د. عبد الحميد فجر سلوم: لكلِّ مُقدمات نتائج.. تشوّهت معاني الوطنية في بلادي وتحتاج إلى تصحيح

د. عبد الحميد فجر سلوم

كل ما يحصل في بلادي، يدفعنا للقول أننا في زمنٍ شاذٍّ وغريبٍ بكل المعايير..اختلطَ الحابل بالنّابل.. وحتى معاني الوطنية تشوّهت، وبات الفاسد والجاهل والأحمق والتافه والسارق والجبان والمتملق والمنافق، وعديم الضمير والوجدان ووو، يمنح لنفسه الحق بالحديث والمُحاضَرة بالوطنية، وحتى توزيع الوطنيات، وأنتَ تعرفهُ كما تعرِف لون عينيك أنه فاسِد، إما فساد اليد أو فساد الضمير، الذي لا يقلًّ خطورة..

ولكن بالمقابل علينا أن نعترف أن هناك شرفاءٌ كثيرون في هذا الوطن، أصحاب كلمة وموقف ومبدأ، تتقطّع قلوبهم عليه، ولكن ليس باليد حيلة..

كم من الناس اعتقدوا أنهم مُعادلات مُهِمة، بالماضي والحاضر، لِمجَرّدِ أنهم شغِلوا، أو يُشغِلون، مواقِعا ليست لهم، بِحُكم المحسوبيات والواسطات وثقافة المزارِع، أو الانتماءات الدينية والمذهبية والمناطقية والعشائرية، أو بِحُكم مهاراتهم بالتملُّق والنفاق والمزايدات والكولكة وهَوَان النفس وكتابة التقارير، أو حتى بالرشاوى.. ولو كان هناك في الدولة أدنى حدود المعايير المنطقية والموضوعية، والعدالة وتكافؤ الفرص، لكان جميعهم، أو غالبيتهم العظمى، غير معروفين، لأن هناك من هُم أكفأ وأحقّ منهم بكل المعايير..

**

لقد بتنا في بلادي بحاجة لأن نتّفق على معانٍ كثيرة، وأولها معاني الوطنية.. فحتّى هذه تشوّهت وانقلبتْ صورتها، وباتَ مُختَلفٌ عليها..

فماذا تعني الوطنية ومَن هو الوطني؟. لقد رضِعنا مع الحليب مفاهيم الوطنية ومعانيها، ولكن هذه المفاهيم والمعاني تشوّهت في زمننا هذا، وانحرفتْ أو تحرّفتْ، وباتت بحاجة إلى تصحيح حقيقي.. وبات من يُضعِفون الروح الوطنية بممارساتهم وسلوكياتهم هُم الوطنيون، ومن ينطقون بكلمة حق في وجهِ هؤلاء هُم المُتّهمون..

اليوم ليس المطلوب تعريفا أكاديميا أو سياسيا أو لُغويا أو عاطفيا أو انفعاليا على مقاس هذا وذاك، ولا غير ذلك للوطنية (فكل هذا نعرفهُ جيدا) ولكننا اليوم بِتنا بحاجّة ماسّة لتعريف الوطنية من باب المقارنات بين الممارسات والأفعال على أرض الواقع، من جهة، وبين مفهوم الوطنية من جهةٍ أخرى.. يعني بين ممارسة الفِعل الوطني أو غير الوطني.. يعني بين الأقوال وبين الأفعال والتطبيق..

وسوف أطرحُ في هذا السياق جُملَة أسئلة وأترك للقارئ الكريم الأجوبة عليها..

ــ فهل من يستلِم منصبا ويستغل منصبه، أو نفوذه من أجل الثراء وجمعِ الثروات الطائلة على حساب الشعب والوطن، مُنطلِقا من قاعدة (هبّت رياحك فاغتنمها.. أوْ أنا ومن بعدي الطوفان)، هل هذا يمكن تصنيفه بالوطني، حتى لو تحدّث أو تشدّق ليلا ونهارا بِحبِ الوطن؟. وألَا يُضعِف هذا الروح الوطنية بالمجتمع حينما لا يُحاسَب؟.

ــ ماذا نقولُ عمّن يستلم منصبا وتَحكِم ممارساته الأمزجة ومستوى الدّعم والمحسوبيات والواسطات، ويُحابي أبناء مدينته، بل حتى أبناء حارتهِ في المدينة، وأهله وأقاربه وأصحابه ووكلائه وزبانيته (على حساب الأكفأ والأحق)، ويدعس على كل مفاهيم العمل المؤسساتي من تراتُبية وأقدمية، وخبرة ومؤهلات علمية ولغوية؟. هل هذا يمكن وصفه بالوطني؟. وألَا يُضعِف هذا  الروح الوطنية بالمجتمع حينما لا يُحاسَب.؟. 

ــ ماذا نقولُ عمّن يستلم منصبا وزاريا ويُسنِد لِسائقٍ لا يحمل أي مؤهّلٍ علمي، صلاحيات لا يمتلكها كِبار معاونيه، ويُعيِّنه مديرا لمكتبهِ، ويُجلِسه بجانبهِ مُقابِل رؤساء دول ( نعم سائق مقابل رئيس دولة، والأشرطة موجودة) ويستهتر بكل كوادر وزارتهِ؟..

ــ ماذا نقول عن مسؤول يتستّر على سلوك موظّفٍ انحدر إلى مستوى العمالة، بالبراهين الدامغة، لأنه من أبناء مدينته؟.بل يُكرِّمه بدل أن يحيله إلى القضاء ويطرده من الوظيفة؟.

ــ هل المسئول الذي يمارس الفساد والإفساد، وثقافة الرشوة والمحاسيب والزبائنية والنفعية، يمكن تصنيفه بالوطني؟. ألَم يدخل السجون وزراء بسبب فسادهِم ورِشاهم، وكانوا مُصنّفين من كبار الوطنيين (من بينهم نائب رئيس وزراء للشؤون الاقتصادية، ووزير نقل، سابقَين)؟.

 ــ وألَم ينفُد من السجون وزراء ومسئولين كبارا وأولادهم(وبينهم نائب رئيس سابق، ولم يكتشفوا فسادهُم وفساد أولادهم  على مدى 35 سنة إلا بعد أن انقلبوا إلى معارضين) لأنهم كانوا كل الزمن مدعومين وتمّ التغاضي عنهم؟.

ــ ماذا نقولُ عن الوزير الذي يُكيِّف القانون كما يشاء، عدّة مرّات، لخدمة المصالح الأنانية لشخصٍ مُقرّبٍ منه جدا، أو لبضعة أشخاص، ويُصيغُ  لِوزارتهِ مرسوما فيه موادٍّ عنصرية ويُميِّز بين كوادر الوزارة الواحدة، بل بين أبناء الدورة الواحدة، على أساس هذا مدعوم (وبالتالي يكون مواطن درجة أولى ومِن حقهِ أن يحمل لقَبَا يؤهِّله للبقاء حتى السبعين عاما في المناصب، وحتى بعد السبعين عاما إلى ما لا نهاية بِموجبِ عَقْدٍ إنْ كان مدعوما حبّة زيادة، وآخرين درجة عاشرة يجب أن يُصرَفوا على عُمر الستّين بغض النظر عن خبراتهم ومؤهلاتهم ووطنيتهم ونظافة يدهم، وبينهم بالتأكيد من هُم أكفأ من وزيرهم، ولديهم تاريخ نضالي حزبي يفتقر ذاك إليه)، ماذا نقولُ عن هذا السلوك؟. تعزيز للروح الوطنية في المجتمع؟.

ــ ماذا نقول عن الوزير أو  المسئول الذي لا يضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ويكون معياره للاختيار لِمواقع المسئولية مدى الزبائنية والمحسوبيية والشللية،(وأحيانا الرشاوى) ؟.

ــ هل خصخصة المناصب للبعض من أهل المحسوبيات، وعدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، والمجيء بالأزلام والمدعومين، ونقلِهم من وزاراتهم إلى الخارجية، بكل سهولة وبساطة وبدون مسابقات، من أجل إشغال المناصب وقبضِ آلاف اليوروات كل شهر وبشكل متواصل منذ 20 عاما أو 17 عاما أو 16 و 15 و 14 عاما .. الخ.. بينما الناس تتضوّر جوعا، هل هذا العمل يخدم المصلحة الوطنية أم المصالح الشخصية؟..

ــ ترى الأب وابنهِ يعملون بالسفارات، أو الزوج وزوجته، أو الأخت وأختها، وتتراوح الرواتب (بالعملة الصعبة حسب أسعار الصرف الموازية) ما  يعادل بين عشرة ملايين و خمسة ملايين ليرة سورية بالشهر الواحد، وحسب مرتبة كل واحد.. بينما أكثر من 80 % من أبناء الوطن لا يجدون ما يسدُّون به رمقهم.. هل هذا هو التوزيع الوطني الصحيح لثروات الوطن؟. هل هذا هو تكافؤ الفرص؟. ويا ليت واحد من أولادهم خدم في الجيش يوما واحدا.. كلهم دفعوا البدل النقدي.. هل هكذا تكون الوطنية؟. أناسٌ لتكديس المال وهُم جالسون بكل أُبّهة في المكاتب، وآخرون للموت؟. أليسَ ذوي الشهداء أحقُّ بهذه الرواتب الضخمة؟.

وهنا  سأكتب بالخط العريض وأتمنى من الصحيفة الكريمة الإبقاء عليه:

((أعود وأطالب بتعديل المادتين 41 و 49 من المرسوم 20 للعام 2016، بل إلغائهما..

وذلك لِما ترتّب على هاتين المادّتين من تمييز فاضح بين الكوادر خلال التطبيق، ومن سيادة المحسوبيات والشخصنات، وقطْعِ الطريق أمام تكافؤ الفرص، وترسيخ ثقافة المزارِع، والتسابُق للتملُّق وللحصول على الدّعم بشتّى الطرُق.. عدا عن التعارُض مع قانون العاملين الموحّد))…

 ويا ليت كلامي هذا يصل للسيد الرئيس، أو هناكَ من يُوصِلهُ.. فقد أرسلتُهُ بالماضي عبرَ الفاكسات، ولكن أعرف أنهم لا يُوصِلون لسيادته شيئا.. وحتى لو جاءهم سؤال من الرئاسة، أو من القيادة الحزبية، فإنهم لا يَصدقون في نقلِ الحقيقة.. ويكذبون ويُحرِّفون..ويتعاملون على أساس: وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكن … الخ..

لقد اقترحتُ بالماضي من خلال فاكس أرسلتهُ للرئاسة تشكيل لجنة من جهات مُعيّنة بالدولة، تُشرفُ على إدارة الخارجية، لاسيما حينما كان يديرها مُستخدَمٌ لم يقطع المرحلة الإعدادية، كان يشغل مدير مكتب وزير والآمر والناهي لثمان سنوات، وكمْ تسبّبَ بمظالمٍ وأضرارٍ، حتى جاءت الأوامر العليا بإبعاده، واستمرّت كلمتهِ مسموعة عن بُعد..مع أن هناك نائب وزير جيد جدا، نظيف وعفيف اليد، أعرفه جيدا منذ نضالنا المشترك الحزبي والطلّابي بالجامعة، ومعاون وزير جيد أيضا، ولكن القرار ليس عندهم..

ــ وأعودُ لأُكمِل الأسئلة: ماذا نقولُ عَمَّن عليهم إجماعٌ في مناطقهم أنهم فاسدون، وكما يقولون عنهم ( مقطْعُون موصْلُون)، ثُمّ يُفرَضون على مجلس الشعب من خلال القوائم الموضوعة مُسبَقا؟. هل هذا ضرورة وطنية؟.

ــ وماذا نقول عمّن لا يلتزم بالقانون حينما يتعلق الأمر بهِ  وبأولاده وأقاربهِ، ويلجأ للاستثناءات، وكافة السبُل، كي يخدم أولاده ومصالحهم، ويُسنِد المناصب للأقارب والمُقرّبين، فقط لأنهم أقارب ومُقرّبين، وكأن غيرهم غرباء في الوطن؟.

ــ هل هؤلاء التُجار والصناعيين ورجال الأعمال الذين رأوا في حاجة المواطِن فُرصَة لتكديس المزيد والمزيد من الثروات، على حساب المزيد والمزيد من الجوع والفقر والحرمان لأبناء شعبِهم، هل هؤلاء يفكرون بمنظور وطني؟.

ــ وهل من يدّعي ويُزايد أنه قاتلَ لأجل الوطن، بينما هو استغلّ ذلك وبات من كِبار الأثرياء بكافةِ الطُرق المرفوضة وغير الأخلاقية، بعد أن كان منتوفا، هل هذا يحقُّ له أن يزايد بالوطنية؟. وهل هو قاتلَ لأجل الوطن أم لأجل جيبهِ؟.

ــ وهل من يُهرِّبون المواد الأساسية خارج الوطن ويحرمون منها أبناء الوطن، هل هؤلاء وطنيون؟.

هذه أسئلة بسيطة أطرحها، ليس من باب التشكيك بوطنية أحد( ونحن نعرف أن أكبر فاسد ومُرتكِب يزايد بالوطنيات) وليس من باب سلبي، وإنما من باب الغيرة والحرص على أن نكون في دولة معايير وقانون وتكافؤ فُرص ومُحاسبَة، ونقطع الطريق على الشامتين والمتربصين، ومن باب فتحِ الحوار الإيجابي والبنّاء، ونكتشف أين هي أخطاؤنا، وكيف نقضي عليها، وكيف نبني دولة للجميع تحظى بثقة واحترام الجميع.. وكيف نفرز بين الوطني وغير الوطني من خلال الممارسات والأفعال وليس المزايدات والأقوال.. الرفاق البعثيون هُم أولَى من يجب أن يُثيروا هذه المواضيع، لأن الحزب ما يزال كل شيء في الدولة والمجتمع..

**

أعتقدُ أن الجميع يتفقون معي، أن قضايا الأوطان يجب التعامُل معها بمنتهى الشفافية والوضوح، لأنها قضايا تهمُّ الجميع في الوطن..

المسؤول حُرّا في ترتيبِ بيتهِ كيفما يشاء، وأن يزرع في مزرعتهِ ما يشاء، ولكنهُ ليس حُرّا أن يُدير وزارته، أو أية مؤسسة كيفما يشاء وعلى أساس المحسوبيات والشللية والزبائنية والمنافع والشخصنات.. هكذا تخرب الدول..وهذا ليس سلوك مسؤول..

مؤسسات الدولة ليست أملاكا خاصّة للمسؤولين ليتصرّف واحدهم بها كيفما يهوى ويرغب، إنها لكافة أبناء الوطن، ولذلك من حق كل أبناء الوطن، أن يصرخوا بوجهه حينما لا يعمل بضمير وأخلاق وعدالة وتكافؤ فُرص، ويطالبون بعزلهِ ومحاسبتهِ..

حينما نتحدّثُ بالوطنية، يجب أن نقرن الأقوال بالأفعال.. وإلا يُصبِح الأمرُ مزايدات ونفاق..

على مدى عقود من الفساد وغياب المُحاسبَة وثقافة المزارِع، تدمّرت القيم بالدولة والمجتمع..

ومن هُنا القول: النتائج الغلط هي حصيلة المقدمات الغلط.. وكل هذا أدّى حتى لتحريف معاني الوطنية..والاستخفاف بالعقول.. وعلينا تصحيح معانيها.. واحترام العقول..

تقبّلوا هذا الكلام من رفيقٍ حريص وغيور وصادق لا يعرف الكولكة والانتهاز، ومُشبَع بالروح الوطنية..

كاتب سوري ووزير مفوّض دبلوماسي سابق..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الالسلام عليك والله كأنك تتحدث عن بلدي تونس وشكرا على المقال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here