مُذكّرات وزير الخارجية ونائب الرئيس السابق فاروق الشرع تحت عنوان: ” الرواية المفقودة” ، وذلك عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومقرّه في الدوحة..

يقول الشّرع (الذي ترأس الخارجية 22 سنة وللأسف لم يتعرّف على كوادر وزارته، وكان بعيدا عنهم كل البعد، باستثناء من يعملون في مكتبهِ، أو المُقرّبون منه، غالبية هؤلاء كانوا أولاد حلال ومُحترَمين، ولكن بعضهم كانوا أولاد حرام قطفْ)، يقول في الصفحة 42 عن الفساد في سورية بعد الحركة التصحيحية عام 1970، واقتبسُ الكلام حرفيا كما جاء في روايته:

(….ولكن ظل النظام قاصرا عن وضع حد للفساد في البلاد ــ ويقصدْ بعد الحركة التصحيحية ــ .. ويُتابِعْ: كان الرئيس يعلق عندما نتطرق إلى هذا الموضوع الحساس والخطر أن القيادة السابقة – على الرغم من حماقة بعض أعضائها ويساريتهم الطفولية – أكثر نظافة من القيادة التي جاءت بعد الحركة التصحيحية( ..

هذا اعتراف واضح أن قضية الفساد كانت قديمة، وكانت تكبرُ مع الأيام كما الخلايا الخبيثة، حتى باتت ثقافة دولة ومجتمَع، وباتت مواجهتها صعبة جدا..

**

أوجُه وأشكال الفساد أكثر من أن تُحصى، وكلها خطيرة.. وسأتناولُ هنا أحدُ أخطرها، وهو عدَم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وفي هذا المجال سوف أسردُ ما قرأتُهُ عن جاسوس (سوفييتي) وظّفتهُ المخابرات الأمريكية عميلا، وكان يشغل منصب وزير الخدمة الوطنية.. وبعد اكتشافِ أمرهِ سأله ضابط المخابرات الذي كان يتابعُهُ ويُراقبهُ، ما هي الخدمات التي أدّيتها لِمُشغِّليك؟. فأجاب الجاسوس: كنتُ أضعُ كل واحد في المكان غير المناسب، وأشجِّعُ على ترقية الهزيلين والجبناء، ومحدودي المؤهلات العلمية، وأقوم بالدعاية الإعلامية لهم، وأَحُولُ دون صعود الكفاءات والشخصيات التي تتمتع بالفهم والمؤهلات وقوة الشخصية ولديها المقدرة على المبادرة وتحمُّل المسئولية واتخاذ القرار والتطوير..

إذاً هكذا كان دور الجاسوس السوفييتي باعترافهِ هو، وأساليبهِ لتخريب الدولة.. هل لاحظتم كيف يتمُّ تخريب الدول!.. كم مسؤولٍ عندنا مارس هذا التخريب دون أن يدري..

**

يقول أحد أعضاء مجلس الشعب السوري ــ وقولهِ من باب النقد الذاتي طبعاــ (وهو من مدينة حلبْ ومن اشدِّ الموالين) ، في حِوارٍ ساخنٍ على شاشةٍ ٍخليجية مشهورة يوم 20/12/2016 ، يقول عن المسئولين في الدولة السورية: ( هناك الحاقد وهناك الفاسد وهناك الموتور في الدولة وفي النظام (، هكذا حرفيا..

والسؤال: هل الفاسدون وطنيون؟. أم أن الوطنية وجهة نظر، كما هي العَمَالة لدى البعض وجهة نظر؟. وماذا فعلوا لكل أولئك الفاسدون؟.

ثمَّ، أليسَ هؤلاء الحاقدون والفاسدون والموتورون( حسبَ تعبيرات عضو مجلس الشعب المذكور) ومِن خلالِ مناصبهم، هُم من قيّموا، سابقا ولاحقا، أنبل أبناء الوطن وأكثرهم وطنية، ومنحوهم، ويمنحونهم شهادات (حسن سلوك)؟.

كمْ أدّى، ويؤدي هذا إلى تخريب في الدولة حينما أولئك الفاسدون الموتورون (الذين تحدّث عنهم عضو مجلس الشعب، وليس أنا) يكونون في مواقع المسئولية والقرار؟..

وسؤالي: هل اطّلع ذاك العضو المحترم السابق في مجلس الشعب، أو غيرهِ،  (الذي تحدّث عن الحاقدين والفاسدين والموتورين بالدولة) على الشكاوى التي أرسلها كثيرون إلى المجلس بالماضي عن أحد هؤلاء؟. ماذا حصلْ ؟. لا شيئا.. لماذا؟. لأن هناك من يُشغِلون مناصب عليا بالدولة على أساس الانتماءات، وبالتالي هناك خشية أن يُقال: هل هذا لِوحدهِ هو السيئ؟. ما شافوا غيرو؟. ثم تأخذ الأمور تفسيرات أخرى.. ولذا كان، وما زال، هناك تغاضٍ عن أمور كثيرة، تستحقُّ المساءلة والمُحاسبَة.. بينما يدفع الثمن شخصا ضعيفا مغمورا من عامّة الناس، يكون قد ارتشى بخمسمائة ليرة، فيتم القبض عليه وتحميله مسئولية كل فساد البلد.. وأحيانا يكبر الغضب الشعبي، فيُصبِح لا بدَّ من تهدئة ذلك، باتخاذ إجراءات ما..

**

مسؤولي بلدنا، سابقا ولاحقا، هُم أكثر من يتحدّثون عن الوطنية في الأقوال، ولكنهم ابعدُ الناس عنها بالأفعال..

ومن هنا أقول تغيير الوجوه لا يُفيد ما لم يتمُّ التركيز على أمرين:

أولا: تغيير كل الآلية التي تحكمُ عمل الدولة والاختيار للمناصب.. وهذا موضوع يطولُ شرحهُ..

فهناك من يسألون دوما: كيف يتمُّ اختيار الوزراء؟. والسؤال الأصح، كيف يتمُّ اختيار الوزراء والمُحافظين والسفراء والمُدراء العامِّين، وحتى أعضاء القيادة الحزبية وأعضاء اللجنة المركزية.. الخ..

هناك أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الذي انتسبتُ له قبل أكثر من نصف قرن، لم يكُن لهم في حياتهم نضال حزبي وغير حزبي.. بل لا يوجد عندهم أدنى مشاعر الروابط الحزبية إزاء باقي الرفاق.. ومنهم وزير فضَّل من (ينفرون من الحزب ولا يشترونه بليرة) على أرقى وأنقى الرفاق، وأكفأ الكوادر!!.. أحدِهم (يحمل اسم إحدى العائلات المعادية لفكر الحزب تاريخيا) قدّم طلب انتساب للحزب ولكن جاء الجواب بالرفض لأنه لا يصلح أن يكون في حزب البعث..والمُفارَقَة أن هذا ذاتهُ صلُحَ ليكون سفيرا لدولة البعث، على خِلاف أبناء البعث..

أحدِهم في لندن، كان إذا غضِب من الحاجب، يقول له: (ليش أنتَ حِمار.. كأنك بـ.. ي) .. على مسمع الجميع..

وثانيا: إعادة النظر بقضية التربية الوطنية بالمدارس، بحيثُ يمكنُ أن نغرس بعقل التلاميذ والطُلّاب، منذ الصِغر، وفي عقلهم ووعيهم ووجدانهم وأذهانهم، ثقافةً راسخة ومتجذِّرة، وتكبُرُ معهم، وتجعلُ واحدهم، وبشكلٍ عفوي، ينظر إلى نفسهِ

 من خلال الوطن ومصالح الوطن، ولا ينظر للوطن من خلال ذاتهِ ومن خلال مصالحهِ الشخصية ..

هنا تكمن المشكِلة.. ومِن هنا نرى أن المواطِن (عموما) حريص جدا على كل شيء يتعلق به ولكنه غير حريص بنفس المقدار على شيء تعودُ ملكيته للوطن.. يعتبرون الوطن بُستانا والشاطر من يجني منه أكثر من الآخر..

ثالثا: حتى ننجح في هكذا تربية، نحتاج أولا إلى مسؤولين قُدوة قبل أي شيء، يُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وليس مسؤولين انتهازيين للفُرَص، ومبدأهم: هبّتْ رياحي، وعليَّ من نفسي ومن بعدي الطوفان..

فمهما بذلنا من جهود في سبيل تربية وتنشئة الأطفال والأولاد والشباب على حب الوطن والوفاء والإخلاص، فإنّ كل هذه المعاني تبقى نظرية، وتنهارُ في أذهانهم ووعيهِم حينما يرون الفاسدون من حولهم في كل مكان مُرفّهون ولا يُحاسَبَون، بل يُحاسِبُون ويُكرَّمون، ويرون أولاد الفاسدون من زملائهم يعيشون حياةً مُرفَّهة ومُترَفة، وهم يعيشون البؤس والفقر والحرمان، وينظرون لأولئك بعين الحسرة والتندُّر على أحوالهم..

لا يمكن للآباء أن يدعون أولادهم للابتعاد عن السلوكيات السيئة، بينما هم يمارسونها أمامهم كل يوم..يجب أن يكونوا أولا قدوة لأولادهم، حتى تنغرس فيهم المعاني والقيم النبيلة..

**

سمعتُ بالماضي عن قصّة تحكي أنّ، أحد الطلاب يرى كل يوم زميله يأتي بالسيارة إلى المدرسة، وجيبته مملوءة بالمصاري، بينما هو يأتي تحت حر الشمس، أو المطَر، ويحمل مبلغا زهيدا جدا.. فيقولُ لأبيه: أنتَ كنتَ أعلى مرتبة من والِد زميلي فلان، فلماذا هو يعيش برفاهية وأنا لا ؟. فأجاب الأب: يا بُني هذا والدهُ كان حرامي وفاسد.. فأجاب الولَد: ولماذا أنتَ لم تُصبح حرامي وتؤمِّن لنا ما أمّنه أبوهُ له؟.

كم هو خطير أن يصل مستوى تفكير الأولاد الذين سيصبحون عماد الوطن مستقبلا، لهذا المستوى!..

أنا لا ألومهم، بل ألومُ من أوصلوهم لهذا التفكير.. ألومُ بيئة الفساد التي دفعتهم ليُفكِّروا كذلك.. من هُم المسؤولون عنها!..

**

اليوم تُعاني الغالبية الساحقة من أبناء الشعب السوري الفقر والعوَز والحاجة والحرمان، بل وحتى الجوع.. بينما الفاسدون والسارقون، لم يتغيّر مستوى حياتهم، وما زالوا يعيشون بنعيمٍ ورفاهية، وقادرون على شراء ما يشاؤون لِعائلاتهم رغم كل الغلاء.. وكأنهم يقولون للشرفاء: مَن طلبَ منكم أن تكونوا شرفاء؟؟..

كم هو خطير، أن يصل الإنسان إلى مرحلة يندم فيها على أنه كان شريفا ونظيفا، حينما يرى الفاسدون يسيدون ويميدون، ويترفّهون بالمال الحرام، دون أيِّ مُحاسبَة.. بل لأن جيوبهم مُتخَمة بالمال، الجميع يضرب لهم التحية..

كيف سنبني الوطن دون محاسبة أولئك؟..

كيف سنُعيد بناء الإنسان السوري من جديد في ظل هكذا حقائق مؤلمة؟. هنا السؤال، وهنا التحدِّي..

هناك من سيقولون، الله سيحاسبهم في الآخرة.. وهذا صحيح، ولكننا نريد أن نرى من يُحاسبهم في الدنيا أيضا، كي يكونوا عِبرة لغيرهم..

كاتب سوري ووزير مفوّض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. سيد وسيم هل قصدك ان تقول ان صناع القرار بالدولة متآمرون على الحزب وعلى الدولة لأجل مصالجهم؟.

  2. يمكن أن تغطي بهذا المقال جميع الدول العربية من دون استثناء… حيث أن مفهوم الدولة يطابق مفهوم الغنيمة لدى أصحاب الشوكة و العصبية..أي الحكام ….
    للاسف ما زلنا نعيش في نفس الإشكالية الخلدونية….

  3. و مين قلّك انو كل من استلم منصب بسوريا معناها مؤيد للنظام؟! لا يا سيدي انا لوحدي بعرف كمشة وزراء وأعضاء قيادة قطرية و سفراء و محافظين و أمناء فروع حزب و مدراء بيكرهوا الأرض اللي بيمشي عليها النظام ولكن بالرغم من ذلك سلّموهم مناصب ليس حُبّاً بسواد عيونهم ولكن لاستمالة ولاء من يمثّلون من طوائف أو مذاهب أو قبائل أو عشائر أو تيارات سياسية أو اقتصادية أو حتى أحياناً مجرد كونه ابن عائلة كبيرة، لأن معلومك السوري يا لاعوبة يا خاروبة يا قاعودة بالنصّ، يعني يا بتسلّموا منصب يا بيقلب معارض مستعد يركب أي دبابة توصّله للقصر، فشاف المعلم انو الأسلم يشتري ولائهم بتوزيع المناصب و الامتيازات عليهم مشان ما يوجّعوله راسه عملاً بمبدأ كلب يعوّي معك أحسن من كلب يعوّي عليك. و يا سيدي رح زيدك من الشعر بيت و قلّك انو بزماناته كان في وزير محسوب عالاخوان فرز أكثر من عشرين سيارة لأقربائه مع أنّهم اخونجية أباً عن جد و يسبّون النظام خمس مرات باليوم عقب كل صلاة و على عينك يا تاجر! هلّء بصراحة الأمور كانت ماشية بسلاسة نوعاً ما ولكن المشكلة انو ميزانية الدولة بدءاً من عام ٢٠٠٠ أو بالتحديد من عام ٩٨ ما عادت تكفي تكاليف مناصب و امتيازات و قصّ لسان فبدأ الشباب الطيبة بالتململ من تحت لتحت هييييك لحتى اجى الربيع العبري و انفجروا و طلّعوا الزبايل و النشح اللي بداخلهم لحتى وصلنا لما وصلنا اليه اليوم.
    خلّيها لربّك، شعب نصّه زعماء و نصّه أنبياء كيف بدّك تحكمه!

  4. تمام,, خير الكلام ما قل ودل,,, مقال جميل وغير مزخرف

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here