د. عبد الحميد فجر سلوم: لماذا لا تعقد الجامعة العربية قمة عربية طارئة لأجل فلسطين وتُرسِل برسائل قوية لإسرائيل على غرار الرسائل لإيران؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

يُنسبُ إلى رئيس وزراء إسرائيل السابق شيمون بيريز قوله: ” لو أننا نُدرِك بأن العرب سوف يُنفذون 1% من قرارات قممهم ضد إسرائيل لكُنّا انسحبنا من كافة أراضي عام 1967 ووافقنا على إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية” ..

إسرائيل أول من اختبرت حكام العرب وأدركت أنهم حكاما متعددي الأوجه يقولون شيئا للإعلام والشعوب في قممهم وخطاباتهم ويمارسون عكسه تماما في أفعالهم..

كان مندوب إسرائيل الدائم في الأمم المتحدة في أوائل ثمانينيات القرن الماضي (يهودا بلوم) يصغي خلال اجتماعات مجلس الأمن الدولي إلى مندوبي الدول وهم ينددون بإسرائيل وممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وكان يقول أخيرا في مداخلته: (إن العديد ممن تكلموا اليوم وهاجموا إسرائيل سوف يتصلون معي ليلا ليعتذروا ويقولون أنهم نفّذوا تعليمات من عواصمهم فقط).. كنتُ حينها في عِداد الوفد السوري الدائم لدى الأمم المتحدة وكنتُ أسمع هذا الكلام من المندوب الإسرائيلي وأنا في قاعة مجلس الأمن..

**

لا يمكننا أن ننكر أن النظام الرسمي العربي عموما يقبع تحت الحمايات الأجنبية، ولا يمكن لأي حاكم أن يخالف رغبات الجهة التي يستظلُّ تحت مظلتها.. هذه حالة طبيعية.. ومن يحتمي بالسلطان فسوف يستجِب لرغبات السلطان..

ومن هنا نرى سهولة تمرير المخططات التآمرية في منطقتنا والتفاعل السريع مع ما يأتي من واشنطن، على سبيل المثال..

اليوم، الجميع يتجاوب ويتفاعل مع ذاك الولد المغمور والهامشي، المُكلَّف بِملف حلْ أعقَدْ وأهمْ وأقدمْ قضية في المنطقة، المدعو جيرارد كوشنير، اليهودي المتعصب جدا ليهوديته، الذي لا علاقة له بالسياسة ولا يعرف شيئا عن هذه المنطقة وتاريخها وصراعاتها، وكل مؤهلاته أنه صهرا للرئيس دونالد ترامب، الذي بدا وكأنه تأثر بالحكام العرب الذين يأتي واحدهم بأصهاره وأقاربه وأقارب زوجته وأبناء عائلته وعشيرته وأقاربهم وأصهارهم وأنسبائهم، ويُسنِد لهم أهم المناصب مهما كان واحدهم سطحيا وضحلا ومحدودا، وذلك على حساب أرقى الكفاءات والمؤهلات في أوطانهم..

**

ضجَّ الإعلام الخليجي والمحللون الخليجيون بالقول أن : قمتي مكة الاستثنائيتين ليلة 30 أيار 2019 ، الخليجية والعربية، بعثتا برسائل هامة وواضحة وصريحة لإيران( ورغم أنني لستُ إيراني الهوى) ولكن لا بُدَّ من السؤال : لماذا لم يتم إرسال أي رسالة من هذا النوع بتاريخ العرب لإسرائيل التي تحتل فلسطين والقدس والأقصى والجولان وغيرها؟. وألا يُمكن أن تكون قضية فلسطين (على الأقل) قاسما مشتركا بين العرب جميعا وبين إيران؟.

ثم ماذا تعني كل رسائل الدول الخليجية والعربية إن سحبت الولايات المتحدة يدها منها؟. لا شيئا..

لقد كان ترامب يعي ما يقول حينما كان يبتزُّ دول الخليج ويقول لهم عليكم أن تدفعوا مقابل حمايتكم وإلا فسوف تسقط عروشكم خلال 24 ساعة، وسوف تركبون الطائرات التجارية وليس الطائرات الخاصة..

إنني كعربيٍ وقوميٍ وعروبي الهوى، لا يمكن أن تكون عواطفي إلا مع العرب، ولكن مع الشعوب المغلوب على أمرها وليس مع حكامٍ مُترفين على حساب شعوبهم ويعتقدون أنهم آلهة ويشتري واحدهم اليخوت أو اللوحات الفنية أو القصور والمزارِع  في الغرب بمئات ملايين الدولارات وشعوبهم تتضوّر جوعا، ويشعرون أنه باتت لهم صفة من صفات الله وهي الديمومة.. ولكن بالمقابل ألتقي مع إيران ( ومع أي جهة بالعالم حتى لو اختلفتُ مع آيديولوجيتها في الحُكم) طالما تسعى لِحشدِ الدعم للقضية الفلسطينية والنضال لأجل إحقاق حقوق الشعب العربي الفلسطيني المظلوم وفي الوقوف ضد مخططات تصفية القضية الفلسطينية المطروحة من خلال صفقة القرن ومؤتمر الدوحة في أواخر حزيران 2019..

**

بيَانا القمتين الخليجية والعربية في مكة مساء 30 أيار 2019 ، لم يتطرّقا ولا بكلمة لإدانة جرائم إسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني، مع أن بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف قدّمت تقريرا كاملا يوم 18 آذار 2019 عن المظاهرات الفلسطينية التي اندلعت على حدود غزَة عام 2018 ، وجمَعَتْ قائمة تشمل الإسرائيليين المُشتبه بارتكابهم جرائم خطيرة، وأتاحتها للمحكمة الجنائية الدولية.. ونتيجة ذلك صوّت مجلس حقوق الإنسان في 22 آذار 2019 لصالح قرار يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في تعاملها مع المظاهرات عند حدود قطاع غزّة..

 فضلا عن ذلك لم يشتمل البيانين على عبارة واحدة تدين قرار الرئيس ترامب في الموافقة على شرعنة احتلال إسرائيل للجولان العربي السوري.. ولم يتضمنا عبارة واحدة ترفض صفقة القرن، وترفض أية محاولات لتصفية القضية الفلسطينية .. كل هذا لم يتطرقوا له بكلمة واحدة في البيانين الخليجي والعربي، وتركوه للقمة الإسلامية..

قد يخرج البعض ليبرر ذلك بالقول أنه تمّت تسمية قمة الظهران عام 2018 بقمة فلسطين، وهذا صحيح، ولكن قمة الظهران كانت قمة عربية عادية وليست استثنائية لأجل فلسطين.. وكذلك هناك من سيقول أنه في قمة تونس في آذار 2019 قد تم رفض قرار ترامب بخصوص شرعنة احتلال الجولان، وهذا صحيح أيضا، ولكن مع ذلك فكان من المفروض أن يتم التأكيد في بيان القمة الخليجية والعربية وبشكلٍ دائمٍ على كل تلك القضايا نظرا لأهميتها الإستراتيجية والمصيرية بالنسبة للشعوب العربية.. ولا يُعقل أن يتطرق بيان القمة الإسلامية إلى قضية الجولان، وينطوي على فقرات مهمة إزاء فلسطين، بينما بيان قمة مجلس التعاون الخليجي وبيان القمة العربي لا يتطرقان للقضية .. ولولا طلبْ الرئيس محمود عباس الإشارة إلى مؤتمري الظهران وتونس وما ورد فيهما بخصوص فلسطين، لما وردت كلمة (فلسطين) في كل بيان القمة العربية.. ومع ذلك تبقى بيانات إعلامية لا أحدا يلتزم بها، وكلٍّ ماضٍ في سياساته الخاصة، فرَغم كل هذه القمم لم نسمع أن البحرين ألغَتْ مؤتمر المنامة الذي سينعقد في إطار صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية بطلب أمريكي في 25 حزيران 2019 على الرغم من معارضة كل القيادات الفلسطينية والشعب الفلسطيني لهذا المؤتمر.. بل يقدمون للشعب الفلسطيني التطمينات فقط ويسيرون في الركب الأمريكي الإسرائيلي ..

**

إن قضية فلسطين تحتاج في هذه الظروف الحرِجة والحساسة والمفصلية إلى قمة عربية طارئة تؤكد بشكل صارم أنه إنْ لمْ تستجب إسرائيل للمبادرة العربية المقدَّمة في مؤتمر بيروت عام 2002 ، فإن الجانب العربي سوف يسحب تلك المبادرة بغضون شهرين، بدل المطالَبة بإعادة تفعيلها بعد أن رمتها إسرائيل بسلة المهملات منذ أن طرحها العرب في 2002.. وتؤكد على دعم القضية الفلسطينية بأكثر من الكلام والبيانات، وتعزز صمود الشعب الفلسطيني وترفض أي صفقة أو خطة تهدف للالتفاف على القضية الفلسطينية ومحاولات تغييبها، وتقف ضد كل مساعي إسرائيل لتهويد القدس وتغيير هويتها وطابعها ومركزها القانوني .. وإرسال رسالة شديدة لكافة الدول التي تفكر بنقلِ سفاراتها إلى القدس، والتي اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل، لأن التراخي العربي في هذا الموضوع سوف يشجع دول عديدة لتحذو حذو الولايات المتحدة..

فهل هناك من يجرؤ للدعوة إلى مثل هكذا قمة طارئة واستثنائية من أجل فلسطين؟.

لا أحدا.. فإسرائيل ذاتها تقول أن هؤلاء الحكام هُم كنزا استراتيجيا بالنسبة لها.. وأن أكبر دولة عربية يحكمها جنرالا تعتبره إسرائيل من أعز وأوفى أصدقائها.. يعني ببساطة الجميع في الجيبة الإسرائيلية .. ولذلك ما لم يُسقِط الشعب الفلسطيني بذاته صفقة القرن، فلا يتوقعون أن حكام العرب سوف يسقطون هذه الصفقة، فبعضهُم متورطون بها حتى آذانهم.. وما يُؤمَرون به يُنفذونه.. أُمِر ملك البحرين من الولايات المتحدة بتنظيم مؤتمر تحت عنوان ( السلام مقابل الازدهار) في المنامة، فاستجاب حالا ، وليس لديه بالأمر حيلة.. ومن يُؤمَرون بالحضور فسوف يحضرون وما تريده الولايات المتحدة من هذا المؤتر سوف يوافقون عليه، والضحية ستكون كما العادة شعب فلسطين وقضية فلسطين، التي تأكد بالوثيقة الدامغة أن هناك من وافق على منحها (للمساكين اليهود) منذ عام 1915 ، مقابل جعلِهِ زعيما على المشرق..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here