د. عبد الحميد فجر سلوم: لماذا لم يغضب العرب على عدوان تركيا على مناطق غرب الفرات كما شرق الفرات؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

بيان الجامعة العربية الصادر يوم السبت في 12 تشرين أول لم يكن سوى حلقة في سلسلة بيانات الجامعة العربية الهزيلة التي لا تساوي حتى الحبر الذي تُكتب به.

طالبَ البيان مجلس الأمن الدولي بوضع حد للعدوان التركي على الأراضي السورية، وكأنهم لم يقرءوا أو يسمعوا أن مجلس الأمن الدولي انعقد قبل يومٍ من اجتماعهم وفشل حتى في إصدار بيان، لأن روسيا والولايات المتحدة مع بعض رفضتا إدانة العدوان التركي كما كانت تطلب مجموعة الدول الأوروبية في المجلس .. فكيف لهكذا مجلس أن يوقف هذا العدوان وهو لم يتفق حتى على إدانة العدوان؟.

مناشدة مجلس الجامعة العربية لمجلس الأمن هي نوع من الهروب للأمام والتعبير عن العجز المطلق في التأثير بالأحداث، كما هي العادة دوما..

لماذا عرب الجامعة العربية لم ينتفضوا ويتداعون للاجتماعات حينما شنّ أردوغان هجومه على مناطق شمال حلب وعفرين في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون؟. أليست هذه أيضا أراضٍ سورية؟. أليستْ مناطق غرب الفرات سورية كما شرق الفرات؟.

الألاعيب مكشوفة والجميع يعلم أن عرب الجامعة العربية لا تعنيهم سورية ولا أراضيها بشيء، وإنما هدفهم هو تصفية حسابات فقط مع أردوغان..

عرب الجامعة هُم أول من وضعوا أياديهم بيد أردوغان منذ العام 2011 وشكّلوا ودعموا كل التنظيمات المسلحة التي تكاثرت لاحقا كما الفطر فوق الساحة السورية..

وزير خارجية السعودية السابق الراحل سعود الفيصل قالها من عظمة لسانه حينها : أن التدخل التركي في الشأن العربي هو تدخل إيجابي، بينما التدخل الإيراني هو تدخل سلبي.. كانت علاقتهم مع أردوغان سمن وعسل حينها..

بل أن أنقرة، وانطلاقا من هذه العلاقة القوية، أصدرت بيانا تؤيد فيه بقوة عملية (عاصفة الحزم) السعودية في اليمن في أواخر آذار 2015 ، وجاء في البيان ما يلي : ” نعرب عن دعمنا للعملية العسكرية التي أطلقتها قوات التحالف في مواجهة الحوثيين، والتي تمت بناء على طلب السيد هادي الرئيس المنتخب شرعيا، حيث قامت السعودية بإبلاغ تركيا مسبقا عن العملية العسكرية. ونعرب عن ثـقتنا بأن هذه العملية ستساهم في الحد من مخاطر الاقتتال الداخلي والفوضى في البلاد، وفي إعادة سيطرة السلطات الشرعية على زمام الأمور فيها”. كما تضمن البيان عبارة مهمة وهي “كما ندعو الحركة الحوثية و(داعميها من الخارج) في إشارة ضمنية لإيران – إلى الابتعاد عن التصرفات التي تهدد الأمن والسلام في اليمن والمنطقة”. ..

انقلب موقف بعض الدول العربية، وتحوّلت من دول صديقة لأردوغان، إلى خصوم وأعداء، بعد عدة تقلبات وتطورات تعني هذه البلدان أولا، وليس سورية..

أولها، قطع العلاقات الدبلوماسية المفاجئ لكل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين، في حزيران 2017 مع دولة قطر، واتهامها بدعم الإرهاب وإيواء الإرهابيين، والمقصود ( الأخوان المسلمون) كما يوسف القرضاوي وشخصيات أخوانية كثيرة.. فاصطفَّ أردوغان إلى جانب قطر وأرسل القوات العسكرية إليها لحماية نظامها خوفا من غزو سعودي إماراتي..

وثانيا، وقوف أردوغان ضد الرئيس السيسي في تموز/ يوليو 2013 ، واصفا إياه بقيادة انقلاب ضد الرئيس ( الأخواني) محمد مرسي.. ورفضهِ الاعتراف بشرعيته.. والتحريض عليه في كل المحافل الدولية.. وخفضهِ لمستوى العلاقات الدبلوماسية..

وثالثا، المَيل الذي  كان واضحا في الإعلام الإماراتي والسعودي والمصري، لجانب المحاولة الانقلابية ضد أردوغان في تموز 2016 ..

ورابعا، ومما زاد الطين بِلّة هو تسريب المخابرات التركية لأشرطة التسجيل المتعلقة باغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في استنبول في 2 تشرين أول 2018 .. والاتهامات غير المباشرة لولي العهد السعودي بأنه هو من يقف خلف عملية قتل خاشقجي .. والغضب الأردوغاني من هذه الجريمة، وتعهُّد أردوغان بمعاقبة قتلة خاشقجي واعتبار ذلك دَينا في عنقهِ ..

كان القرار السعودي والإماراتي والمصري هو الانتقام من مواقف أردوغان بالانخراط في دعم قوات سورية الديمقراطية(قسد) المتواجدة في الجانب السوري بالقرب  من حدود تركيا نكاية بأردوغان، ولأجل ذلك حصلت لقاءات وزيارات لوفود سعودية إماراتية للمنطقة..

وقامت وفود سعودية إماراتية بزيارة مدينة الرقة السورية والتقت مع (قسد) بإشراف التحالف الدولي .. كما جرت زيارة لوفد سعودي إماراتي أردني لمناطق (قسد) بهدف تأسيس وحدات عربية..وكذلك زيارة لوفد سعودي إماراتي إلى مدينة منبج شمال حلب والحديث عن خطة لتدخل سعودي إماراتي شرق الفرات.. وكذلك الحديث حينها عن حوار تجريه الولايات المتحدة مع مصر والإمارات من أجل إرسال قوات عسكرية عربية إلى مدينة منبج القريبة من الحدود مع تركيا، تمولها الإمارات وتوفر لها الولايات المتحدة الغطاء والحماية الجوية..

كل هذه النشاطات كانت نوعا من الانتقام من مواقف أردوغان بسبب انحيازه للنظام القطَري، ضد السعودية والإمارات، وإدانته لِما وصفهُ بانقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي على الراحل محمد مرسي، ولم تكن لها علاقة بالغيرة أو الحرص على سورية ووحدة أراضيها وشعبها، أو حمايتها من العدوان التركي..

واليوم إذا غيّر أردوغان موقفه وأعلن أنه يعترف بشرعية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتوقف عن استخدام كلمة “الإنقلاب” في مصر ، وأعلن أنه يؤيد موقف السعودية والإمارات ضد قطر، فإن كل هؤلاء سوف يلحسون كل بصاقهم على أردوغان بدقائق، ويسحبون حالا آخر بيان للجامعة العربية الصادر يوم السبت 12 تشرين أول ..

مواقفهم تتعلق بمصالحهم الشخصية وليس بمصلحة سورية.. ومصلحة سورية آخر ما يفكرون به.

يتباكون اليوم على سورية لأن مناطق (قسد) كانت كما الورقة بأياديهم في وجه تركيا، واليوم أردوغان بعدوانه السافر على تلك المناطق لِخلق أراضٍ عازلة بين تركيا وبين المناطق الكردية، في داخل الأراضي السورية، فإنما هو ينتزع هذه الورقة من بين أياديهم ولم يعُد لديهم شيئا يزعجون به أردوغان، بينما هو يزعجهم كل يوم بدعمه لِقطَر، وإثارته لمقتل خاشقجي، واتهامه للسيسي بالعداء للديمقراطية والقيام بانقلاب عسكري..

إنها ” مهزلة دموع التماسيح العربية على سورية”  كما وصفها الأستاذ عبد الباري عطوان .. ولكنها تماسيح بشرية تقتل القتيل وتبكي عليه وتمشي في جنازته ..

سورية كما الشاة التي وقعت فَكثرت من حولها الذئاب والضباع..

نرفض العدوان التركي والاحتلال التركي، كما نرفض الاحتلال الإسرائيلي والعدوان الإسرائيلي، ونرفض الاعتداء على أي مواطن سوري، كردي أم غير كردي، ولكن نرفض عمَالة أي سوري لأمريكا وغير أمريكا.. فالعمالة ليست وجهة نظر .. والمؤسف أن تكون بعض العشائر والقبائل العربية مُكوِّنا مهما في قوات سورية الديمقراطية (قسد) كما البعض من عشائر شمّر والشعيطات والبقّارة والشرابية والزبيد.. الخ .. ويضعون أياديهم بأيادي أمريكا ..

كارثة السياسات العربية أنها تُصنع من قِبل أشخاصٍ ينظرون لكل شيء من عيون مصالحهم الخاصة وأمزجتهم، في ظل تغييب أي دور للمؤسسات أو للشعوب .. وهكذا تراهم اليوم يُقبِّلون ذقون بعض وغدا ينتفون بريش بعض .. والشواهد أكثر مما تُحصى..

غضبْ عرب الجامعة انفجر فجأة وبقوة، ولكنه خفتَ أيضا وبقوة، بمجرّد إصدار بيان شجب واستنكار..

إنها سياسة “فقاعة” الماء.. سرعان ما تظهر وسرعان ما تختفي..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. مصر منذ الاطاحة بمبارك حين كان المشير طنطاوي حكام مصر الفعلي لم ينخرط فى اى شئ ضد سوريا و بعد الاطاحة بمحمد مرسي كان الاسد اول المهنئين للسيسي اصدر الرئيس بشار الاسد تصريحا ان العلاقة الامنية و العسكرية بمصر لم تنقطع حتى ايام مرسي …. و كان السيسي الرئيس العربي الوحيد الذى دعم التدخل الروسي فى سوريا عام 2015 …. و مصر هى من طردت السفير التركي و ليس العكس اى ان مصر هى من خفضت التمثيل التركي الدبلوماسي .
    ثانيا الامارات لم تدعم اخوان سوريا نهائيا بالعكس الامارات منذ اليوم الاول لديها توجسات من حركة الاخوان و تعاديها

  2. سيدى الفاضل . اقبل اليد التى كتبت هذا المقال . فعلا لقد نزعت ورقة التوت .

  3. دكتور عبد الحميد
    تحية طيبة، لكم الشكر الجزيل على هذه المقالة الصادقة والواقعية مءة في المءة كل الذي وصفتهم يتحلون بقدر عالي من ثقافة السمكة
    ولكن لن يقدموا ولن ياخروا سوريا ستظل موطن العرب وام العروبة
    وشكرا

  4. مثيري الفتن دائما ينتهي بهم المطاف إلى أن يكونوا مثيرين للشفقه وهذا هو حال أردوغان وأكابر مجرمي حزب الشيطان العالمي
    أخي العزيز إن ما يسمى بأزمة الخلاف مع قطر لم يكن مفاجئه بقدر ما تسمى مكاشفه للحقيقة التئامرية الخبيثه التي توارت لعقود خلف ستار الإعلام الدجال المزيف للحقيقة التي كانت تسكن تحت الطاولات الدبلوماسية والسياسية وخارج إستوديوهات الأبواق الزخرفية إعلاميا لتغييب الوعي عند الناس التائهين في عجلة شريط الأحداث
    ونحن كمسلمين عرب نرفض وبقوة أن يستمر هذا الخداع لأن قلوبنا لم تعد مؤهله لتقبل الخداع مجددا ولذالك نحن نرفض كل التدخلات (الفتنويه) الشريره المغلفه بالطوابع الخيريه والوحدويه وعناوين الديمقراطية الكاذبه من أي دولة ذات نزعات إستعماريه إسلامية كانت أو صليبية وندعوا الجميع إلى كف الأذى إن لم يستطيعوا الوقوف بجانبنا تجاه إستعادة ما تم سرقته من أراضينا المقدسه في فلسطين من نخبة تمثل أصل كل الشر والفساد في الأرض التي تخدم مشروع (شعب الشيطان المختار) على الأراضي العربية وتعمل جاهدة على تشويه دين الإسلام الحنيف الذي أرسل الله به محمد إبن عبد الله (الصادق الأمين) رحمة للعالمين ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here