د. عبد الحميد فجر سلوم: عن فقراء سورية واثريائها.. هل بربِّكم هكذا يكون الوطن للجميع؟. كلّا وألف كلّا

 

 د. عبد الحميد فجر سلوم

الجزء الأول .. من وحي الشعور العام:

لا يمكنني أن أنحاز إلا إلى جانب فقراء الوطن ، ولا أن أكون صدى إلا لأصوات فقرا ء الوطن، فأنا نبتُّ أساسا من هذه البيئة، بيئة الفلاحين الذين حبّة عرقٍ من جباههم أنقى وأنظف من كل دماء الفاسدين والمفسدين وحيتان المال الحرام في بلادي .. وهذا الانتماء لم تؤثِّر فيه كل سنين الغربة ما بين نيويورك وبودابست وأثينا وجنيف والجزائر وبروكسل وأبو ظبي وأرمينيا ونيجيريا.. بل كانت صورة الأرض، وسهل الغاب، ومنظر الفلاحين، نساء ورجالا، وهم يكدُّون ويكدحون في الأراضي، في عز البرد، وعز الحر، لا تغادر مخيلتي..

لقد انتسبتُ إلى حزب البعث وأنا في المرحلة الثانوية في ثانوية أبي الفداء بمدينة حماه، العام الدراسي 1968 ــ 1969 ، أي قبل 51 أو 52 عاما.. وذلك لأن البعث كان يرفع قضايا الفقراء ويلتصق بهمومهم ومعاناتهم وأوضاعهم ، أي لأنه كان حزب الفقراء.. من فلاحين وعمالا وسواهم..

كافة أهل المناصب، سابقا ولاحقا، وفي كل الميادين، نبتوا أصلا من طبقة الفقراء، ولكن الفرق هناك من خانوا هذه الطبقة بعد أن كدّسوا الأموال والثروات، وانضموا إلى طبقة أصحاب رأس المال التقليديين من أبناء المُدُن وحصل تزاوجا بين حيتان رأس المال الجُدُد(البرجوازية الطفيلية التي نبتتْ من رحم الفساد واستغلال السلطة) والبرجوازية التقليدية من أبناء المُدن.. والكل يُكدِّس المزيد من الثروات على حساب الوطن، وعلى حساب الفقراء..

صعدوا باسم الحزب الذي كان، وما زال يرفع، شعارات الفقراء، والاشتراكية، ولكن خلف هذه الشعارات كان استغلال السلطة أبشع استغلال لأجل الثراء بكافة الطرق.. وحينما احتاج الوطن للدماء، لم يُلبِّ النداء لا أبناء البرجوازية الطفيلية الفاسدة ولا أبناء البرجوازية التقليدية الشريكة بالفساد، وإنما لبّاها أبناء الفقراء وكانوا في غاية الكَرَم والجود، ألَا وهو الجُود بالدم والروح .. وهل بعد ذلك من كرَمٍ أو من جُود؟!.

لا أعرف كيف يمكن أن يكون الشخص يمتلك ثروات بالمليارات  أو عشرات المليارات أو مئات المليارات ( من الليرات السورية ولا أقول غيرها) ويبقى بعثيا ويرفع شعار الاشتراكية!.

لو كان كارل ماركس على قيد الحياة لرفعَ دعاوى قضائية أمام محاكم التاريخ للاعتداء الصارخ على حقٍّ من حقوق ملكيته الفكرية (الاشتراكية) لشدّة ما تشوّهت معانيها في سورية..

أكتبُ هذا الموضوع اليوم، بعد أن تابعتُ وقرأتُ كثيرا عمّا يجيش في صدور أبناء الفقراء على وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما بعد المعارك مؤخرا في ريفي إدلب وحلب، فلا تقرأ سوى النعوات لشباب بعمر الورود ، وغالبيتهم العظمى من أرياف مُعيّنة، معروفة من خلال النعوات.. ومن طبقة الفقراء..

صوت الجميع واحد: الفقراء وحدهم من يُحاربون ويُضحُّون لأجل الوطن..

وهم يؤكدون أن الدفاع عن الوطن واجب مقدّس.. والتضحية لأجل الوطن شرفٌ عظيم، ولكن يتساءلون، لماذا هذا الواجب والشّرف هو حصرا على الفقراء وأبناء الفقراء؟. هذا هو السؤال الذي يطرحه كل قوم الفقراء مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي..

من يحصل أكثر من الوطن، يُفتَرض أنه هو من يُضحي أكثر لأجل الوطن، فهل هذا ما يحصل؟.

ما يحصل أن الفقراء يَزفُّون أولادهم كل يوم شهداء وسط الدموع والأحزان، بينما الأثرياء، من طبقتي البرجوازية التقليدية الفاسدة والبرجوازية الطفيلية الشريكة بالفساد، يزفُّون أولادهم عُرسانا، في أفخم الفنادق  وسط أهازيج الفرح والألعاب النارية وأطباق المأكولات الشهية، وزجاجات الويسكي الاسكوتلندية والنبيذ الفاخر الفرنسي.. ولا يقيمون وزنا بمثقال ذرة لمشاعر أهل الحِداد وأهل السَوَاد على مقرُبة منهم..

تكاليف كل عرس تُعيل مائة عائلة من عائلات الفقراء لمدة عام بالكامل، هذا على الأقل..

أولادهم ” دلُّوعات” أمهاتهم، متعودين على الأفوكادو والكيوي والأناناس والمانغا، والشوكولا السويسرية والفرنسية، وسيارات الدّفع الرباعي الفخمة، والسيارات الرياضية السريعة، وفنادق الخمس نجوم، فمن غير المعقول أن يكون هؤلاء على الجبهات يتعرضون للمخاطر، ويعيشون في زمهرير البرد أو لظى الحر!. (هذا حرام وما بيجوز) وعلى الفقراء أن يُراعوا مشاعر أولئك ” الدّلوعات” (خْطَيْ حرام.. وما يكون قلبكم قاسي يا أولاد الفقراء) .. إذا استشهد أولئك فمن أين ستأتون بزعماء عليكم يستعرضون أمامكم سياراتهم الفاخرة!.. كل واحد ألو شغلتو..

في الثقافة الهندوسية القديمة ، هناك من خلقهُ الإله براهما من فمه، وهناك من خلقهُ من قدمهِ، ومهمة الثاني هي أن يكون خادما للأول ومُضحيا لأجله حتى بدمه .. لا أعرف منْ استوردَ لنا هذه الثقافة الهندية القديمة مع أنها اندثرت حتى في الهند ..

جاءت ثورة البعث لتقضي على الإقطاع الطبقي والمالي والسياسي وإذ بنا نرى عودة للإقطاع الطبقي والمالي والسياسي، ولكن هذه المرة تحت مظلة ورعاية (البعث ) وبأبشع صورة عرفها تاريخ الإقطاع الطبقي والمالي والسياسي..بل بات أبناء تلك الطبقات هم من يصلحون لتمثيل دولة البعث، ومن أفنُوا حياتهم في النضال بالبعث، لا يصلحون لتمثيل دولة البعث..

**

الجزء الثاني.. من وحي التجربة الشخصية:

كيف يكون الوطن للجميع ونحن نرى أمام أعيننا أنه وطن الأقوياء وأهل السُلطة والنفوذ، وأهل الدّعم والمحسوبيات، وتسودهُ شريعة الغاب وعقلية المزارِع، فلا معايير ولا تكافؤ فرص ولا مُساواة في المواطَنَة، ولا قانون إلا على الضعفاء، وكل مسؤول كبير يُشكِّل حولهُ (شِلّة) من أزلامه من الأكثر انبطاحا له ويُسنِد لهم المراكز، ويبقيهم بلا حدود زمنية في أماكنهم ويُغطِّي عليهم، لأن أرحام النساء عقُمت ولم تلد سواهم..

بل الأخطر حينما يُمأسَس التمييز بين أبناء الوطن، أو حتى بين أبناء المؤسسة الواحدة، بالقانون رسميا.. أو حينما يصدر مرسوم مُحدّد على مقاس شخص مُحدّد، كما كان المرسوم رقم 4 للعام 2010 حيث تمّ إعداده لأجل شخص واحد مُقرّبا من وزيرهِ تمّ التمديد لهُ بعد عُمرالـ 60 ، سنة بعد أخرى حتى بلغ  65 ، وحينما تعذّر التمديد لهُ، وحتى لا يتقاعد(لأنه ساند الوطن كلهُ) وكي يبقى على رأس عمله ومحتفظا بكل صلاحياته ومكاسبه، فقد صدر المرسوم 4 للعام 2010 ، الذي نصّ في إحدى مواده، أن من يحصل على لقب ” سفير” يبقى قانونا حتى عُمر 65 ، ومن ثم يُمكن للوزير أن يمدد له عاما بعد عام حتى عُمر الـ 70 .. وهذا ما حصل، ولم يتم الاكتفاء بالتمديد له حتى عُمر السبعين، بل تمّ الاحتفاظ به بعدها بموجب “عَقد” مع الوزارة، وكل يوم من مهمة خارجية إلى أخرى، ووضعهِ عضوا في كل الوفود، من أجل التنفيع .. فأقل مهمة فيها ألفي دولار، ونعرف ماذا تعني الألفي دولار!.. عدا عن تظبيطه لأولاده ( حمَلة الجنسيات الكندية) حيث يريد..

وأنوِّه هنا أن المسؤولية تقع على من أعدّ المرسوم ورفعَهُ للجهات العليا، وليس على من أصدروا المرسوم.. فلا يمكن لرئيس بالعالم أن يكون لديه الوقت لقراءة مرسوم من 15 أو 20 صفحة، وأكثر.. أو أن يراقب ويتابع عمل كل وزير ووزارة بشكل يومي..

فأناشدكم بالله: هل هكذا يكون الوطن للجميع؟.

بل بعد أن استنفذ المرسوم 4 للعام 2010 غاياته، تم إلغائه واستبداله بمرسوم آخر، رقم 20 للعام 2016 والذي ينص في المادة 41 على مايلي :

 (  يتم تعيين العاملين في الوزارة وإنهاء خدماتهم وفق أحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة وهذا المرسوم التشريعي، حيث تنتهي خدمة العامل في الوزارة عند بلوغه السن القانونية للإحالة على التقاعد وفق التاريخ الميلادي ، ويمكن في حالات الضرورة تمديد خدمته سنة واحدة قابلة للتجديد حتى خمس سنوات بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير ، أما من حصل على لقب سفير فتنتهي خدمته حين إتمامه الخامسة والستين من العمر ، ويجوز بمرسوم بناء على اقتراح الوزير تمديد خدمته سنة فسنة بما لا يتجاوز سن السبعين ، وتدخل مدد التمديد في حساب الترفيع والمعاش ) .

حسب هذا المرسوم باتت هناك حالات متعددة للتعامُل مع كادر تلك الوزارة: فمن يريد الوزير صرفهم على الستين فيستطيع حالا، ومن يريد التمديد له بعد الـ 60  حتى 61 أو 62 أو 63 أو 64 أو 65 ، فيمكنه ذلك دون أن يكون هناك أي معيار واضح سوى الرؤية الشخصية والمحسوبية.. ومَن يريد إبقائه بقوة القانون حتى الـ 65 يُمنح لقب سفير ثم يتمُّ التمديد له حتى 66 أو 67 أو 68 أو 69 أو 70 .. دون تحديد أية معايير مُبيّنة وواضحة ومعروفة.. وبلدنا ونعرفها.. كلها محسوبيات وواسطات والتماسات ومحاباة..

هناك من بلغوا 67 أو 68  وما زال يُمدّد لهم، وسيُمدّد لهم حتى السبعين ومستمرون بالمكاسب والامتيازات..

فهل بربكم هذه وطن للجميع، وهذه دولة للجميع!..

ألَا تعني المادة 41 من ذاك المرسوم غربلة الناس حسب الواسطات والمحسوبيات فلا يبقى أخيرا إلا كبار المدعومين والملتمسين، حتى يبلغوا سن السبعين.. نعم هذا ما تعنيه، وهذا ما يحصل.. وأعرف لو كانت المسألة تتعلق بالكفاءات والمؤهلات والخبرات والمقدرة وقوة الشخصية والمقدرة على المبادرة واتّخاذ القرار، واللُّغات، والأحقية والتراتبية، وتكافؤ الفرص، وحتى الوطنية، كانت المسألة مختلفة مائة وثمانون درجة.. ولكننا في دولة شريعة الغاب، دولة كل مين إيدو ألو.. وأنا لا ألقي باللوم على أشخاص، فكلٍّ يبحث عن مصلحته، وإنما على آلية عامّة في الدولة لا تؤدي إلا للأغلاط وشريعة الغاب وثقافة المزارِع..

لو أن ولدا من أولاد أولئك، أصحاب الدّلال والمكاسب، يحارب على جبهة من الجبهات، لبرّرنا له كل هذه الامتيازات.. ولكن أولادهم بعيدون عن كل هذه المعاني، والغالبية يحملون الجنسيات الأجنبية، ويقيمون خارج الوطن، لأنهم أصلا لم يعودوا يتلاءمون مع طبيعة الحياة في الوطن.. ومن يعيشون في الوطن ألحقَهم آبائهم بهم في الوظيفة كي يأخذون مكانهم بالمستقبل..

وأشير أنه في المرسوم 20 للعام 2016 بدأت تجربة جديدة أيضا لم تكُن في تاريخ تلك الوزارة، وهي المادة 49 التي تنص في الفقرة ” ب” على ما يلي : ( لا يقترن منح لقب سفير بتعيينه لرئاسة بعثة دبلوماسية ، بحيث يمكن منح اللقب في الإدارة المركزية ) . أي يمكن للوزير(طبعا أي وزير لا على التعيين، اليوم وفي المستقبل، طالما المرسوم نافذا) أن يمنح لقب سفير لِمن يرغب من دون أن يكون سفيرا مُعتمدا في بلدٍ ما، ثم يمنحهُ كل امتيازات السفير بعدها.. وهنا نعود لنفس السؤال: ما هي المعايير لذلك؟. هاتين المادتين 41 و 49 في المرسوم 20 خلقتا إشكالات وحساسيات ما بعدها.. وفسحتا المجال لكل أمراض المجتمع أن تسود .. وأعني ما أقول.. مع احترامي للجميع..

ومن هنا أجدُ أن هذا المرسوم يجب أن يُعرض على مجلس الشعب، تماما كما حصل مع مرسوم وزارة الأوقاف رقم 16 لعام 2018 الذي خلق جدلا واسعا بعد إصداره، فتمّت إحالته بعد ذلك إلى مجلس الشعب وتعديل كافة المواد الجدلية أو الغامضة، وبعدها تمّ إصدارهُ.. أو أن يعود كل شيء في تلك الوزارة إلى ما كان عليه حتى عام 2013 ، حيث كان يتمُّ التمديد للجميع، بلا استثناء، سنة بعد أخرى حتى سنْ 65 ، إلا إن كانت هناك من أياديه ملوّثة.. وهكذا كان الجميع راضيا، ولا أحدا يشعر بالظلم وأن الدولة هي فقط دولة المدعومين.. ولم تكُن كل هذه المتاهات، التي لسنا مضطرين لها على الإطلاق.. فالنساء ما زالت تلد، والأرحام لم تعقم، حتى يكون هذا التدليل غير المعقول وغير المقبول للبعض بعينهم، على حساب البعض الآخر..

فهل بربكم هذه دولة للجميع؟!.

ومرّة أخرى أقول لا ألوم الجهات التي أصدرت هذا المرسوم وإنما ألوم الجهات التي رفعت هكذا مرسوم .. فليس لدى أي رئيس دولة بالعالم الوقت ليقرأ مرسوما من 15 أو 20 صفحة .. ولكن يُفترَض بِمن يُعدُّون أي مرسوم أن يكونوا موضوعيين ومنطقيين ومنصفين وعادلين، وغير متحيزين لمصالح أشخاص بعينهم، حينما يصيغون مواد المرسوم قبل أن يرفعوها..

القوانين والمراسيم جوهرها يقوم على العدالة، وليس التمييز والاستثناءات. ونعرف أن الاستثناءات تكون فقط لأصحاب الدّعم والمحسوبيات.. وليس للدراويش..

فمتى سنرى أن دولتنا هي لكافة أبنائها، ويسودها حكم القانون والمؤسسات، وليس حُكم الأمزجة والمحسوبيات وشريعة الغاب؟!.. ومتى تتوقف صرخة الفقراء: لماذا وحدنا من نقاتل ونُضحِّي؟!.

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. المشكلة انه لم يكن هناك وقت للنقد في أي يوم بسورية ودوما الشعار المعمول به : الظروف لا تسمح للنقد . بينما كانت نفس الظروف تسمح بالفساد ومنطق العصابات وتكديس الثروات وافقار البشر . ولم يكن هناك يوما واحدا للإصلاح.
    العدالة اساس الملك . بدون عدالة لا يمكن لأي بلد ان يتقدم خطوة . الظلم لا يبني مجتمعات ولا دول.

  2. المقال لاغبار عليه ان كان يستند للأدلة ..ولكن ليس هاذا وقت النقد انه وقت مواجهت الناتوا الصليبي الصهيوني الماسوني ، يادكتور

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here